رقم الخبر: 277128 تاريخ النشر: شباط 28, 2020 الوقت: 10:15 الاقسام: مقالات و آراء  
خیار الانتخابات المبکرة «سقط» بالضربة القاضیة؟!

خیار الانتخابات المبکرة «سقط» بالضربة القاضیة؟!

منذ ​انفجار​ ​الأزمة​ السیاسية في البلاد في السابع عشر من تشرین الأول الماضي، طُرِح خیار ​الانتخابات النیابیة​ المبکرة في صدارة المَطالب التي رفعها المحتجّون، باعتبارها جزءاً لا یتجزّأ من أیّ خریطة طریق تهدف إلى إعادة تشکیل الطبقة السیاسية، لا یمکن لأیّ لبنان جدید یرفع الکثیرون لواءه، أن یُخلَق من دونها.

ومع أنّ بعض القوى السیاسية «تلقّفت» هذا المَطلب، وذهبت إلى حدّ «تبنّیه» في أکثر من محطّة، إلا أنّ الوقائع السیاسية أظهرت «تراجعاً» في التداول به، ربطاً بالمستجدّات السیاسية، وخصوصاً المالیّة والنقدیّة، التي فرضت نفسها على رأس جدول الأعمال، بعیداً عن أیّ نقاشٍ حول تداولٍ سلميّ للسلطة، لن یکون له جدوى في حال وقع الانهیار.

ولعلّ التجلّی الأبرز لذلک برز في ​البیان الوزاري​ لحکومة «مواجهة التحدّیات»، والذي خلا من أیّ إشارةٍ لانتخاباتٍ مبکرةٍ، في وقتٍ یسود الاعتقاد بأنّ مثل هذه الانتخابات سقطت بالضربة القاضیة، خصوصاً أنّ «عرّابیها» أنفسهم غیر متّفقین على تفاصیلها، وبالتالی فإنّها لا تعدو کونها «​قنبلة​ دخانیّة» تُستخدَم من باب «الاستهلاک الإعلامي»، وربما «الشعبويّ»، بین الفينة والأخرى، لا أکثر ولا أقلّ...

المؤیّدون منقسمون...

في عزّ «انتفاضة» السابع عشر من تشرین الأول، طُرِح خیار الانتخابات المبکرة باعتبارها «رکیزة» لأیّ تغییرٍ ینشده ​اللبنانیون​، أولاً بالنظر إلى الشبهات حول نزاهة الانتخابات الأخیرة ودیمقراطیّتها، وثانیاً لکون المتغیّرات التي دفعت کثیرین إلى خلع ردائهم الحزبيّ والطائفي، لا بدّ أن تنعکس على المسار الانتخابيّ، بما یغیّر الخارطة السیاسية عن بکرة أبیها.

صحیحٌ أنّ الخیار وُضع ضمن «سلّةٍ متکاملةٍ» من الخطوات التي أراد المتظاهرون أن تبصر النور واحدة تلو الأخرى، بدءاً من تشکیل حکومة «تکنوقراط» مستقلّة بالکامل عن الطبقة السیاسية، یکون من مهامها الإشراف على مثل هذه الانتخابات، إلا أنّه وجد من «یتلقّفه» لیس داخل المنظمات المدنیّة فحسب، ولکن حتى بین الأحزاب السیاسية الممثَّلة في البرلمان.

هکذا، لم تتردّد بعض هذه القوى، ومنها «​تیار المستقبل​“ و»​الحزب التقدمی الاشتراکي​“ و»​القوات اللبنانیة​“ و»​الکتائب اللبنانیة​“ وغیرها، في إعلان جاهزیّتها الکاملة لأيّ انتخاباتٍ مبکرة ینشدها الشعب، الیوم قبل الغد، بعدما وجدت أنّها قادرة على ضرب أکثر من «عصفور» بحجر هذه الانتخابات، سواء لجهة «ملاقاة» ​المجتمع المدني​ في منتصف الطریق، بما یصوّرها مرّة أخرى في صفّه، في مواجهة صفّ السّلطة، ولکن أیضاً لاعتبارها أنّ الانتخابات إن جرت الیوم، ستُحدِث تغییراً نوعیاً، خصوصاً أنّ التحالفات التي حکمت الانتخابات السابقة لم تعد ساریة المفعول، ولا سیما تلک الناتجة عن «​التسویة الرئاسیة​“ بین «​التيار الوطني الحر​“ و»تیار المستقبل”.

ولکن، أبعد من الاتفاق على «مبدأ» الانتخابات المبکرة، کانت «شیاطین» التفاصیل حاضرة لتفرّق «الرفاق»، وأولها ما یتعلق بقانون الانتخابات​ الذي یجب أن یجري الاستحقاق المنشود على أساسه، بین من اعتبر أنّ القانون الحاليّ طائفي، وأنّ تغییره ضروريّ وحتميّ، کما یطالب «الحزب التقدمي الاشتراکي» مثلاً، وکذلک «تیار المستقبل»، ومن رأى أنّ القانون یبقى «أفضل الممکن»، وأنّ الخوض في ورشة قانونٍ انتخابيّ جدید من شأنه الإطاحة بفکرة الانتخابات من أصلها، نظراً للتجارب السابقة التي تطلّبت سنواتٍ طویلةٍ لإنتاج قانونٍ، وفق وجهة نظر «القوات»، وحتى «الکتائب» التي تراجع حضورها النیابيّ بفعل القانون النسبيّ الأخیر.

فيتو ضدّ الانتخابات!

عموماً، یمکن القول إنّ الانقسام حول «مبدأ» الانتخابات المبکرة، وطبیعة القانون الانتخابيّ الذي یمکن أن تجري على أساسه، لم یکن حکراً على الأحزاب السیاسية التي تحاول «تسلّق» الحراک الشعبيّ، لتحقیق بعض المکاسب السیاسية الآنیّة على حسابه، ولکنّه وصل إلى مجموعات الحراک نفسها، والتي انقسمت بدورها بین قائلٍ بضرورة إجراء الانتخابات بصورةٍ عاجلةٍ بمُعزَلٍ عن القانون، وقائلٍ في المقابل بضرورة إقرار قانونٍ انتخابيّ یتضمّن الإصلاحات الانتخابیة الأساسیّة والمتعارَف علیها عالمیاً، وإلا فإنّ الانتخابات تصبح «لزوم ما لا یلزم»، بل قد تؤدّي إلى نتائج عکسیّة، على غرار «إطفاء» شرارة «​الثورة​“ في مهدها، إذا ما أتت النتائج على قیاس الطبقة السیاسية، وفق القانون «المعلَّب» أصلاً لهذا الغرض.

وفي مقابل هذا الانقسام في صفوف المعارضة، یبدو أنّ خیار ​السلطة​ «موحَّد» على رفض الانتخابات المبکرة شکلاً ومضموناً، ولو تصاعدت بعض الأصوات التي تؤکد الجاهزیة لهذا الخیار، خصوصاً من جانب «التيار الوطني الحر» مثلاً، الذي یرى بعض المحسوبین علیه أنّ مثل هذه الانتخابات من شأنها أن تشکّل «الردّ الصارخ» على ما یصفونها بـ «الحملات المشبوهة» المصوّبة على «التيار» ورئیسه النائب ​جبران باسیل​ منذ انطلاقة التحرّکات الشعبیّة، ومحاولات تصویره وکأنّه بات «معزولاً»، أو أنّه فقد الحیثیّة السیاسية والشعبیّة التي یملکها، على رغم کلّ الخطوات التي یقوم بها لإثبات العکس، من خلال بعض تحرّکات «عرض العضلات» التي یقوم بها على هامش «الحراک”.

لکن، بموازاة هذه المقاربة «المحدودة» إن جاز التعبیر، توحي المؤشّرات أنّ «التيار» یتوافق مع ثنائيّ «​حزب الله​“ و»​حرکة أمل​“ على استخدام حقّ «الفيتو» في وجه خیار الانتخابات المبکرة، وهو ما تجلّى أصلاً بحذف أيّ إشارةٍ إلیها في البیان الوزاريّ للحکومة الحالیّة، مع أنّ رئیسها حسّان دیاب کان قد «تعهّد» بالتحضیر لها بعید تکلیفه، قبل أن یتراجع بعید تألیف حکومته، على اعتبار أنّ «الأولویة» ستکون لوضع قانونٍ انتخابيٍّ جدیدٍ، وهو ما قد لا یکون مُتاحاً أو مُتوافراً قبل انتهاء ولایة المجلس النیابيّ الحاليّ.

وإذا کان الرافضون لهذه الانتخابات، وبینهم «حزب الله»، سبق أن أوضحوا وجهة نظرهم بالقول إنّ هذه الانتخابات ستکون «هدراً للوقت»، لأنّها ستعود بالوجوه نفسها، مع تغییرٍ «شکليّ»، وربما محدود، في بعض الأسماء، فإنّ أوساطهم تذهب أبعد من ذلک بالقول إنّ الظرف الحاليّ لا یعطی هذه الانتخابات «الأولویّة»، فمعالجة الوضع الاقتصاديّ الذي فرض نفسه یجب أن تطغى على کلّ ما عداها، وأنّ الذهاب إلى انتخاباتٍ جدیدةٍ تنبثق عنها خریطة سیاسیة جدیدة تتصدّى هي للأزمات الکبرى التي یواجهها اللبنانیون، لیس حلاً لأنّ الأوان عندها سیکون قد فات، باعتبار أنّ «الانهیار» بات أقرب ممّا یتصوّر الکثیرون، وأنّ مواجهته لا تتحمّل «ترف» الانتظار، وهو ما یفترض بالجمیع الإقرار به.

التحدّي الأکبر!

أبعد من الحدیث عن قانونٍ انتخابیّ جدیدٍ وعن انتخاباتٍ مبکرة لا تبدو واقعیّة أقلّه حتى الآن، ثمّة من یرى أنّ «التحدّي الأکبر» قد یکون بعکس السائد، حول إجراء الانتخابات في موعدها أصلاً، لأنّ «رهان» البعض في الطبقة السیاسية قد یکون على «تأجیل» الاستحقاق، تماماً کما حصل في السابق مراراً وتکراراً بذریعة «ظروف قاهرة» قد تکون ملائمة للتوقیت الحاليّ.

لکن، مع إدراک «الحِیَل» التي قد تلجأ إلیها القوى السیاسية لتمریر أجنداتها ومشاریعها، قد تکون «الأولویة» الیوم في مکانٍ آخر، بعیداً عن انتخاباتٍ قد لا تطیح بأحد، وتحدیداً في «إنقاذ» البلاد من «الانهیار» الذي دخلت فيه أصلاً، في ظلّ «الإذلال» الیومیّ الذي یعانیه اللبنانیون، وسط ارتفاع معدّلات ​البطالة​ وتوازیاً ​الهجرة​ ومتفرّعاتها...

 


 

 

بقلم: حسین عاصي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/7920 sec