رقم الخبر: 274995 تاريخ النشر: شباط 01, 2020 الوقت: 17:21 الاقسام: عربيات  
بعد الإعلان عن "صفقة القرن".. ماذا عن التنفيذ؟

بعد الإعلان عن "صفقة القرن".. ماذا عن التنفيذ؟

"صفقة القرن" معطى جديد على ساحة الشرق الأوسط، ونقطة تحوّل في السياسة الأميركية حيال الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأيضا في مجرى هذا الصراع، لمجرد أن الكيان الاسرائيلي، وبغض النظر عن مصير هذه الخطة وما ستؤول إليه، سيعتمدها أساسًا للتعاطي مع الفلسطينيين بعد اليوم، وسيتعاطى مع كل مكسب فيها على أنه أمر واقع لا رجوع عنه. بينما الولايات المتحدة، ليست المرة الأولى التي تتعاطى فيها مع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، بعدما توقف التعاطي مع الصراع العربي - الإسرائيلي عند إتفاقيتي "كامب ديفيد" مع مصر، و"وادي عربة" مع الأردن. ومنذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض، حدد هدفًا رئيسيًا له في الشرق الأوسط، إضافة الى إحتواء إيران، هو إيجاد حل سياسي شامل لأزمة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وشرع في وضع خطة متدرجة عُرفت لاحقا بـ"صفقة القرن" مهّد لها بخطوات عملية هي أشبه بخدمات وهدايا لـ"إسرائيل"، وتمثلت بداية بإعلانه القدس عاصمة لـ"إسرائيل" ونقل السفارة الأميركية إليها، وصولًا الى مصادقته على ضم الجولان السوري المحتل وشرعنة الإدارة الإسرائيلية للمستوطنات.

سركيس أبوزيد

وفي خضم إنشغاله بالمواجهة مع إيران، أوفد ترامب مبعوثه الخاص الى الشرق الأوسط "أفي بركوفيتش" الى الكيان مطلع هذا العام للبحث في إمكانية الإعلان عن تفاصيل الخطة الأميركية بعد تأجيل متكرر لها لعدة أسباب كان من أبرزها إعادة الانتخابات الإسرائيلية لمرة ثالثة. وإثر ذلك، أخذ ترامب قراره باستدعاء نتنياهو وغانتس الى واشنطن بدعوة رسمية نقلها نائبه "بنس" لحضور حفل الإعلان عن الجانب السياسي من "صفقة القرن"، بعدما كان الإعلان عن الجانب الاقتصادي منها تم في "ورشة المنامة" منتصف العام الماضي.

حملة "التسويق السياسي" عشية انتخابات إسرائيلية مفصلية وحاسمة بالنسبة لنتنياهو حليف ترامب، أعطاه جرعة دعم، فما يريده ترامب فعلا من هذا الإعلان المفاجئ عن "صفقة القرن"، وفي هذا التوقيت السياسي "المشبوه" قبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية، هو إنقاذ حليفه نتنياهو الذي يواجه متاعب داخلية وضغوط محاكمته القضائية في قضايا فساد، وتعويم وضعه وتحسين فرصه في الفوز. والمفارقة هنا أن ترامب نفسه يواجه ضغوطا من هذا النوع أيضا، واللجوء الى "صفقة القرن" يساعده في التخفيف من هذه الضغوط وتحويل الأنظار عن محاكمته في الكونغرس.

أما أبرز ما جاء في المضمون السياسي الأمني لـ"صفقة القرن" فهو:

1 - "إسرائيل" دولة قومية لليهود لديها حدود آمنة ومُعترف بها، وسيكون غور الأردن تحت سيادتها، وتكون القدس الموحدة عاصمة لها.

2 - إنشاء دولة فلسطينية تكون عاصمتها جزءًا من القدس الشرقية الواقع في كل الأراضي شرق وشمال الجدار الأمني الحالي، بما في ذلك كفرعقب وشعفاط وأبوديس، ويمكن تسميتها القدس أو أي اسم آخر تحدده دولة فلسطين التي "عليها السيطرة الكاملة" على غزة و"نزع سلاح" حركتي المقاومة حماس والجهاد.

3 - بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في الشتات، تنص الصفقة على أنه لن يكون هناك أي حق في العودة أو إاستيعاب لأي لاجئ فلسطيني في ما يسمى زورا "دولة إسرائيل"، وأن هناك ثلاثة خيارات أمام اللاجئين: الذهاب الى دولة فلسطين، أو الاندماج المحلي في البلدان المضيفة، أو إعادة توطينهم في دول إسلامية.

كما تنص الخطة على مقايضة وتبادل للأراضي، بما في ذلك تبادل أرض جنوب قطاع غزة ومنح الفلسطينيين المزيد من الأراضي عند الحدود المصرية، لكن ستبقى الأراضي خاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتحتفظ "إسرائيل" بالسيادة على غور الأردن شرق الضفة الغربية، وتضع الخطة سبلا لبناء أنفاق تربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وتدعو الخطة "إسرائيل" إلى وقف بناء أي مستوطنات جديدة في المناطق المتنازع عليها لمدة 4 سنوات.

في اليوم التالي لإعلان "صفقة القرن" برز نوعان من المواقف وردود الفعل الأميركية:

- الأول صادر عن جهات سياسية وإعلامية معارضة للرئيس ترامب، لا سيما في صفوف الحزب الديمقراطي، وفيه تشكيك بدوافع إعلان الخطة في هذا الوقت وظروفها وإمكانات نجاحها لأنها خطة غير عادلة وتعطي "إسرائيل" كل ما تريده وتفرض على الفلسطينيين شروطا قاسية، ولأن "السلام" يتطلب وجود الطرفين على طاولة الحوار، والبيت الأبيض لم يتفاوض على الخطة إلا مع الإسرائيليين، والخطة لن تحقق شيئا، وهي خدمة خالصة لنتنياهو الذي يواجه تحقيقا رسميا بتهم الفساد. وأفضل من عبّر عن هذه الفكرة صحيفة "نيويورك تايمز" التي كتبت تقول: إنها خطة تبدو أشبه بـ"خريطة طريق" لمستقبل ترامب نتنياهو الشخصي وليس لمستقبل الشرق الأوسط، ترامب الذي حوّل حفل الإعلان عن الخطة الى مهرجان انتخابي لرئيس الحكومة الإسرائيلية.

- الثاني صادر عن فريق ترامب الذي تصدّره صهره مهندس الصفقة جاريد كوشنير متوجها الى الفلسطينيين بعدم تفويت هذه الفرصة الثمينة والأخيرة، ولن يحصلوا على أفضل منها، معتبرا أن "صفقة القرن" هي "فرصة العمر" بالنسبة للفلسطينيين.

وفي وقت يعبّر ترامب عن أمله في أن يقبل الفلسطينيون الصفقة ويوافقوا عليها و"يفرحوا بها"، فإن القوى الفلسطينية تُؤكد أن الصفقة لن تمر، وأنها قادرة على إسقاطها كما أسقطت المشاريع السابقة، في نفس الوقت فإنها تتوقع أن يراهن ترامب على فوزه بولاية ثانية كي يعمد خلالها الى الضغط على الفلسطينيين للعودة الى طاولة المفاوضات وقبول "الصفقة". كما أن هناك رهانا أميركيا على موقف الدول العربية، وأفضل من عبّر عن هذا الرهان دنيس روس الموفد الخاص للسلام سابقا في الشرق الأوسط، إذ قال: "الخطة ستعتمد بشدة على ردود فعل القادة العرب، فإذا اعتبر عدد من الزعماء العرب أن الخطة جيدة، عندها قد يكون لها أرجل بغض النظر عن الرفض الفلسطيني".

الاهتمام الأميركي جارٍ خصوصًا بموقفي كل من مصر والأردن لأنهما الدولتان العربيتان الموقعتان على إتفاقية سلام مع "إسرائيل" والمجاورتان للدولة الفلسطينية، ولهما التأثير الأقوى على السلطة الفلسطينية، ولأن الرهان الأميركي على الدول العربية والخليجية المناهضة لإيران، هو رهان أساسي، حيث تستند إدارة ترامب في رهانها على الموقف العربي الى نتائج لقاءات واتصالات سبقت إعلان "صفقة القرن" ومهّدت لها، وأسفرت عن وعود وتعهدات سعودية بالمساهمة في تمويل الخطة، وجاءت ردود الفعل العربية الأولية لتؤكد على المنحى الإيجابي للموقف العربي الذي تمحور حول "تقدير جهود السلام الأميركية والترحيب بها، ودعوة الفلسطينيين الى التفاوض مع الإسرائيليين حول "صفقة القرن"".

أما لبنان، فهو مثله مثل الأردن طرف عربي معني مباشرة بنتائج وأعباء هذه الصفقة التي تضرب حل الدولتين وتلغي المبادرة العربية للسلام التي أُقرّت في بيروت، فهل لبنان الغارق في أزمات داخلية تكبّله وتشلّ قدراته جاهز للتعامل معها؟ وهل يملك استراتيجية للمواجهة أو الرفض؟ واستطرادا، هل المساعدات الدولية والأميركية خصوصا للبنان مشروطة فقط بإصلاحات مالية ومكافحة الفساد، أم لها شروط سياسية تبدأ من سياسة النأي بالنفس وتصل الى الموقف من "صفقة القرن"؟

"صفقة القرن" هي في الواقع"صفقة" فالرئيس ترامب ينظر الى الصراع في المنطقة ويتعاطى معه من خلفية "رجل أعمال" ويلعب بشكل واضح وفاضح ورقة الإغراءات والحوافز المالية والاقتصادية. مهندسو "صفقة القرن" وواضعو تفاصيلها الدقيقة لا يظهرون إهتماما بمكوّنات الصراع وجذوره وأبعاده التاريخية والدينية والإجتماعية، والحقوق المشروعة ليست الأساس وإنما النتائج والمكاسب، وأبرزها ما يتعلق بالتطبيع بين "إسرائيل" والدول العربية ومستقبل العلاقات الاقتصادية بين "إسرائيل" ودول مجلس التعاون الخليجي.

"صفقة القرن" أُعلنت، لكن ماذا بعد الإعلان؟ ماذا عن التنفيذ؟ هل ولدت هذه الصفقة ميتة لأنها لا تتناسب مع الواقع، ولو شدد ترامب على أنها خطة عملية وواقعية؟ المؤشرات الأولية كلها تبدو متناقضة، وتوحي بأن "المنطقة" دخلت مرحلة جديدة وما بعد إعلان "صفقة القرن" ليس مثل ما قبله.

 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/3345 sec