رقم الخبر: 276974 تاريخ النشر: شباط 25, 2020 الوقت: 13:45 الاقسام: مقالات و آراء  
صفقة القرن.. ما وراء الخريطة

صفقة القرن.. ما وراء الخريطة

الفلسطيني لم يهزَم بعد، ومَن قاوَم المخرز بالكفّ والدبابة والحجر يدرِك أن معركة التحرير ما زالت في بدايتها وأن الأجيال اللاحِقة لابدّ وأن تكمِل الطريق.

توقَّف الكثيرون إما عند خريطة الدولة الفلسطينية المزْمَعة في صفقة القرن أو عند الاستثمارات المطروحة، في حين تجاوزت خطورة باقي بنود الصفقة تلك الخطوط المرسومة وتلك الأموال المزعومة. فعلى فرض أنه تمّ التفاوض على الاستثمارات والحدود من قِبَل السلطة الفلسطينية وتظاهرت الولايات المتحدة بالحياد والموافقة على تغييرها، أو أنه أتت إدارة أميركية جديدة وحاولت أن تبدي مرونةً أكثر مع الفلسطينيين، ماذا عن باقي البنود التي وردت في الوثيقة؟

إن المتصفِّح لوثيقة صفقة القرن ليشعر بأنه أمام بنود اتفاقية يمنّ بها المنتصِر على المهزوم بأن يسمح له باستنشاق الهواء طالما أذِن له بذلك. هي صفقة ما بين أسياد وعبيد، يمنح ويمنع بها السيِّد كما يشاء، ويسلِّم بها العبد بتفوّق سيِّده مذ خَلَق الله أجداده ولأن يتوفّاه وذريّته.

فَمِن رَفضٍ لجميع قرارات الأمم المتحدة (بغضّ النظر عن إجحافها تجاه الحقوق الفلسطينية)، إلى الإقرار بحقوق الكيان الصهيوني كدولةٍ يهوديةٍ لها الحق التاريخي والقانوني بالوجود على أرض فلسطين، إلى القول بأن ما قدَّمه الكيان في تلك الخرائط فيه تنازل عن حقوقه التاريخية بكامل الأرض، وليس انتهاء بالإبقاء على المستوطنات كما هي. أما شبكات الطرق سواء الفلسطينية أم غيرها فهي تحت الإدارة الأمنية المباشرة للكيان مع التركيز على أن للكيان كامل الأحقيّة بأن يتصرَّف بهذه الشبكات بما يراه مناسِباً لحماية أمنه في أيّ وقت. أي أن له إغلاق الطرق أو فتحها في أيّ وقتٍ من الأوقات قاطِعاً بذلك ما وجد من أوصال للدولة الفلسطينية المطروحة.

من ناحيةٍ أخرى، تقول الصفقة بأنه من حق الفلسطينيين إقامة مرفأ ومطار في غزَّة ولكن ليس في المستقبل المنظور وليس قبل أن ينجحوا باختبار السلام، وبموافقة الكيان والحصول على علامة النجاح منه بعد خمس سنوات، على أن يكون كلاهما بالطبع خاضعين لمراقبة الكيان الأمنية.

أما المعابر والحدود فلن تخلوا من موظّفي أمنه ولكن بلباسٍ مدني، لمَنْعِ الإحراج على ما يبدو، حيث سيعمل هؤلاء على التأكّد بأن أمن "دولتهم" مصان في جميع الأوقات وإلا… فالإغلاق. كما أن المجال الجوّي في جميع الأراضي بين البحر والنهر هو تحت سلطة الكيان وإشرافه، وله أن يطلِق فيه طائراته المسيَّرة من دون شروط. أي أن الغذاء والماء والملبس والدواء والهواء الذي يتنفَّسه الفلسطيني سيكون خاضِعاً في جميع الأوقات لأهواء دولة الكيان.

بالطبع، وكما تصفها الوثيقة على لسان إسحاق رابين حين قدَّم اتفاقية أوسلو للكنيست للموافقة عليها، فالدولة الفلسطينية ستكون "أقلّ من دولة"، وهذا لا يقف عند كونها منزوعة السلاح فقط. فالوثيقة تعطي الحق للكيان بالدخول إلى مناطق السلطة في أيّ وقتٍ من أجل الحفاظ على أمنه. أي أن الوثيقة تعطي الحق للكيان بإعادة احتلال أية مدينة أو شارع يرغب باحتلاله ولكن هذا الاحتلال سيكون بموافقةٍ مفتوحةٍ من ما يسمَّى الدولة الفلسطينية المزمَعة. بمعنى آخر، فالصفقة هي إعادة إنتاج للاحتلال بقالبٍ شرعي ومقَوْنَن.

أما ملف الأسرى، ومن أجل النظر فيه فعلى الفلسطينيين أولاً تسليم أيّ أسير لديهم والإفراج عن أية رفات فور توقيع الاتفاقية، وبعد ذلك ينظَر في هذا الملف. ولكن، أيّ إفراج عن المعتَقلين لن يشمل أيّ شخص مارسَ "العنف" أو "تآمر" ضد دولة الكيان. أما بالنسبة إلى المعتَقلين الإداريين فسيتمّ الإفراج عنهم بعد أن يكونوا قد أنهوا ثلثيّ فترة الحكم، بالإضافة إلى كل من القاصرين والنساء ومَن هم فوق الخمسين. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ ستتمّ دراسة الإفراج عمَن أمضى أكثر من نصف فترة الحكم ممَن لا تنطبق عليهم شروط "العنف" و"التآمر" أعلاه.

وإمعاناً في إذلال مَن ستنطبق عليه تلك الشروط التعجيزية، يجب على المفرَج عنه أن يوقِّع تعهّداً بأن يعمل على تعزيز وإشاعة مزايا التعايش مع دولة الكيان، في عنصريةٍ وانتهاكٍ واضحين لأبسط حقوق الإنسان حتى بالتفكير.

أما بالنسبة إلى اللاجئين فلا حق بالعودة ولا حتى حلم به. وبالطبع لا تعويض، وإن كان التعويض لا يغني أيّ لاجئ عن حقّه في العودة. لكن الوثيقة تذكر بصريح العبارة أنه لن تتمّ إعادة أيّ لاجئ وأن مسألة التعويض مسألة غير منطقية وأن توصيف الأونروا (التي ستحل بعد التوصّل إلى اتفاق) لمفهوم اللاجئين الفلسطينيين قد ساهم بتفاقم المشكلة، لتلوم بعد ذلك العرب وتقول بأن عليهم دَمْج اللاجئين في مجتمعاتهم.

الأدهى والأنكى من ذلك هو طرح التشابه بين اللجوء الفلسطيني وذلك اليهودي من الدول العربية إبان حرب 1948، بل تقول الوثيقة إن مسألة اللجوء اليهودي والتعويض عن الخسائر هما أمر يجب أن يتمّ طرحه لإيجاد صيغةٍ عادلةٍ ومناسبةٍ له بعيداً عن الاتفاق بين الفلسطينيين والكيان. أي أنها ترى أن التعويض حق لليهود وتريد تحميله للدول العربية لدفع تعويضات هجرتهم. ثم تعود وتؤكّد الوثيقة أنه وبعد الاتفاق بين الجانبين فإنه يمنَع على أيّ فلسطيني المطالبة بأية حقوق أو التكلّم عنها. فما كان كان، رفعت أجساد الشهداء وجفّت الصحف.

ومن باب الخلاص من قضية القدس، فالمدينة بكل مقدَّساتها ستكون موحَّدة كعاصمةٍ للكيان، فهو الذي (على حد زعمهم) قام على مدار السنين بحفظ حقوق سكانها وزوّارها وأماكنها المقدَّسة وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن المدينة ستكون بأمانٍ تحت إدارته. وحتى لا يشعر الفلسطينيون بالغبن فلهم أن يختاروا إحدى البلدات شرق أو شمال الجدار الفاصل، مثل كفر عقب أو شرق أبو ديس أو شعفاط، عاصمة لهم. ولأنه يبدو أن مشكلة القدس هي في التسمية فقط، فللفلسطينيين أن يغيِّروا إسم البلدة التي يختارونها ليصبح "القدس" على أن يكون الإسم بالإنجليزية "القدس" كذلك.  فتكون قدساً بلا قدس.

إقليماً، وللعمل على إنهاء أيّ اعتراض على وجود الكيان، فعلى العرب العمل على دمْجِ الكيان في المنطقة اقتصادياً وسياسياً وسياحياً واجتماعياً. وعليهم إنشاء تحالف عسكري معه لمواجهة إيران وحركات المقاومة. وأما دولياً، فتستمر الوثيقة في إملاء شروط المنتصِر على المهزوم. فتشترط عليه التوقّف عن دعم أية قرارات ضد دولة الكيان في المحافِل الدولية، وإنهاء حركات المقاطعة، والتوقّف عن رَفْعِ أية دعاوى قضائية أمام المحاكم الدولية، ويجب الاعتراف بيهوديّة الدولة ويمنع حتى طرح أية تساؤلات عن أصول اليهود في الدولة، أما أية مطالبات سابقة فتعتَبر لاغية. وتطالب الوثيقة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرارات للتأكيد على هذه البنود.

يا ترى ماذا بقيَ للسلطة لتتفاوض عليه؟ هل ستتفاوض على استثمار الخمسين مليار دولار على خمس سنوات بدلاً من عشر؟ إن هذه الوثيقة تعني وبشكلٍ صريحٍ أن كلاً من الطرف الآخر (وهو الكيان) والطرف الذي رعى اتفاقيات السلام وهو ناظِم هذه الوثيقة؛ كلاهما في حلٍ من الاتفاقيات السابقة وكلاهما يريد فرض هذا البديل. فلِمَ لا تقوم السلطة بنفس الفعل وتعلن أنها في حلٍ من كافة الاتفاقيات السابقة، وليتحمَّل المجتمع الدولي ومن خلفه الاحتلال المسؤولية. فهي بهذا على الأقل ترفع الغطاء عن بعض الأعراب وتسقِط ورقة التوت التي يتستَّرون بها وهم يطبِّعون علاقاتهم ويقولون أنهم مع خيارات الشعب الفلسطيني.

كم تشبه هذه الوثيقة تزويج المغْتَصَبة من مغْتَصِبها غير أن الحجَّة في الزواج هي كتمان "الفضيحة" ونسب الأولاد للأب، أما هنا ففضيحة واغتصاب متكرِّران وأولاد حَرام، ومنع حتى من الشكوى ومصادرة  الأمل بالخلاص.

إن الشعب الفلسطيني سواء أكان في الضفة أمْ في غزَّة أمْ في داخل الخط الأخضر أمْ في الشتات، من حقِّه أن يقاوِم ومن حقِّه أن يحلم وما زال مستعداً للتضحية ولا يمكن لأيّ فلسطيني أن يقبل أو يستسيغ بأيّ شكلٍ من الأشكال ما تطرحه الصفقة. فالفلسطيني لم يهزَم بعد، ومَن قاوَم المخرز بالكفّ والدبابة بالحجر يدرِك أن معركة التحرير ما زالت في بدايتها وأن الأجيال اللاحِقة لابدّ وأن تكمِل الطريق.

 

 


 

بقلم: عبدالله السلمان  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2596 sec