رقم الخبر: 248913
مسلسل القمم العربية الهزلي و'ظاهرة' الضرب بالصحون والتلاسن
باتت القمم العربية، وبغض النظر عن مكان انعقادها، مسلسلا هزليا، حافلا بالمفارقات والغرائب “غير المضحكة” على الإطلاق، وبات اهتمام المواطنين العرب الذين ما زال لديهم الجلد لمتابعتها ووقائعها، ليس محصورا في التعرف على قراراتها، ولا حتى خطابات الزعماء المشاركين فيها، وإنما من “حرد” منهم وغادر القاعة مبكرا، ومن صافح من، ومن تجنب الحديث مع من، ومن عبس في وجه من، ومن داعب مفاتيح هاتفه أثناء خطاب من، وهكذا دواليك.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس مصر، فاجأنا مرتين، الأولى عندما أعلن قصره أنه سيغيب عن القمة في تونس، والمرة الثانية عندما وصل فجأة، ولم يعلن عن مشاركته إلا قبل ساعة من وصوله، لماذا اعتذر عن عدم الحضور، ولماذا غير رأيه وشارك، ما زال لغزا حتى كتابة هذه السطور.

الأمير تميم بن حمد ال ثاني، أمير دولة قطر أعلن قبل يومين أنه سيشارك في القمة وسيلقي خطابا فيها، الحضور تحقق بالفعل رغم وجود الملك السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الذي حصل على الدكتوراة الفخرية التي يريدها، ولكن من جامعة “القيروان” وليس من جامعة “الزيتونة”، ولكن الأمير تميم غادر قبل أن يكمل السيد أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية كلمته، ومن القاعة إلى المطار مباشرة، ومرة أخرى ما زلنا لا نعرف السبب، والأطرف من كل هذا أنه بعث ببرقية إلى الرئيس التونسي أعرب فيها عن خالص شكره وتقديره لما قوبل به من حفاوة وتكريم خلال وجوده في تونس، لم نر حفاوة ولا تكريم، لأن الوجود في تونس لم يزد عن 30 دقيقة بالتمام والكمال، ولم يكن الرئيس التونسي في استقباله على أرض المطار، وإنما رئيس وزرائه يوسف الشاهد، ويقال أن الشيخ راشد الغنوشي لحق به إلى المطار لإقناعه بالعودة وعدم المغادرة، ولكن سبق السيف العذل.

اللافت أن الزعماء العرب الذين وصفهم الرئيس السوري بشار الأسد بأشباه الرجال في قمة القاهرة في شهر اب (أغسطس) عام 2006، يعطون ووزراء خارجيتهم كل قمة ما تريده من أقوال وشعارات، ففي قمة وارسو التطبيعية لم ينطق أي من المشاركين فيها بكلمة “فلسطين” أو “القدس″، وركزوا على أن مزاعم الخطر الإيراني هي التي تزعزع أمن واستقرار المنطقة والعالم، أما في قمة تونس، فقد حرص الجميع في كلماتهم، وعلى رأسهم الملك السعودي على التأكيد أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحققا في المنطقة إلا بتسوية عادلة وقيام دولة فلسطينية تكون “القدس الشرقية” عاصمة لها، لماذا هنا يقولون شيء وفي وارسو يقولون النقيض، فترامب أعلم.

المفارقة الأكبر التي تشكل قمة المساخر، أن جميع من تحدثوا من الزعماء في قمة تونس أكدوا على إدانتهم اعتراف الولايات المتحدة بضم "إسرائيل" لهضبة الجولان، وكانوا ينظرون بين الحين والاخر وهم يدينون، إلى مقعد سورية الشاغر، والعلم الرسمي المرفوع على طاولته، فهل يعقل أن يناقشوا هذه القضية الخطيرة جدا دون وجود أصحابها؟ هذا التناقض لا يمكن أن يحدث إلا في القمم العربية فقط وفي هذا الزمن العربي الرديء.

الثابت الوحيد في قمة تونس هذه هو التأكيد على التمسك بمبادرة السلام العربية، ولكن إذا سأل سائل مثلنا أحد هؤلاء، أو معظمهم، لماذا لم يحترموا هذه المبادرة، وكانوا أول مجهضيها، وعكسوها عند التطبيق، ومارسوا التطبيع، وفرشوا السجاد الأحمر لبنيامين نتنياهو وفرقه الرياضية، وعزفوا نشيده الوطني، وأشهروا سيف الاتهام بالتطرف الجاهز لهذا السائل الذي يخرج عن اداب القمم، بأسئلته “غير المنطقية” هذه.

المناكفات هي المشهد الرئيسي، الذي بات القاسم المشترك لجميع هذه القمم، سواء مناكفة الزعماء لبعضهم البعض، أو لمن هم خارج ناديهم، ولا نستبعد أن تكون هذه “القرقطة” بالمبادرة العربية “المتعفنة” للسلام إلا نكاية بالسيد حسن نصرالله، أمين عام “حزب الله” الذي طالب القمة بسحبها كحد أدنى في اخر خطاباته.

في الماضي كانت القمم العربية حافلة بالمفارقات والغرائب، ولكنها مفارقات تعكس أدبياتها زمانها، وتمسك أطرافها بمواقفهم، اختلفنا معها أو اتفقنا، رغم خروجها عن النص، مثل تبادل الضرب بالصحون في قمة القاهرة التي “شرعت” وجود نصف مليون جندي أمريكي على أرض الجزيرة العربية بين الوفدين العراقي والمصري في اب (أغسطس) عام 1990، او عندما تلاسن معمر القذافي مع الملك السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اتهمه ب”العمالة” في قمة القاهرة عام 2009.

معمر القذافي دفع حياته ثمنا لهذه “الملاسنة” بطريقة أو بأخرى، وكان أول ضحية لما تنبأ به، والرئيس السوري بشار الأسد واجه تحالفا من 65 دولة، وصمد في وجه “مؤامرة” استمرت ثماني سنوات، ومن المؤكد أن هذا المسلسل سيستمر طالما ظل قادة العرب على هذا الحال.

في الماضي كانوا يعقدون القمم لوضع خطط المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والمشاريع الأمريكية الداعمة له.. والان يعقدونها من أجل مقاومة المقاومة، وكل من يتبناها، ودعم مشاريع الإذلال العدوانية الأمريكية، وحتى انعقاد القمة المقبلة دمتم بألف خير.

 

 

Page Generated in 0/0033 sec