رقم الخبر: 93603 تاريخ النشر: تشرين الثاني 25, 2015 الوقت: 14:59 الاقسام: مقالات و آراء  
عقيدة الدولة السعودية: الوهابية المتوحشة

عقيدة الدولة السعودية: الوهابية المتوحشة

كيف يمكن أن نقرأ توحيد المملكة العربية السعودية من خلال كتاب «التوحيد» لمحمد بن عبدالوهاب؟ يبدو السؤال غريباً، فتأسيس الدول لا يقرأ من خلال كتب العقائد، بل يقرأ من خلال الجغرافيا والتاريخ والصراعات الاجتماعية، فلماذا نذهب إلى كتاب محمد عبدالوهاب؟

الجواب ليس بسيطاً. فكتاب عبدالوهاب أكبر من كتاب وأوسع من «عقائد»، مع أن المحتوى الذي يتكون منه خطاب الكتاب في مجمله مجموعة من النصوص: الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

إذا ما استعدنا قاعدة ابن حزم الظاهري الشهيرة «النصّ يعطيك ما فيه»، فإننا لن نعثر في نص كتاب «التوحيد» على الدولة التي نريد أن نفهم تكوينها هنا. وهذا يستدعي تعديل مقولة ابن حزم لتصير «النصّ يعطيك ما في استخدامه»، بمعنى أن نصّ محمد عبدالوهاب يعطينا بحسب ما نكشف عن السياقات التاريخية والسياسية التي استخدم فيها. والاستخدام الأهم كان في «الدرعية» في 1745 حين التقى محمد بن سعود «رجل الدولة» ومحمد بن عبدالوهاب «رجل الملّة».

كان نصّ الاتفاق الشفهي يقضي بأن يكون كتاب «التوحيد» دستور الدولة أو كتاب الدعوة، وأن تكون قوة ابن سعود الشوكة الحامية لهذه الدعوة والمبشرة بها، والقاهرة للناس من أجل اعتناقها. بهذا الاتفاق خرج كتاب «التوحيد» من العقائد ودخل السياسة، أو لنقل خرج من الدين ودخل الدنيا. وبهذا الاتفاق خرجت الدرعية من أن تكون مدينة لتصير: «موطن الدعوة السلفية ومهد علماء السلف وعاصمة الجزيرة العربية وعرين الليوث السعوديين».

وبهذا الاتفاق تحدّد مفهوم التوحيد السياسي للقبائل والمدن والمناطق التي كانت تقضمها هذه الشوكة. وصار جهاز الشوكة حسب صبغة التوحيد الوهابي. القبول بآل سعود صار بيعة، والقتال معهم أصبح جهاداً، والخروج معهم هجرة، وأطلق على البدو الذين هجروا حياة البادية واستقروا الهجر «الإخوان أو إخوان من طاع الله» وكانت مناطق الهجر معسكرات وقد بلغ عددها في مطلع القرن العشرين 200.

لقد جهد خالد الدخيل في كتابه «الوهابية وتصدّع القبيلة» على مدى 558 صفحة ليصوغ تخريجة علمية يثبت من خلالها أن توحيد الدولة السعودية شأنه شأن بقية الدول كان مشروعاً اجتماعياً وسياسياً طبيعيا، لا مجرد مشروع ديني، والوهابية في هذا المشروع كانت تحمل أفق الدولة بمفهومها الحديث، ومحمد عبدالوهاب مع محمد بن سعود قد شكّلا ثنائياً حضارياً للخروج من القبيلة المتصدعة إلى الدولة المتحضرة.

لقد قلت أجهد نفسه، لأنه راجع عشرات المصادر والوثائق وفنّد النظريات الدينية، كما يتبناها أتباع الوهابية والحداثية المسكونة بنظرية ابن خلدون، كما هو الأمر مع عزيز العظمة، وغسان وسلامة، فعل كل ذلك من دون أن يقدم لنا ما يعيننا على فهم معضلة هذه الدولة التي تشغل العالم اليوم.

لقد ذهب الباحث ليعطي السياق الاجتماعي والسياسي أهمية، قبال التفسير الديني التبجيلي، لكن فرضيته، لا تقدم لنا فهماً لمعضلة الدولة اليوم، لماذا تنتج هذه الدولة أكبر عدد من الإرهابيين؟ لماذا تنتج هذه الدولة دعاة التشدد؟ لماذا الدين الذي تتحدث باسمه هذه الدولة على هذه الدرجة من التشدد؟ كيف دعمت هذه الدولة عبر الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة الإسلام السلفي المنغلق والمتشدد في العالم الإسلامي؟ لماذا يرجع الأرهابيون إلى تراث الدعوة نفسها التي قامت عليها هذه الدولة؟

تحول «كتاب التوحيد» إلى نص مؤسس للدولة، صار بمثابة قرآنها، وهذا ما تؤكده الشروحات على هذا الكتاب التي تجاوزت العشرين كتابا، وقد كتبت من قبل كبار علماء الوهابية.

بعد أن تحول هذا الكتاب إلى دستور للدولة، صار مفهوم التوحيد طاغوتا في الخطاب السلفي والجهادي، يمارس حضوره المخيف والمستبد على أشكال التدين التي لا تتفق معه، وعلى ممارسات الطوائف والجماعات التي تختلف معه، وأعطى للوهابيين حق التدخل والتغيير والفرض والسيادة على الجميع.

لقد حدد محمد بن عبدالوهاب ثلاثة أشكال للتوحيد هي، توحيد الربوبية والألوهية والأسماء الصفات «توحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة ونحو ذلك، وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة من صلاة وصوم وحج وزكاة ونذر وذبح ونحو ذلك. وتوحيد الأسماء والصفات أن تصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وتسميه بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل».

لم يفتح محمد بن عبدالوهاب طرق التوحيد بقدر ما فتح أبواب التكفير، سيدغم من يختلف معه بحكم الكفر عبر أحد هذه الأبواب، باب الربوبية أو باب الألوهية، أو باب صفات الله وأسمائه، لا يتحمل التوحيد الوهابي أي درجة من الاختلاف في هذه المفاهيم، وعلى ذلك قس توحيد الدولة، لا تتحمل أي درجة من درجات الاختلاف معها، على الجميع أن يتماثل مع عقيدتها وسياستها.

يمثل التوحيد السياسي للدولة أشكال التوحيد العقائدي، فتوحيد الربوبية يماثله الإيمان بأن الملك هو من يعطي ويمنع ويرفع من يشاء، وتوحيد الإلوهية يتحقق بأن تفرد البيعة للملك وعبادتك تمارسها بإظهار الولاء والخضوع له، وتوحيد الصفات والأسماء يكون بأن تسمي الملك بما سمى به نفسه، ولي الأمر، خادم الحرمين. هكذا، يكفر من يخرج على أشكال هذا التوحيد ويفقد مواطنيته.

لقد ابتلعت الوهابية الدولة، وحولتها لقمة سائغة في جهازها، لذلك لا تجد الدولة أي تاريخ اجتماعي أو ثقافي لها خارج التراث الوهابي، البحث عن هذا التاريخ يعتبر شركاً وخروجاً على نص التوحيد. سيكون لأطروحة خالد الدخيل معنى لو أن الدولة ترى لنفسها تاريخا خارج كتاب التوحيد، فالدولة بما تعرف بها نفسها لا بما يريدها الباحث أن تكون.

بقلم: علي الديري - كاتب بحريني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: المنار
الاخبار متعلقة
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 8/4218 sec