رقم الخبر: 277319 تاريخ النشر: آذار 01, 2020 الوقت: 14:07 الاقسام: ثقافة وفن  
الدعاء ضروري مع كل جزء من السعي والعمل
من محاضرة للإمام موسی الصدر:

الدعاء ضروري مع كل جزء من السعي والعمل

الدعاء كان في أول الإسلام بصورة رائعة وبصورة مفيدة تساعد المسلمين على حياتهم، وتصل بينهم وبين الله.

ولكن الدعاء، بالتدريج مثل كل شيء، ومثل كثير من القيم الإسلامية، انحرف عن أساسه. فصار المسلمون، أو على الأقل بعضهم، يتركون الجهد والسعي والعمل، يتركون العلاج والاستشفاء، يتركون الاستعداد والتهيؤ لحل مشاكلهم ويتّكلون على الدعاء، ويفكرون أن الدعاء يكفي.

النبي في الحرب كان يستعد كقائد عسكري حكيم، ينظم الجبهة، يقوي المعنويات، يسد الثغور. يأخذ المناطق الاستراتيجية، ويأمر بالحرب، أو بالدفاع، أو بالوقوف على ساحة الجبل، وبعد كل الاستعدادات كان يرفع يديه إلى السماء ويطلب من الله النصر، ولا يوم من الأيام اكتفى بالدعاء. لو كان الدعاء وحده يكفي، لماذا كل هذا التعب والمشقات في حياتهم؟

نعم، الدعاء ضروري، وضروري مع كل جزء من السعي والعمل: (فإذا عزمت فتوكل) الإنسان في حياته يجب أن يشتغل، يجب أن يسعى، يجب أن يسبب الأسباب، وبعد ما قدم كل ما في وسعه، حينئذٍ يطلب من الله، وهو المعالج المسبب المفرِّج الحقيقي. علينا أن نسعى ثم ننتظر. أما الدعاء وحده لا يُستجاب لمن يترك العمل والسعي، هذا في كل شؤوننا.

إن الأدعية المأثورة عن الأئمة، إذا لاحظناها، نجد فيها المعارف والاستغفار، ومعرفة الحقائق الدينية، ورفع المستوى الروحي للإنسان بالتوسل إلى الله. وفي بعض الأوقات عند الاضطرار، عند انقطاع الأسباب، عندما تعمل جهدك فلا تصل، عندما يتركك الناس، عندما يخونك الأنصار، هنا فقط القرآن المجيد يقول: (أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء). فقراءة هذه الأدعية وتفسيرها معرفة وخير وزاد وهداية لحياتنا: يا من أرجوه لكل خير، ربنا نحن نسعى، ونعمل، ونشتغل ونتعالج ونكد ونشتغل بالتجارة، ونهاجر، ونزرع، ونفلح ونركض، ولكن لا نرجو الخير إلا منك.

وهكذا حينما نريد أن نقوم بواجبنا البيتي، نربي أولادنا، نحكي معهم، نؤدبهم، نهددهم، نشوقهم، نستعمل كل جهدنا. ولكننا نعلم أن رسول الله خوطب ذات يوم بقوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء). فنحن نعمل جهدنا في سبيل تربية أولادنا، ولكن لا نبالغ في حق أنفسنا فنقول: نحن الذين صنعنا أولادنا، أبداً. أنت لا تقدر أن تصنع أولادك. عليك أن تعمل، وأن لا توفر ساعة في سبيل تربية الأولاد. ولكن قلبك في نفس الوقت متوجه إلى الله، وتطلب منه العون لأنه مصدر كل خير.

في حربنا مع أعدائنا، نتعلم، نستعد، نشتغل، نوحد صفوفنا، نستعمل جميع جهدنا وتحذيرنا، ولكن في نفس الوقت قلبنا مع الله، ونطلب منه النصر كما كان رسول الله يعمل.

 في شهر رجب تقرأ بعد كل صلاتك: يا من أرجوه لكل خير. إذا قلتها بوعي وإدراك بعدما تترك المسجد، وتسعى في سبيل كسب الرزق، أو تربية الأولاد، أو حل مشكلة، أو زراعة، أو علاج. الدعاء علّمك، بأنك يا بشر لا تغالي في سعيك. السعي واجب، ولكن الخير من الله.

يا من أرجوه لكل خير وآمن سخطه عند كل شر. يخاطب ربه، إلهي نحن نأمن سخطك وغضبك عند كل شر، عند كل محنة، عند كل مصيبة. إلهي، يا من نأمن، يعني نحن في أمان من سخطه عند كل شر. هذا بحاجة إلى تفسير؟ لماذا؟ لأنه نحن نعلم أن من المعاصي الكبيرة، من الذنوب العظام، ذنبين، معصيتين: اليأس من رحمة الله، والأمن من غضب الله.

الأمن من سخط الله، يعني الإنسان يكون مطمئناً بأنه لا يصيبه شيء، لا يُؤذى، يكون مستهتراً، يكون واثقاً ومطمئناً، هذه معصية كبيرة. واليأس من رحمة الله أيضاً معصية كبيرة. الشخص يكون يائساً، ولا يكون له أمل أيضاً. يعني يفكر أن الله لن يرحمني، لن يغفر لي. سبيل العودة مسدود أمامي. هذا الشعور، شعور خطر، شعور شيطاني.

ما دام الإنسان حياً، أمامه الخوف والرجاء. الخوف والرجاء، العاملان يجب أن يبقيا.. الإنسان. الذي ييأس من رحمة الله، هذا مذنب، هذا عاصٍ. ما دام باب التوبة مفتوحاً، ما دام الإنسان حياً يتمكن أي ساعة أراد أن يلجأ. فالإنسان يجب أن لا يشعر باليأس، ولا بالأمن. لا يكون مطمئناً أنه أنا في عمق الجنة... هذا كلام خطر، فإذا  الأمن من سخط الله معصية؟ ....

الحقيقة، أننا حينما نعاني السخط والغضب، فليس هذا من مكر الله، وشر الله، وعذاب الله. بل السيئات والشرور والمصائب، والمحن كلها من عندنا. ليس من عند الله. لماذا؟ لأن الله خلقنا، ويحبنا، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد. وهو أشفق علينا من أمنا وأبينا. كيف يريد الله أن يعذبنا؟ ليس معقولاً، نحن الذين نعذب أنفسنا بأيدينا: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس). لماذا الفساد والعذاب بما كسبت أيدي الناس؟ كلام فيه رحمة: (ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون). هذه المصائب والمحن التي هي من عند الله، مثل تأديب الأب الرؤوف، أو الأم الحنونة لتربية أولاده أو أولادها. فالأم تضرب، وتسب وتلعن أحياناً، وتدعو على أولادها، ولكن هل تقبل لهم الشر؟ تعذب، وتضرب، وتصرخ، حتى الابن يتأدب، ويتربى، لا أكثر ولا أقل: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)  لماذا؟ حتى الله سبحانه وتعالى: (يذيقهم بعض الذي عملوا)، يريهم نتائج أعمالهم: (لعلهم يرجعون)، حتى يعودوا إلى الطريق.

فإذاً، الشر ليس من الله. السخط ليس من الله. الله لا يخون، ولا يضر، ولا يغضب، ولا يسخط. المصائب هي من عند أنفسنا. المصائب التي نعانيها هنا نتيجة لعملنا. والمصائب التي نعانيها يوم القيامة، هي صورة عن أعمالنا. وفي هذا خير كله. (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها).

يا من يعطي الكثير بالقليل. الله سبحانه وتعالى يعطينا الكثير مقابل القليل. (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). فتعطي واحداً يعطيك عشرة،

يا من يعطي الكثير بالقليل. نحن إذا قدمنا القليل يعطينا الكثير. وقدمنا القليل لمن؟ لأنفسنا؟

إخواني، الإنسان إذا انتبه، يجد نفسه أنه ظالم لنفسه، أكثر من أي شخص آخر. نحن نظلم أنفسنا. نحن نقصر في حق أنفسنا. نحن نضع العراقيل في طريقنا، نحن نهدم مستقبلنا بأيدينا. نحن نهدم مستقبل أولادنا، وآخرتنا بأيدينا. ماذا يريد منا الله سبحانه وتعالى؟ هو الذي خلق لنا الكون جميعاً: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره). هو الذي خلق لنا الليل والنهار، وجعل لنا الليل سكناً، والنهار معاشاً ومعاداً، جعل لنا كل شيء. نحن نؤمن بأن الله غني عن عباده. لا حاجة له بصلاتنا، ولا بصيامنا، ولا بحجنا. لو كفر ما في الأرض جميعاً، أو آمن من في الأرض جميعاً، لا يهمه ولا يبالي؛ وإنما رغبة في كمال هذا الإنسان الذي هو من صنعه؛ حينما نقول: يا من يعطي الكثير بالقليل، نعي ما نقول، ونفكر في أنه ما دام السوق رائجاً لهذه الدرجة، سوق ربك، موسم ربك، موسم رحمة ربك رائج، رائج جداً؛ يا من يعطي الكثير بالقليل. يعطينا الكثير ويطلب منا القليل، لأنفسنا، لا لغيرنا. فإذاً، الشخص الذي يعيش في شهر رجب ويقرأ هذا الدعاء: يا من يعطي الكثير بالقليل. يجب أن ينتبه، فيستفيد من هذا الموسم الرائج المتناسب الرابح، ولا يروّح أوقاته، حياته، لسانه، عينه، فكره، يده، قوته، لا يروّحها كلها في الباطل. ولا شك أن الله سبحانه وتعالى، إذا سعينا وحاولنا، يعطينا القوة ويوفقنا....

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1470 sec