رقم الخبر: 277129 تاريخ النشر: شباط 28, 2020 الوقت: 10:17 الاقسام: مقالات و آراء  
النزاع الترکي ـ الیوناني والنفط والغاز في شرق المتوسط

النزاع الترکي ـ الیوناني والنفط والغاز في شرق المتوسط

في الأیام القلیلة الماضية، قام وزیر الخارجیة الیوناني نیکوس دیندیاس بزیارة رسمیة الى لبنان اجتمع خلالها بالرؤساء الثلاثة وأجرى محادثات مع وزیر الخارجیة اللبنانیة.

حیث أعلن الوزیر الیوناني دعم بلاده لتشکیل الحکومة اللبنانیة الجدیدة وعملها لحل الازمة الاقتصادیة والمالیة التي یمر بها لبنان. ویقول العارفون إن السبب العمیق الذي یکمن خلف الزیارة هو مسألة استخراج النفط والغاز من شرقي المتوسط، وبالتحدید سعی الیونان لحشد الدعم لموقفها في النزاع الناشب بینها وبین ترکیا حول ترسیم الحدود البحریة التي سیجري التنقیب فيها لاستخراج النفط والغاز.

فمسألة استخراج النفط والغاز في شرقي المتوسط هي عامل أساسی في تحدید السلوک السیاسي والعسکري لترکیا في سوریا کما في شرقي المتوسط عامة. اذ تأمل ترکیا «الاردوغانیة» ذات التطلعات العثمانیة الجدیدة ان تتحول ترکیا الى دولة کبیرة منتجة للنفط والغاز والى ممر اجباري رئیسي لتصدیر النفط والغاز من شرقي المتوسط الى البلدان الاوروبیة. وهي تحوز التأیید الضمني لمطامحها هذه من قبل الولایات المتحدة الامیرکیة.

وکانت ترکیا قد وقعت في 27 تشرین الثانی الماضي اتفاقا مع حکومة السراج اللیبیة حول ترسیم الحدود البحریة للبلدین. وبموجب هذا الاتفاق یتم انشاء ممر بحري یصل المیاه الاقلیمیة الترکية بالمیاه الاقلیمیة اللیبیة. وقد نشرت الصحافة الترکية خرائط لهذا الممر. وتقول المراجع الیونانية ان هذا الاتفاق هو غیر شرعی ویمس السیادة والحقوق البحریة للیونان وان الممر المعلن عنه یخالف القوانین البحریة الدولیة وهو یقضم قطاعا واسعا من المیاه الاقلیمیة للیونان والجزر الیونانية. واحتجاجا على ذلک استدعى وزیر الخارجیة الیوناني السفير اللیبی في اثینا وابلغه بقرار الطلب الیه ان یقدم للحکومة الیونانية نص الاتفاق مع ترکیا والا یتم ابعاده من البلاد.

وفي الوقت ذاته، قال الرئیس الترکي إن الاتفاق هو حق سیادی لترکیا وستبدأ التنقیب بشکل مشترک مع لیبیا في الممر المحدد بموجب الاتفاق المذکور. وقال الناطق باسم وزارة الخارجیة الترکية حامي اکسوی ان الاتفاق مبنی على مبادئ القانون الدولي وان الجزر (الیونانية) لا یمکن ان یکون لها میاه اقلیمیة. واکد وزیر الطاقة الترکي فاتح دیونمیز انه بعد تصدیق الاتفاق من قبل البلدین فإن السفن الترکية ستبدأ التنقیب في قطاع المیاه المحدد بموجب الاتفاق. ولکن ناطقا باسم حزب «الدمقراطیة الجدیدة» الحاکم في الیونان وهو النائب انجیلوس سیریوس صرح بأن ترکیا لن تستطیع ان تبدأ الحفر.

وهذا مع العلم أن ترکیا سبق لها أن أرسلت سفينتین للتنقیب البحري في شرقي وغربي جزیرة قبرص ایضا، ضاربة عرض الحائط ببعض الاعتراضات من جانب الاتحاد الاوروبي. وقد ردت ترکیا على تلک الاعتراضات بارسال قوات بحریة لحمایة سفينتي التنقیب. وفي الاسابیع القلیلة الماضية سجل الجانب الیوناني 12 خرقا للمجال الجوي للجزر الیونانية قامت بها طائرات F-16 الترکية. ومع ان الاسطول الیوناني لم یصدر عنه ای بیان، ولکن بعض الخبراء العسکریین ابلغوا قناة «الجزیرة» ان الیونان قد ارسلت قوات بحریة الى المیاه الاقلیمیة الیونانية موضوع النزاع جنوبي شرقي جزیرة کریت. وهذه التطورات وضعت البلدین على شفير الصدام المسلح. وعقد في اثینا اجتماع مشترک لممثلي وزارتي الدفاع للبلدین للبحث في تهدئة الاوضاع وعدم التعرض لحوادث مفاجئة.

وفي الاجتماع الأخیر للجمعیة البرلمانیة لحلف «الناتو» الذي عقد في لندن، غادر الوفد الیوناني قاعة الاجتماع احتجاجا على أن الرئیس أعاق اعضاء الوفد الیوناني من عرض وجهة نظر الیونان في الخلاف الناشب مع ترکیا. وقد وقع بیان احتجاج الوفد الیوناني ممثلو الاحزاب الیونانية الثلاثة: حزب «الدمقراطیة الجدیدة» الحاکم، وحزب SIRIZA المعارض، و»حرکة التغییر» الیونانية  KINAL.

 وفي الوقت نفسه ادلى امین عام حلف الناتو ینس ستولتنبرغ بتصریح الى جریدة KATIMERINI الیونانية قال فيه ان الحلف سیقف على الحیاد ولن یتدخل في النزاع الترکي ـ الیوناني ودعا البلدین الى حل المشکلات مباشرة فيما بینهما. واضاف «ان الیونان وترکیا هما حلیفان مهمان للحلف، والدولتان تساهمان في أمننا المشترک». وبالرغم من ذلک فإن رئیس الوزراء الیوناني کیریاکوس میتسوتاکیس قال ان بلاده ستطلب الدعم لموقفها من قبل الاعضاء الاخرین في حلف الناتو. ان اعادة تحریک العصابات الارهابیة التکفيریة المهزومة في سوریا وارسالها من سوریا الى لیبیا، والاتفاق البحری الترکي ـ اللیبی، والتعدی الترکي على المیاه الاقلیمیة لقبرص والیونان، والتعدیات الاسرائیلیة على الحدود البریة والبحریة اللبنانیة، و»صفقة القرن» لتصفية القضیة الفلسطینیة و»تحیید» الشعب الفلسطیني المقاوم، واستمرار الحملة المعادیة لسوریا، وتخریب العراق، والحملة المسعورة ضد  الثورة الاسلامیة الایرانیة، والتضییق على حزب الله ومحاولة خنق لبنان اقتصادیا ومالیا، کلها أجزاء من سیناریو کبیر، تدیره الولایات المتحدة الامیرکیة، ویتم فيه توزیع الأدوار، وتشارک فيه السعودیة وزعانفها الخلیجیة وترکیا و»اسرائیل»، بقصد السیطرة على استخراج النفط والغاز في شرقي المتوسط، والحؤول ـ وعلى الاقل التقلیص الى الحد الاقصى ـ دون اضطلاع روسیا والصین وایران بدور رئیسی في هذه العملیة، التي ستغیر جذریا وضع المنطقة ویکون لها تأثیر کبیر على الاوضاع الجیو- استراتیجیة العالمیة برمتها. ان المصیر التاریخی لشعوب منطقة الشرق الاوسط أصبح مرهونًا بشکل وثیق بعملیة استخراج النفط والغاز في شرقي المتوسط.

 

 


 

بقلم: جورج حداد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق / موقع العهد
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/1727 sec