رقم الخبر: 215326
السعودية... غارقة في البلبلة التاريخية
تعيش السياسة السعودية في فترة من الضياع والهزائم وسط ثقافة متطرّفة هيمنت على سلوكها في المنطقة.

يبدو أن الوزير عادل الجبير لا يؤمن بأن السياسة مبادئ بقدر ما يؤمن بمحتويات الفوضى التي  يُطلقها من حين إلى آخر، مرّة يقول: «الرئيس الأسد عليه أن يرحل»! وأخرى يقول إن حزب الله «إرهابي» ومثله حماس!! في حين يرى في إسرائيل صديقة ولا بدّ من التعامُل معها وفق شراكة استراتيجية ضد الكل ومن هنا يصدق فيه قول المعرّي «وأذا أتتك مذمّتي من ناقص ٍفهي الشهادة لي بأني كامل»!! وليس هذا  فحسب فقد طلبت السعودية وعلى مدار تاريخها من أميركا  تحطيم الدول العربية «لتهنأ هي وأميركا»  كما جاء في رسالة الملك فيصل المسرّبة إلى الرئيس جونسون بتاريخ 22/12/1966 «أن تقوم أميركا بدعم إسرائيل على مصر» «إن سوريا هي الثاني ألا تسلم من هذا الهجوم» ثم «الاستيلاء على قطاع غزّة» و«تقوية مصطفى البرزاني بإمداده لإقامة حكومة كردية في شمال العراق»!! والملك  عبد الله سار بدوره على نهجه  وقد فضحه الوزير جون  كري حيث قال: إن الملك عبد الله طلب منه رسمياً  ضرب  إيران..».

في سوريا من كانت تعوِّل عليهم من المعارضة الذين يشبهون الصناديق المثقوبة من الأسفل في الاستيلاء على السلطة سقطوا كأوراق الخريف. والمفبرك منهم هرب بالمال المقّدم لأتباعه رواتب شهرية... السعودية تبدو بلا نوافذ ولا أبواب أمام الهزائم المتتالية ومنها الاحتلال الأميركي، حشرت كل جروحها في معبد السياسة المتعدّدة الوجوه والمنافع لغيرها وهي لا تمتلك أيّ تصوّر فيها خارج الكاراج المالي الذي تسوّق به خرافات الوهّابية.. «داعش» أنشأتها قهراً بواسطة الفكر الوهّابي الذي لا يتجاوز مذهبه بكامله حد  كلمات مُختصرَة «مُحاربة الشرك» وهدم القبور وأقبية بقايا الديانات القديمة التي تؤرِّخ لعصورٍ من الحياة البشرية..

مذهب بهذا التوجّه لمحاربة القبور بدلاً من الإحياء للدين بما يتوافق مع العصر ومع الإسلام ذاته هو عين الخطيئة لأنه في الواقع هو أقرب إلى الغشّ الديني منه إلى الاجتهاد في الدين... الوهّابية تبدو ومنذ  نشأتها على خارطة الدم وكأن من  نشروها ظنّوا أن فتوى واحدة من مُفتيهم الأكبر ترفعها وتُرهق غيرها بالفِتَن الأخرى.. تدّعي صحافة ومراكز البحث لدى دول الخليج (الفارسي)، أن دولها تُحارب «داعش» وأن إيران هي من أنشأته!! وأن قطر مثلّت اللعبة القذِرة في مجلس التعاون الخليجي .. كلام يبدو قبَلياً إلى أبعد الحدود وإن كان العرب في الجاهلية لا يكذبون ويحترمون شعائرهم الدينية.. حين يُفتي مفتي بني سعود بأن إيران «مجوسية» وأهلها « كفّار» فهو يعي جيداً أن كلامه غير صحيح، ولكن يقول ذلك إرضاء للاتفاق المبرَم بين المؤسّسة  الدينية والمؤسّسة السياسية... وكان الاتفاق كالآتي: يكون «لأمير المؤمنين محمّد بن سعود «الطرف الأول» وذريّته من بعده، السلطة الزمنية، أي الحُكم» ويكون «للإمام» محمّد بن عبد الوهاب «الطرف الثاني» وذريّته من بعده السلطة الدينية أي الإفتاء، والتكفير، من ليسوا مع الوهّابية ولا يدفعون ما لديهم من مال لها، وهكذا تمّت الصفقة. فسُمّيَ الطرف الأول باسم «إمام المسلمين»، وسُمّيَ الطرف الثاني باسم «إمام الدعوة» وهذا هو «داعش» التاريخي.. لكن في مقابل  هذا التجويف يقول إمام آخر من الرياض «إن الشيعة مسلمون والأباضية أيضاً...»، إن بني سعود يعدّون أنفسهم من الأطهار وقادة العالم السنّي!!

وربما هم  في نظرهم فقط أقرب إلى صحابة النبيّ، الأمير القطري تميم بن حمد  ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك  في نقده لهم عندما انتقد إنفاقهم مئات المليارات من الدولارات على شراء الأسلحة بدلاً من إنفاق هذه الأموال على مشاريع التنمية، وتكهّن بأن أيام «دونالد ترامب» باتت معدودة، ولا يوجد إلى حد الآن في من دول الخليج (الفارسي) من لا ينتسب إلى غير الوهّابية فهم يؤمنون جميعهم بالتطرّف في المذهب الوهّابي، ولا يستخدمونه إلا تلبية لغرائز القتل التي يتّبعونها والتي أمليت عليهم في الخطاب الديني المؤسّس لمبدأ التكفير... إن الغرب بالتأكيد ليس غبياً.. والغرب أيضاً حين يُقرّر تسديد السعودية ومن لحقها فاتورة الحرب على سوريا وليبيا واليمن، لا يؤمن بالحرية لهم خارج  القهر المالي  لما لهم ولا بالديمقراطية إلا بما تلوكه الألسن أمام  كاميرات العالم، لأن الديمقراطية إن طُبّقت ترجع على أدعيائها بالوكالة..لقد تكلّم «ترامب» في بداية حملته عن السعودية كلاماً مُشيناً ومُسجلاً ووعدها بالجزية مقابل حمايتها، والحماية هنا غير واضحة لأن لا أحد يريد للسعودية حرباً ضروساً ضدّها  تشعل المنطقة كلها، بل إن داخلها المسكون بالخطأ التاريخي الذي حشرت نفسها فيه منذ البداية هو الذي يُملي عليها هذا الخوف..؟

حين رفضت باسم المذهبية الدينية أي رأي لا يلتقي ونظرتها السيّئة للدين سخرت لذلك أكثر من سبعين مليار دولار لتسويقه بداية من  منتصف سبعينات القرن الماضي، كما سخّرت قنوات فضائية ظاهرها ديني وباطنها سياسي مُنحرِف، وبدُعاة أغلبهم يبحث من وراء ذلك عن الثراء الفاحِش والزواج المتواصل وربما من دون انقطاع.. بل إنها أوقعت العالم الإسلامي في الجزء الفقير منه في تبعيّتها بالرشاوى لحكامه وحتى تسخير الحجّ مجاناً للبعض فيها لا حبا فيهم ولا تقرّباً إلى الله زلفى ولكن قصد تسخيرهم وقت الحاجة للدفاع عن سيئاتها بالتهريج السياسي.. ثم هل من الحُكم الإسلامي أن يتولّى أبناء سلمان وحدهم  في المسؤولية  قصد توصيلهم خلفاً إلى الحكم الشمولي مثل من سبقوهم.. لقد كان قبله بندر بن سلطان «سفير المملكة ثم مدير مخابراتها» أحد أهم العابثين بمصالح الأمن القومي العربي لفائدة الغرب كله، بل كان أهم المنظّرين للإرهاب «الداعشي» في جزء مهم من القارّة الآسيوية حتى أنه في إحدى زياراته لروسيا طلب من «فلادمير بوتين» رفع يديه عن سوريا لتسقط في فم الوهّابية ويقوم هو بمنع المتطرّفين من شنّ هجمات على روسيا أثناء الألعاب الأولمبية الشتوية التي جرت في سوتشي، فما كان من بوتين إلى إن قال له لسنا  أغبياء إلى هذا الحد الذي تتصوّروننا في ما أنتم عليه.

 

 

 

 

Page Generated in 0/0030 sec