رقم الخبر: 248538
هل ماتت القضية الفلسطينية؟!
يمكن أن نتصور تراجع القضية في سلم الأولويات السياسية الإقليمية والدولية. بمعنى أن لا تكون القضية الأساس أو الرئيسة التي يتوقف على حلها حل الكثير من القضايا الأخرى. فمن المفاهيم الخاطئة التي ترسخت فلسطينيا أن لا حل لأي قضية بدون فلسطين. اليوم هذه المعادلة في حالة عكسية، حل القضايا الإقليمية والتفاهمات الدولية قد يكون المفتاح لحل القضية الفلسطينة..!

هذا التراجع ذهب ببعض الإعلاميين والمحللين على مختلف مشاربهم، حتى من العرب، وليس الإسرائيليين فقط إلى الإستنتاج أن القضية الفلسطينية قد ماتت، وتنتظر تصريح الدفن، او بعبارة أخرى البحث عن مقبرة تتوارى فيها..!

هذه الخلاصة والإستنتاج غير صحيح على الإطلاق ويقف وراءه فكر تراجعي تسوده الروح الشعبوية المختزلة والضيقة. وتعكس قصورا في القراءة التاريخية للقضية، ومحدداتها الدولية والإقليمية.

لا أحد ينكر ان القضية الفلسطينية وليس للفلسطينيين مسؤولية في نشأتها قد أوجدها التحالف الإمبريالي الصهيوني في القرن التاسع عشر، والبحث عن حل للمسألة اليهودية خارج أوروبا، ومن جانب إرتبطت بتحولات موازين القوى التي عملت لصالح إسرائيل وما زالت. القضية الفلسطينية محصلة تحولات وتفاعلات أيدولوجية وعقيدية ومصالح قوى، ولعلي لا أذهب بعيدا لأعترف بمصداقية هذه الرؤية.

فالمشكلة والأولوية منذ نشأة القضية الفلسطينية لم تكن القضية ذاتها بل المستهدف المنظومة الإقليمية العربية بكاملها، فالهدف الإستراتيجي عدم قيام نظام إقليمي عربي فاعل وقوي لأن معنى ذلك الحيلولة دون كل المشاريع الإقليمية والدولية، والهدف الثاني الحيلولة دون وجود دولة قوية مركزية قائد تقود النظام الإقليمي العربي، وهنا لماذا الإستهداف الدائم لقوة مصر، وقوة الدول العربية الصاعدة . لذلك كان لا بد من وجود إسرائيل أولا، والحفاظ على قوتها ثانيا وبقائها قوية على كل من حولها لأنها هي الخيار الرئيس الذي من خلاله يمكن تمرير كل المشاريع الإقليمية والدولية. فعندما نقول قضية فلسطين ماتت نقول القضية العربية برمتها ماتت أو في طور الإحتضار.

وبالمقابل القضية الفلسطينية لا يمكن أن تموت.. نعم تواجه أعراض تراجع وجمود سياسي، ودرجة من الإحتضار السياسي، ولعل ابرز هذه المظاهر من الإحتضار الإنقسام السياسي الذي تحول لحالة من الكينونة السياسة المتستقلة، ومظاهر التفتت في الجسد الإجتماعي الفلسطيني، التناقض في الرؤى السياسية، وضعف وهشاشة الشرعية السياسية، ومحاولات الحصار والعنف والإعتقال التي تمارسها إسرائيل والفلسطينيين أنفسهم، والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على السلطة، وحجز أموال الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل.

ورغم مظاهر الإحتضار فما زالت القضية حية، ولا يمكن أن تموت، فالقضية ليست مرتبطة بأشخاص أو تنظيمات فصائلية تموت بموتهم، القضية الفلسطينية شعب كامل له هويته الوطنية والتاريخية والحضارية.. هذا الشعب الذي يزداد تماسكا وصمودا مع كل محاولات التفكيك والإنصهار. فعلمنا التاريخ أن الشعوب لا تموت أبدا، وهذا ما أكده تاريخ الشعب الفلسطيني.. كم من حرب، وكم من حصار، وكم من الأسرى والمعتقلين في سجون إسرائيل؟ وكم من الضغوطات الدولية والعقوبات؟ بقي الشعب الفلسطيني حيا صامدا متجذرا على أرضه،

كل الشعوب تهاجر إلا الشعب الفلسطيني، ودرس الهجرة الأولى عالق في الذاكرة الجمعية، وحتى هؤلاء الذين أجبروا على الهجرة ما زالوا يعيشون في المخيمات، ويحتفظون بمفاتيح بيوتهم. والذين يهاجرون في الشتات ما زالوا متمسكين بقضيتهم وهويتهم والقضية الفلسطينية.

ستبقى القضية الفلسطينية حية وقائمة طالما هناك إحتلال إسرائيلي، ودولة تنتظر الميلاد الرسمي، وشعب يمارس حقوقه التي أقرتها له الشرعية الدولية والإنسانية.

 

Page Generated in 0/0034 sec