رقم الخبر: 217178
نـبـوءة سيــد المــــــقـاومــة
تعلمنا قراءة التاريخ، خاصة تاريخ الإمبراطوريات عبر مسيرة التطور الإنساني، أن هناك لحظات أزمة، تمر بها كل إمبراطورية، طال عمرها أو قصر، لا تعود بعدها لسابق عهدها أبداً، مهما حاولت، أو خدمتها الظروف العالمية، فقد تجاوزت لحظات الفتوة إلى سنوات التخبط، قبل أن تسقط في بئر التفتت أو الضياع.

شاهدنا بالعيون إرهاصات نهايات الاتحاد السوفيتي، قبل أن ينهار فعلياً بعشرات السنوات، حين فقد مسطح وجوده الكبير في الشرق الأوسط، عقب انقلاب «السادات» السياسي المأساوي في منتصف السبعينات، وهرول الاتحاد السوفيتي منسحباً إلى حدوده، أو قرب حدوده في آسيا الوسطى، فقد مساحة الوجود، ومن ثم، تلاشت قدرته على التأثير في مجرى الحوادث، وظهر كعملاق بلا أقدام تستطيع حمله، حتى تفكك نهائياً في مطلع تسعينات القرن الماضي، أمام عدسات القنوات العالمية.

الاتحاد السوفيتي الذي ملك، ويملك إلى الآن، أضخم الموارد الطبيعية والاقتصادية، وأهم الترسانات النووية، المدعومة بتفوق صاروخي على الغرب كله، فقد التفوق بعد أن سقط السوفييت في رهان السباق على التقدم والقوة، رغم النجاح الباهر في خلق قوة مسلحة قادرة على مقارعة الولايات المتحدة، وجاء جيل غورباتشوف ويلتسن مخترقاً حتى النخاع من الغرب، وأسرى للدعايات الهوليودية، الموجهة بالأساس لأشخاص ذوي ذكاء محدود.

قبلها منح غرور القوة للإمبراطورية العثمانية صك الضياع، حين تقدمت إلى قلب أوروبا، لتحاصر فيينا في 1683، فكانت الهزيمة بداية التراجع من وسط أوروبا إلى شرقها، وضاعت هيبة القوات العثمانية التي لا تقهر، فقط لأن رجل واحد، هو الصدر الأعظم قرة مصطفى باشا، ظن أن عديد قواته يضمن له قهر كل أوروبا، وبالتالي كتابة اسمه في التاريخ بأنه الرجل الذي فعل ما لم يستطعه سليمان القانوني.

خلّد قرة مصطفى باشا اسمه في التاريخ فعلاً، لكنه كتب أنه الرجل الذي قتل طموحات العثمانيين، وبدأ مسيرة الانهيار، ورغم أن الدولة العثمانية استمرت ثلاثة قرون بعدها، إلا أنه كان استمرار الاحتضار، بعد أن فقدت مركزها، وباشرت بنزيف الأراضي والقوة، أمام القوى الصاعدة عالمياً وأوروبياً.

التراكمات في حالة أي إمبراطورية تصل بها إلى لحظة الأزمة، وبعدها تسير حركة الأيام إلى استنزاف تدريجي لعوامل القوة ومفاتيح السيطرة، ثم إلى النهاية الحتمية لكل قوة عظمى عبر التاريخ، السقوط الكامل، سواء كان مدوياً أو هادئاً، المهم أن السقوط يبدأ دوماً من القمة، بالفساد كما في الحالة السوفيتية، أو بغرور القوة وخطأ الحسابات، كما في حالة العثمانيين.

سيد المقاومة العربية، السيد حسن نصرالله، حين أطل قبل ساعات قليلة من العدوان الثلاثي على سوريا، لمس بذكاء معهود مفتاح الأزمة الأميركية، تملك من القوة الغاشمة ما أن مفاتحه تنوء بالعصبة، ولديها القواعد الجاهزة بامتداد قارات العالم، ورغم ذلك تقف عاجزة، متخبطة، لا تستطيع الحركة، ولا تمنح لأحد فرصة استكشاف نواياها، بعد أن أقعدتها خلافات رؤوسها الكبيرة.

ترامب يمثل قمة جبل الأزمة الأميركية، رئيس أكبر قوة عظمى يقودها بمنطق سمسار، يبحث عن المال، ويتكلم عن المال، حتى أنه يلهث وراء بريق المال، وفي إدارة العلاقات الدولية لا تبدو تلك الإستراتيجية إلا تعبيراً عن إفلاس كامل للسياسة والفكر.

الأمر بالتوقف حين تطول الخطوط، وتتشابك الخطط وتتعقد، هو واحد من أهم قرارات الحرب، والولايات المتحدة كانت في حاجة لقرار التوقف عن الرهان على صبيان الإرهابيين في سوريا، لكنها لم تدرك أن المعركة انتهت، أو هي على وشك النهاية، كانت خطوة فارقة، تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة، وإلى رجل أكثر قدرة، لكن إدارة ترامب خلطت بين المكسب السريع كفكر تاجر صغير، وبين معنى القوة العظمى، التي لا تقيم وزناً في حسابات السيطرة العالمية.

العدوان الثلاثي الغربي، والضربة العسكرية الهزلية، يحملان معاني كثيرة، رآها السيد ووصفها، قبل أن تقع، إشارة لعصر جديد في سبيله للتشكل، يعقب عصر السيطرة الأميركية، الذي حمل للوطن العربي أسوأ أيامه، ويتبقى أن تستمر جذوة المقاومة متقدة على امتداد الأرض العربية، في سوريا والعراق واليمن، فهي الضمانة الوحيدة لدور عربي في المستقبل المنظور.

 

 

 

 

 

Page Generated in 0/0031 sec