رقم الخبر: 275746 تاريخ النشر: شباط 11, 2020 الوقت: 14:02 الاقسام: مقالات و آراء  
أوروبا.. إخلعي العباءة الأميركية..!

أوروبا.. إخلعي العباءة الأميركية..!

مؤشرات مهمة في إفتراق أوروبا عن أميركا، بعضها موضوعي، والأخرى ذاتية، منها أولا رفع دونالد ترامب منذ توليه الرئاسة شعار "أميركا أولا"، وهو ما عكس نفسه سلبا على العلاقات الأميركية الأوروبية والكندية وغيرها من دول الجوار وخاصة المكسيك، وتلا ذلك الحرب المعنلة من قبل الرئيس الأميركي على حلف الناتو، وتوسيع الفجوة بين بلاده واوروبا.

ورغم الترميم في الشهور الأخيرة، إلا ان التباين بقي قائما؛ ثانيا خروج بريطانيا من المنظومة الأوروبية بدفع واضح من أميركا، وهو ما يعني تقليص النفوذ النسبي الأميركي في القارة العجوز؛ ثالثا التناقض الأميركي الأوروبي في أكثر من ملف دولي، منها الملف الإيراني، وإتفاقية المناخ، التي غادرتها إدارة ترامب، والعلاقة مع الصين؛ رابعا رفض الإتحاد الأوروبي صفقة القرن الترامبية النتنياهوية، وتهديد إسرائيل مباشرة بمجموعة عقوبات في حال أقدمت على ضم الأغوار الفلسطينية، منها الإعتراف المتزامن بالدولة الفلسطينية.

وكان مكتب المفوض السامي للسياسة الخارجية والأمن الأوروبي، جوزيف بوريل أصدر يوم الثلاثاء الموافق 4/2/2020 بيانا شديد اللهجة ضد السياسة الإسرائيلية وصفقة القرن على حد سواء، وأكد على تمسك دول الإتحاد بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، مما آثار ردود فعل غاضبة في دولة الإستعمار الإسرائيلية على البيان، وعلى شخص بوريل، وشنت حملة تحريض مباشرة عليه، وغمزت من قناته، عندما ربطت بين زيارته لإيران وصدور البيان الهام حول النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وصفقة العار الترامبية. وكانها ارادت الإيحاء بأن إيران أثرت على موقف بوريل والإتحاد؟! مع ان الرجل كان يعتبر صديقا لإسرائيل سابقا، ومع ذلك لم ترحب بإنتخابه مفوضا ساميا للسياسة الخارجية الأوروبية.

تعتبر الخطوة الأخيرة للإتحاد الأوروبي نقلة مهمة في مسار وتطور السياسة الخارجية الأوروبية، وتشكل إبتعادا مزدوجا عن السياستين الأميركية والإسرائيلية، وتؤسس لمرحلة جديدة في تبلور رؤية مستقلة نسبيا عن الكوابح والضغوط للدولتين المذكورتين. لا سيما وان دول الإتحاد تعتبر الممول الرئيس لعملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، دون ان تحظى بمكانة مؤثرة في صناعة السلام، وبقيت أسيرة السياسة الأميركية، وحاضنة رئيسية من حواضن الدولة العبرية.

من المؤكد التمرد النسبي لدول الإتحاد في أكثر من ملف دولي، وخاصة الملف الفلسطيني الإسرائيلي يعتبر تحولا مهما على طريق خلع العباءة الأميركية، وتجاوز عقدة الذنب الأوروبية تجاه المسألة اليهودية، وإعادة نظر بمواقفها التاريخية تجاه المسألة الفلسطينية، خاصة وانها (اوروبا) كانت العراب في وجود إسرائيل الكولونيالية على حساب النكبة الفلسطينية عام 1948، مما لازمها عقدة نقص جديدة، تشعر انها مطالبة مباشرة بلعب دور مهم لمنح الشعب الفلسطيني بعض حقوقه التاريخية في وطنه الأم، دون ان تسقط حق إسرائيل في الوجود، والعيش بسلام من خلال بناء ركائز السلام الممكن والمقبول، والمنسجم مع قرارات الشرعية الدولية، ومرجعيات عملية السلام القائمة على خيار حل الدولتين على حدود حزيران 1967.

لم يأت هذا التطور الإيجابي بالصدفة، انما جاء نتيجة قراءة موضوعية لمصالح الإتحاد الأوروبي، المشاطئة دوله للوطن العربي، وإدراكا من الأوروبيين، أن صفقة القرن لا تصنع سلاما، بقدر ما تفتح فوهة بركان العنف والفوضى والإرهاب، والذي سيطال مباشرة دول الإتحاد، وايضا تبلور القناعة الأوروبية، بأن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية إنتهت، كما إنتهت مرحلة العولمة الأميركية بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي والمنظومة الإشتراكية، وأخذ العالم يتشكل من جديد، ووفق معايير مختلفة. وعليه فإن اوروبا امام منعطف سياسي نوعي، لكنها لم ترق حتى الآن لولوج الإستقلالية التامة عن اميركا وإسرائيل. قادم الأيام قد يحمل الجديد.

 

 

بقلم: عمر حلمي الغول  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1686 sec