رقم الخبر: 275769 تاريخ النشر: شباط 11, 2020 الوقت: 17:08 الاقسام: مقالات و آراء  
استشهاد سليمانيّ زلزال الضمير

استشهاد سليمانيّ زلزال الضمير

صور الجنرال قاسم سليمانيّ تملأ الشوارع وجداريات الأبنية الكبرى ومكاتب المسؤولين في الحكومة والقوات المسلحة، والمكاتب الاستشارية العاملة مع مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، لكن اسم سليمانيّ يتردد عشرات المرات في كل حديث تجريه مع أي من المسؤولين والقادة في إيران.

ويدور الحديث حول فكرة تبدأ بذكر سليمانيّ ثم يعود ليدخل فكرة ثانية من مدخل سليمانيّ آخر. فالشعور بالمديونيّة لهذا القائد لدى الكثيرين، يرافقه شعور بالتقصير في التقدير، وربما شعور بالذنب لدى آخرين، لكن الشعور بعبء المسؤولية التي خلّفها والحب الجامع الذي أظهره له الشعب تلمسه لدى الجميع.

هذا الشاب المفعَم بالإيمان الديني والمتعبّد والخاشع في علاقته بالله والأنبياء وأهل البيت، الصادق في كل كلمة يقولها، المحب للفقراء والمساكين، القلق على مستقبل الدولة الإيرانية، من كل أنواع التغوّل، تغوّل السلطة وتغوّل المال وتغوّل الفساد وتغوّل البيروقراطية وتغوّل الكسل والخمول، هو الستينيّ الذي صار الرقم الصعب بالنسبة لـ"إسرائيل" وأميركا وتنظيمي القاعدة وداعش وعدد من دول الخليج (الفارسي)، حتى تاريخ استشهاده. وهو القائد الذي صنع مجد إيران المعاصر لتتحوّل بموقعه القيادي وشكل توظيفه لهذا الموقع إلى دولة عظمى مهابة الجانب. ومثلما كان في حياته حارس الثورة والجمهورية خلف خطوط العدو، وسط انقسام سياسي كبير داخلياً حول دوره، صار بعد استشهاده الحارس بقوة ما أظهره استشهاده من مناخ شعبي رادع تجاه كل تفكير بالتصعيد بوجه إيران المحصّنة بطوفان شعبي خرج يطلب الانتقام لدم سليمانيّ بعكس الرهانات والافتراضات القائمة على تراجع التأييد الشعبي لخيار الثورة والجمهورية وقائدهما السيد الخامنئي، وسياساته، وإيران المحميّة باقتدار تقني وعسكري أظهرته الصواريخ التي إستهدفت قاعدة عين الأسد، قالت إنها تملك العزيمة والإرادة وتملك معهما تقنيات حربية كافية للتملص من قدرات التقنية الأميركية لبلوغ أهدافها الحربية، وأسقطت الرهان على التفوق التقني الأميركي بمثل ما سقط الرهان على الانقسام الداخلي الإيراني.

كان سليمانيّ ينفق الكثير من الوقت والجهد، قبل الإتفاق النووي وبعده، ليجعل من دعم خيار المقاومة بوجه الهيمنة الأميركية والعدوانية الإسرائيلية موضوع إجماع سياسي عابر للتيارات المتنافسة على السلطة في إيران، رغم قناعته بالدور المرجعي الحاسم للسيد الخامنئي في مثل هذه الأمور الاستراتيجية، لكنه كان يرى في تحييد هذا التوجه عن خطابات التنافس قوة لإيران ورسالة للخارج تعزّز موقع إبران في مواجهة أعدائها وخصومها، وتعقلن الصراعات السياسية الداخلية، وتضعها في نصابها كتنافس سياسيّ يطال مشاكل الاقتصاد والعمران ومكافحة الفساد والتربية والصحة والخدمات والمؤسسات الدستورية وتفعيلها، لكن ما نجح بتحقيقه في فترة التفاوض على الإتفاق النووي وبعد توقيعه على هذا الصعيد، بتوحيد الموقف داخل صفوف القيادات الإيرانية، عزّز موقع المفاوض الإيراني، بالتزام المحافظين والأصوليين، وخصوصاً قيادة الحرس الثوري بهذا الموقف، بدأ يتصدع بعد الانسحاب الأميركي من الإتفاق، وظهور مواقف أخذت تتسع بين صفوف الإصلاحيين تحمّل دور الحرس وخصوصاّ الدور الذي إضطلع به سليمانيّ مسؤولية تدهور العلاقات مع الأميركيين الذي توّج بالانسحاب من الإتفاق النووي، ليأتي استشهاد سليمانيّ على أيدي الأميركيين وما تلاه من إعلان لصفقة القرن، فيكشف طبيعة ما كان يعدّه الأميركيون للمنطقة، ولإيران في المقدمة، وكيف أن سليمانيّ ودوره كانا قيمة مضافة تملكها إيران وبوليصة تأمين تحميها، وكيف أن خيار المقاومة ليس مجرد حليف توفر له إيران مقدّرات تضمن قيامه بدور فاعل في مواجهات المنطقة، بل هو من الباب الخلفي شريك في حماية إيران نفسها ورفع مكانتها؛ وبالتالي كيف أن كل إستثمار تنفقه إيران في دعم قوى المقاومة هو إستثمار جدي لأمنها القومي ولحماية إستقلالها السياسي واكتفائها الغذائي، وليس استنزافاً لموارد يُفترض تخصيصها للشؤون الداخلية، كما كان يقول بعض رموز التيار الإصلاحي، أو كما كان أنصارهم يهتفون في التظاهرات، لتشكل جنازة سليمانيّ وما رافقها من طوفان شعبي رسالة أبعد مدى من كونها موجّهة للأميركيين، بل أيضاً للعديد من متعاطي الشأن العام في إيران، في السلطة وفي المعارضة، لاكتشاف حقيقة موقف الشعب الإيراني من خيارات المواجهة مع الأميركيين، ومن السياسات العليا التي يرسمها السيد الخامنئي والتي كان سليمانيّ مؤتمناً على أغلبها.

بقلم: ناصر قنديل  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/4663 sec