رقم الخبر: 276903 تاريخ النشر: شباط 24, 2020 الوقت: 14:51 الاقسام: ثقافة وفن  
الإمام الباقر(ع) .. أهليَّة النهوض بأعباء المرجعيَّة الفكريَّة والاجتماعية
ذكرى ولادة آية من آيات النبوغ والذكاء

الإمام الباقر(ع) .. أهليَّة النهوض بأعباء المرجعيَّة الفكريَّة والاجتماعية

بدأت طفولة الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام، في غمرة الأحداث المتوالية ضد محبي أهل البيت، أمّا الحكم الأموي، فقد عانى عليه السلام منه الكثير. عاصر حكم يزيد، وشهد حكم عبد الملك والوليد وهشام ابنيه،

 كما رأى مسلك الحجّاج ابن يوسف، هذا الذئب من ذئاب جهنم، رأى الحصار الذي فرض على أبيه الجليل، رأى كيف كان الناس يتحرّكون بكامل حرّيتهم؛ فيقولون ما يشاؤون ويكتبون ما يشاؤون، إلاّ أهل بيت الرسول، فالحرّيّة محظورة عليهم، والناس لا يجرؤون على الاقتراب من بيت الإمام، أو سؤاله عن أيّ مسألة، دينيةٍ كانت أم غير ذلك، لا لشيءٍ، إلاّ لأنّ زين العابدين هو ابن الحسين وحفيد علي بن أبي طالب عليهم السلام. ورغم هذا التضييق الشديد فقد كان هناك رجال صدقٍ، لا يأبهون لأوامر الحكّام.

كان الإمام الباقر(ع) في طفولته آية من آيات النبوغ والذكاء، وقد عرف الصحابة والتابعون ما يتمتع به الإمام(ع) منذ نعومة أظفاره من سعة الإطلاع والفضل وغزارة العلم، فكانوا يرجعون إليه في المسائل المستعصية التي لا يهتدون إليها، ولقد سُئل عن أدق المسائل فأجاب عنها ولم يكن يتجاوز عمره الشريف تسع سنوات. حينما نستعرض سيرة الإمام الباقر(ع) لابدّ لنا من وقفات على بعض المصاديق العملية لمعالم شخصيته الفذّة، التي ملأت الدنيا بسموها الشاهق، وأبهرت الخلائق بإشراقة نورها الساطع، حتى لم يعد خافياً فضله وجلالة قدره، وسمو منزلته، وتربعه على قمة العلم بكلّ ما حوى من حقول المعرفة، فحفظ لنا التاريخ بعضاً من إشعاعات تلك السيرة الوضاءة المعطاء، حتى إنّ الأعداء والمخالفين، اعترفوا بمكانة الإمام(ع) وشرفه السامق، وإنّ الناس مهما بلغت بهم ذروة العلياء هم دون الإمام الباقر(ع) بمراتب.

فلقد بلغ الذروة في السمو، نسباً، وفكراً، وخُلُقاً، مما منحهُ أهليَّة النهوض بأعباء المرجعيَّة الفكريَّة والاجتماعية للأمّة بعد أبيه(ع).

ويذكر المؤرخون في سيرة الإمام الباقر(ع) الشخصية، أنه كان «كثير الذكر، كان يمشي وإنه ليذكر الله، ويأكل الطعام وإنه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكان يجمع ولده فيأمرهم بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة -قراءة القرآن- من كان يقرأ منهم، ومن كان لا يقرأ منهم أمره بالذكر، وكان ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالتفضّل والإحسان مع كثرة عياله وتوسّط حاله.

لقد توفرت في شخصية الإمام أبي جعفر عليه السلام جميع الصفات الكريمة التي أهّلته لزعامة هذه الأمة، حيث تميّز هذا الإمام العظيم بمواهبه الروحية والعقلية العظيمة وفضائله النفسية والأخلاقية السامية ممّا جعل صورته صورة متميّزة من بين العظماء والمصلحين، كما تميّز بحسبه الوضّاح، بكل ما يمكن أن يسمو به هذا الانسان. وكان الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام جامعاً للكمالات الانسانية في سيرته وسلوكه، فكان أهلاً للإمامة الكبرى بعد أبيه زين العابدين (سلام الله عليه).

قام الإمام محمد الباقر بدور عظيم في نشر العلوم والمعارف الإسلامية ومبادئ أهل البيت (ع) وتربية العلماء ورفدهم رغم الظروف العصيبة التي مرّ بها والضغوط السياسية التي تعرض لها من قبل الحكام الأمويين وخاصة في عهد هشام بن عبد الملك الذي ضيّق عليه. فقد قاد (ع) نهضة علمية واسعة لم تشهد لها الأمة الإسلامية مثيلا وأسس مدرسة علمية بلغ أوج نشاطها العلمي في عهد ابنه الإمام الصادق (ع).

وقد تزعم (ع) شتى مجالات العلوم کالفقه والحديث والكلام والتفسير وغيرها من العلوم وتخرّج على يديه كبار علماء الإسلام من مختلف البلاد حتى كان العلماء يقصدونه من البلاد البعيدة للتزود من علومه فإضافة إلى علماء الحجاز والعراق فقد كان كبار علماء خراسان يلتفّون حوله حلقات يسألونه عمّا أشكل عليهم.

فالإمام الباقر(ع) هو الذي ملأ العصر الذي عاشه بعلم تنوّعت موضوعاته وانفتحت أبعاده على كلّ القضايا التي كان يعيشها عصره فلم تنطلق أي قضية في أي شبهة أو أي مشكلة إلا ووجدنا الإمام الباقر(ع) يتحدث عنها ليضيء ما أظلم منها، وليفتح آفاقها تماماً، وقد تحدث بعض الذين رووا عنه وهو، أنّه كان يسأله في مختلف القضايا حتى أنّه روى عنه ثلاثين ألف حديث، ونجد أيضاً رواة آخرين رووا عنه ما يقارب ذلك في أكثر من موضوع. تحدث الإمام الباقر كثيراً وفي مناسبات عديدة عن العلم فشجع على طلبه وحث الطلاب على المزيد من تحصيله لأنه على ثقة من أمره، أن العلم نور العقل وهو الدعامة الأولى التي ترتكز عليها حياة الأمم المتطورة والراقية. الغاية من جمع العلم في الإسلام بذله لأهله وإشاعته بين الناس حتى يطرد الجهل وتنعم البلاد بالسعادة، لذلك وجدنا الإمام باقر(ع) يقول: (زكاة العلم أن تعلمه عباد الله). وقال أيضاً(ع): (إن الذي تعلم العلم منكم له أجر مثل الذي يعلمه، وله الفضل عليه، تعلموا العلم من حملة العلم، وعلموه إخوانكم كما علمكم العلماء). فائدة العلم، العمل به ولذلك حث الإمام(ع) أهل العلم بتطبيق ما علموه على واقع حياتهم، فالعلم نور يطرد الظلام بنوره الساطع، والعلم قدرة يبعد الشيطان من التسلط على الإنسان، والعلم سلطة يهب الإنسان مكانة مرموقة في مجتمعه ويغنيه عن ذلك السؤال.

استطاع(ع) أن يُقدِّم للأُمّة معالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في جميع مجالات الحياة، ويُربِّي عدّة أجيال من الفقهاء والعلماء، ويبني القاعدة الصلبة من الجماعة الصالحة التي تتبنّى خط الرسول(ص) المتمثِّل في أهل البيت (عليهم السلام) وتسعى جاهدة لتحقيق أهدافهم المُثلى. إن العالم الإسلامي استمد من الإمام الباقر(ع) جميع مقومات نهوضه وارتقائه في المنهج الحضاري، ولم يقتصر المَد الثقافي والحضاري على عصره، وإنما امتد إلى العصور التالية. وقد جاء(ع) ليكمل رسالة أهل البيت (عليهم السلام) في تطور الحياة العلمية في الإسلام.

الإمام الباقر في سجل التأريخ

شهد بعلمه القريب والبعيد واتفق علماء المذاهب الإسلامية على تزعمه لكافة العلوم يقول ابن حجر العسقلاني: أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام، سمّي بذلك من بقر الأرض أي شقّها، وأثار مخبآتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة، أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علَمه ورافعه ... عمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة ....

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/8804 sec