printlogo


رقم الخبر: 250401التاریخ: 1398/1/28 14:31
التحضير العروجيّ يرقى بصاحبه إلى مراتب عليا
على أساس التعاطي تُحَدّد ماهيّة الوضعية الأخروية
التحضير العروجيّ يرقى بصاحبه إلى مراتب عليا
الفوضى تَعُمُّ أرجاء المنزل، «مقلوب رأساً على عقب»، الأمور متناثرة، الأشياء ليست في أماكنها، بغض النظر ما السبب، «هذه» هنا و«تلك» هناك، بينما المطلوب أن تكون «هذه» هناك و«تلك» هنا،

 وكأنها «قيامة دنيوية صغيرة» قامت منذ حين، أدوات مبعثرة وجزئيات تائهة... وأترك لكم متابعة تركيب المشهد. المهم، أن الضيف سيأتي. نعم، إنه سيصل بعد وقت ليس ببعيد، فَهَلُمّوا لتدارك الموقف بما تيسَّر من محاولات إعادة الأمور إلى مواضعها، أقله بما يتيح لنا إظهار الانطباع الخارجي بأقل قدر ممكن من الخسائر، و«ربما الفضائح»، لعلنا نصل إلى خاتمة تحوي ـ ولو اليسير ـ من مقتضيات احترام الضيف وإظهار كرم الضيافة وحسن الاستقبال... نعم إنه «التحضير الأخلاقي».

الامتحانات على الأبواب، الرسمية ومنها وغير الرسمية، النهائية منها والفصلية. الطلاب يتحضرون، بل وإنهم يُسهِبون في التحضير ولوازمه من متابعة ضرورية وغيرها. لعلها حالات من التأهّب عند البعض، كأن المقصد هو ميدان الجهاد العسكري وليس قاعة مدنية لإجراء امتحان لبعض الوقت بكل هدوء دون أي سماع لأصوات الرصاص وصدى المدافع. يُقَلِّب بين الصفحات، بين الكتب، بين التمارين وأجوبتها، يستعين بهذا وذاك في جَوٍّ من الارتباك وعدم الاطمئنان لما قد تؤول إليه الأمور. فلا شيء مضمون، والعواقب مجهولة الحال... لعل الطلاب يفهمون عليّ ويركبون معي ذات الموجة التوصيفية. إِذاً، لا بد من الاستعداد... نعم إنه «التحضير العلمي».

إلى ماذا تريدون أن نُعَرِّج أيضاً؟ هل تريدون الساحة السلطوية؟ لا بأس... انتخابات رئاسية، نيابية، بلدية، اختيارية، نقابية، جامعية وغيرها. تحضيرات شتّى وتجلّيات متنوعة لمحاولة الوصول إلى الكرسي بصرف النظر إن كان الهدف خَيِّراً أو غير ذلك. ولكم أن تتصوروا مختلف الأشكال التمهيدية التي قد تُتَّخَذ من إعلانات، لقاءات، جلسات وغيرها، بهدف إيصال ما لدى المرشح من إقناعات للمنتخبين لكسب أصواتهم ونيل تأييدهم تحضيراً للوصول للمنصب المَرْجُو... نعم إنه «التحضير الانتخابي».

وبقية الأمثلة نتركها لِمُخَيَّلة القارئ وتصوراته: خطباء على المنابر، أساتذة في الصروح التعليمية، نساء في مطابخهنَّ، إعلاميون في برامجهم، بنّاؤون في الميادين العمرانية، وغيرها من النماذج التي يجمعها جميعاً «العامل التحضيري»، فكُلّ جهة لديها تمهيد عليها المرور به قبل الشروع في المهمة الملقاة على عاتقها.

فَإِذا كانت النشاطات الدنيوية والتي مآلها في نهاية المطاف إلى الفناء (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) تحتاج إلى تحضير يُعتَدّ به وعلى درجة لا بأس بها من الاهتمام والمواكبة بغية الوصول إلى نتيجة مُتقنَة خالية من الشوائب والنواقص، فكيف بتلك الدار التي تُشَكِّل مقصدنا النهائي وأجلنا المحتوم (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ).

قمة البداهة وجوهر المسار الطبيعي أن يتحضر العاقل وكل ذي لُبّ راجح لزمان ومكان لا نهاية لهما، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يصب كل اهتمامه في سبيل إعمار ذلك المصير الحتمي. والمواد الأولية لذلك العمار الاستثنائي هي العقيدة الصحيحة مرفقة بطاعة الله تعالى والخير والعمل الصالح (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).

ومن الطبيعي أن لا يكتفي الإنسان المؤمن بالحد الأدنى من المقدار الواجب، وإنما عليه الإتيان بالمقدار الواجب في أبهى صوره، ويتجسد ذلك في نقطتَيْن مهمتَيْن:

- أن يهتم بجودة العمل من ناحية الخشوع والاتصال بالله تعالى.

- أن يدعم العمل بأمور مستحبة ترفع قيمة العمل وتزيده بهاءً وتَرَوْنقاً. وهنا، تبرز لدينا إحدى تفريعات مسألة التحضير المشار إليها آنفاً في الأمور الدنيوية. إلا أن التحضير هنا ذو طابع عروجيّ يرقى بصاحبه إلى مراتب عليا لتقربه إلى الله زلفى.

ومثاله: التحضير الذي يسبق الصلاة، والمتجسد بما هو مأثور من أعمال مستحبة في هذا المجال (استخدام السّواك، الأدعية خلال الوضوء، التعطر، الأذان، الإقامة وغيرها).

ومثاله الآخر: التحضير للشهر الفضيل (رمضان)، من خلال حسن الاستفادة من الشهرَيْن المباركَيْن الكريمَيْن اللذَيْن يسبقانه، رجب وشعبان، والغوص في أعمالهما التعبدية الواردة والمذكورة في مكانها (وطبعاً الصوم أحدها، حيث يُستحَب صوم تمام شهر رجب وتمام شهر شعبان).

وبكافة الأحوال، مطلق العمل الإلزامي يُعَبّر عن أحد وجوه التحضير لتلك الدار الآخرة، إلا أنه بدوره يحتوي على تفريعات تحضيرية كلما زاد التوغل فيها أثمرت رُقِيّاً في الدرجات وعُلُوّاً في المنازل وأنتجت مختلف أنواع النعيم الإلهي المنقطع النظير (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ، عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ، مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ـ سورة الواقعة.

فكما في الأمور الدنيوية يحضر عنصر التحضير بقوة ويرخي ظلاله بفعالية ملفتة، أيضاً للتحضير الأخروي مكانة شديدة الأهمية عند الإنسان المؤمن العاقل، فعلى أساس تعاطيه معه تُحَدّد ماهيّة وضعيته الأخروية... فَتَنَبَّهوا... وأحسنوا التأمل... وتألقوا في التحضير.


رابط الموضوع: http://www.al-vefagh.com/News/250401.html
Page Generated in 0/0035 sec