رقم الخبر: 273945 تاريخ النشر: كانون الثاني 18, 2020 الوقت: 15:11 الاقسام: مقالات و آراء  
صواريخ الردع الإيرانية قهرت جبروتهم

صواريخ الردع الإيرانية قهرت جبروتهم

من المؤكَّد أننا أمام مرحلة تحمل الكثير من الإنعطافات الإستراتيجية في المنطقة والإقليم، وهذه الإنعطافات لن تكون مقتصرِة على ساحة العراق.

لم تقدّم الجمهورية الإسلامية في إيران خطاباً سياسياً "برغماتياً" منذ انتصار الثورة في العام 1979 ينتهج تسجيل النقاط  لتكون محط إعجاب الشعوب. وفي الخفاء مارست سياسة احتوائية للهيمنة والتمدّد كما تروّج الدوائر الأميركية والغربية وكيان الاحتلال وبعض الأنظمة العربية.

وفي النقيض حافظت الجمهورية الإسلامية في إيران على صدقيّة الطرح السياسي في ما يخصّ المنطقة والإقليم، وسعت إلى تهدئة  التوتّر في الخليج (الفارسي). ويذكَر هنا أن القيادة الإيرانية عملت على بناء جسور الثقة مع المملكة السعودية التي كانت تواجه بالتسخين والاتهامات بالتدخّل في اليمن وفي غير منطقة بحجة التمدّد "الفارسي".

ومع أن الجمهورية الإسلامية في إيران تقيَّدت بحذافير تطبيق الاتفاق النووي مع الدول الكبرى (خمسة زائداً واحداً) إلا أن الإنقلاب الأميركي على الاتفاق مع تسلّم إدارة دونالد ترامب زِمام قيادة الدولة العميقة فتح الأبواب على تطوّرات نشهد وقائعها في الاشتباك السياسي، الذي وصل إلى تخوم جبهة المواجهة العسكرية بعد اغتيال الفريق قاسم سليماني قائد قوة القدس وأبي مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي في العراق.

الرد الإيراني على جريمة اغتيال الفريق سليماني والمهندس ورفاقهما ما كان يمكن أن يمر، وهذه تعرفها إدارة  ترامب التي تلقّت وابِلاً من الصواريخ الباليستية على أكبر مواقعها وأكثرها أهمية قاعدة "عين الأسد" في العراق.

مضمون الرد كان بالرسالة المزلزِلة: أن إيران لن تسمح أن تصبح "دريئة" تتلقّى الضربات وتصمت. وهي بالتالي ترد على سياسة الهيمنة والاحتواء الأميركيين.

وقد عمدت الإدارة الأميركية إلى إخفاء خسائرها البشرية والمادية لما تشكّلانه من انعكاسات سلبية على الرئاسة الأميركية التي تدخل بعد شهرين سباق الانتخابات لدورةٍ جديدةٍ يأمل ترامب أن تصبّ لصالحه. ويبدو أن حال الحراك السياسي داخل البيت الأميركي بعد الاغتيال والرد الإيراني بدأت تتصاعد خاصة وأن الحزب الديمقراطي وجدها فرصة ذهبية لرفع أرصدته في مواجهة الأخير الذي وجهت إليه التهم في استغلال منصب الرئاسة وأبرزها ضغوطه على الرئيس الأوكراني زيلينسكي لتلطيخ سمعة المرشّح الديمقراطي جو بايدن في ما عرِف بقضية تبيض الأموال في أوكرانيا.

ووفق هذه التطوّرات التي تعالت ألسنة لهيبها على المستويين العسكري والسياسي، توالت ردود الفعل الأوروبية لضَبْطِ النفس وتهدئة مناخات التوتّر في المنطقة التي يمكن أن تشكّل بوابة الاشتعال.

ومع أن الجمهورية الإسلامية في إيران حريصة على ألا يتدحرج برميل البارود إلا أنها ضبطت الميدانين السياسي والعسكري على عقارب ساعتها. وهي بالتالي لم تدفع إلى أجواء مشتعلة بقدر ما أرسلت خطاباً ممهوراً بالصواريخ الباليستية ألا حماية لجندي أميركي إن وسّعت واشنطن من عدوانها. وهي الرسالة التي تلقّفها كيان الاحتلال ومعه بعض النظام الرسمي العربي لدورهما في التحشيد ضد إيران والدفع إلى حصارها وتقييدها باعتبارها خطراً على أمن الخليج (الفارسي).

هذه التشاركية بين كيان الاحتلال وبعض النظام الرسمي العربي لا تخفي نفسها ويتفاخر بها قادة الاحتلال في تصريحاتٍ تفيض بها الصحف الصهيونية حول أهمية التنسيق الأمني التي ستصل إلى حلفٍ أمني مع دول الخليج الفارسي التي بارك بعض قادتها اغتيال الفريق قاسم سليماني.

أستعير هنا من قناة الميادين ورئيس مجلس إدارتها الأستاذ غسان بن جدو ما قاله: "إن ما بعد الجنرال سليماني ليس كما قبله". وهذا دقيق جداً إذ أن الحسابات الأميركية اليوم على مفترَق طرق وخاصة بعد الاشتباك المباشر مع الجمهورية الإسلامية في إيران.

هذا الاشتباك يحدّد الآن طبيعة المواجهات القادمة على الصعد كافة. فقد فتحت أميركا عليها بوابات النار من كل الاتجاهات وخاصة بعد التحرّك الشعبي الكبير في العراق لمواجهة سياساتها العدوانية والطلب منها الرحيل وفق ما أقرّه مجلس النواب العراقي. وبغضّ النظر عن وجود أحزاب وقوى مرتبطة بالمشروع الأميركي وتستمد "شرعيّتها" من حضوره، إلا أن الواقع  بعد الاغتيال يؤكّد أننا أمام مرحلة مختلفة عن السابق سيشتدّ فيها ساعِد المقاومة وهذا حق سيادي كفلته الشرعة الدولية.

من دون أدنى شك أن كثيراً من الدول الكبرى والفاعِلة في السياسات الدولية قلقة من أيّ تدهورٍ في المنطقة والإقيلم، وإن تعاطى بعضها مع اغتيال الفريق سليماني بأنه "حق" لأميركا لما يمثله الفريق من "تهديد" للأمن الدولي كموقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. لكن هذا الموقف لا ينسحب على عددٍ غير قليل من دول الاتحاد الأوروبي التي دعت إلى التهدئة.

من المؤكَّد أننا أمام مرحلة تحمل الكثير من الإنعطافات الإستراتيجية في المنطقة والإقليم، وهذه الإنعطافات لن تكون مقتصرِة على ساحة العراق بل على مشهدٍ  كبيرٍ في مواجهة كيان الاحتلال ومعه المشروع الأميركي المتهالِك والذي فشل في إسقاط الدولة السورية التي حقّقت مع الحلفاء وروسيا الإتحادية نصراً إستراتيجياً. ويستتبع هذا النصر في الحد من المطامِع التركية وخروج الأميركي والتركي من سوريا.

الصواريخ التي دكَّت قاعدة "عين الأسد" هوَت على رؤوس قادة الاحتلال في ذات لحظة الردع الإيراني، وأكَّدت أن القراءات الصهيونية لم تصب يوماً في أن إيران أصبحت مهشّمة من الداخل جرّاء الحصار الإقتصادي الذي أضعفها فلجأت إلى قوى تحقّق لها مكانتها في المنطقة. ومن الدقّة القول: إن هذه القوى هي محور استراتيجي يواجه العدوان والإرهاب في قوَّة الحق والإرادة.

 

 

بقلم: بسام رجا  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1460 sec