رقم الخبر: 270953 تاريخ النشر: كانون الأول 15, 2019 الوقت: 16:02 الاقسام: مقالات و آراء  
الصراع على طاقة المتوسط

الصراع على طاقة المتوسط

أثارت الاتفاقية التي وقّعها رئيس المجلس الرئاسي في حكومة "الوفاق" الليبية فائز السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في اسطنبول حالة من الغضب والاحتقان في عدد من دول أوروبا أولها اليونان وإيطاليا، وداخل الأوساط السياسية والاجتماعية بمناطق شرق ليبيا.

وفي خطوة تصعيدية جديدة، جدد أردوغان تأكيده استعداد تركيا لإرسال قوات إلى ليبيا إذا طلبت حكومة الوفاق ذلك، لافتا إلى أن تركيا والحكومة الليبية ستبدآن أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في منطقة الحدود البحرية، التي تم تحديدها بموجب مذكرة التفاهم الموقّعة بينهما في 27 تشرين الثاني الماضي.

وأشار أردوغان في مقابلة تلفزيونية مؤخراً إلى أنه يخطط لعقد لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل زيارته المرتقبة لتركيا في كانون الثاني المقبل لبحث الأوضاع في ليبيا.  وحسب مراقبين فإن المباحثات مع بوتين التي تحدث عنها أردوغان، تستهدف تغيير موقف الرئيس الروسي المؤيد لحفتر والجيش الوطني الليبي. وعدّ أردوغان مذكرة التفاهم مع حكومة السراج أقوى رد على محاولات اليونان وقبرص تطويق وعزل تركيا في شرق المتوسط، قائلا: "إنه لا يمكن للاعبين الدوليين الآخرين القيام بأنشطة بحث وتنقيب في المناطق التي حددتها تركيا بموجب الاتفاق مع ليبيا من دون الحصول على موافقة أنقرة".

وردت اليونان فوراً بوصفها الاتفاق بأنه غير منطقي لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت بين ساحلي ليبيا وتركيا. ولاحظ وزير الخارجية نيكوس دندياس أن الإحداثيات الجغرافية لهذه المحاولة لترسيم الحدود البحرية تؤكد أن هذا الاتفاق انتهاك سافر لقانون الأمم المتحدة للبحار وللحقوق السيادية لليونان والبلدان الأخرى. وقال: "إن الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا باطل، لأنه جرى التفاوض عليه بسوء نية، موضحاً أنه يمثل تهديدا للاستقرار الإقليمي، وإن اليونان أحالت إلى الأمم المتحدة اعتراضاتها بشأن هذا الاتفاق". أما الإيطاليون فقد أبدوا قلقاً متزايداً أيضا، وهم يقولون لليبيين إنهم يرغبون في أن يتم إخطارهم بتحركاتهم، خصوصا الأخيرة مع تركيا، لأنهم يظلون حلفاء ليبيا التاريخيين.

بطبيعة الحال، فإن ردود الفعل على الاتفاقية كانت كبيرة وواسعة وحادة من جانب مصر والسعودية والإمارات التي اعتبرت الاتفاقية لاغية وباطلة، واليونان التي اعتبرت أن الاتفاقية تعتبر قسما كبيرا من الجزر اليونانية، ومنها كريت، كأنها غير موجودة وتسرّع الخطوات نحو نشوب أزمة كبيرة في شرق المتوسط.  لكن عنوان صحيفة "يني شفق" يبقى الأكثر تعبيرا، بقولها: "الآن بدأت اللعبة". تركيا ترى أن الصراع في شرق المتوسط على الغاز ومناطق التنقيب والنفوذ هو جزء من المعركة لحماية الأمن القومي التركي. تقول صحيفة "يني شفق"، المؤيدة لحزب "العدالة والتنمية"، "إن تركيا بعملياتها العسكرية الثلاث في سوريا:"درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، كانت لضرب مشروع محاصرة تركيا من جانب القوى المعادية عبر الأداة الكردية. واليوم، توجّه تركيا ضربة إلى محاولات محاصرتها وخنقها في شرق المتوسط وحرمانها من حقها في ثروات الغاز والنفط، وتركيا بذلك تؤسس للعبة جديدة في شرق المتوسط"، بحسب الصحيفة.

تركيا، سجلت هدفا محقّقا في مرمى خصومها في المنطقة. الاتفاق مع حكومة السراج كان "ضربة معلم" من جانب تركيا، يمكنها الاعتماد عليها للمحاججة والمساومة لاحقا مع خصومها. ضربت تركيا بحجر واحد عصفورين: التعاون الأمني مع حكومة السراج التي يقتصر نفوذها على العاصمة طرابلس وجوارها، وترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط بين تركيا وليبيا.

في المقابل فإن هذا الاتفاق يدخل الأزمة في ليبيا في مسار قد يكون تصاعديا، باعتبار أن تركيا، ومن خلفها روسيا، ستضع ثقلها لتغيير موازين القوى أو على الأقل عدم خسارة المساحة المتبقية لتركيا ومن معها. ولا يقتصر هدف تركيا على خصومها العرب، بل تسجل نقطة في الصراع أيضا مع دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، فيما إيطاليا تبدو أقرب إلى تركيا منها إلى حلفائها في الاتحاد الأوروبي. وإذا كان التدخل العسكري التركي قائما بالفعل قبل الاتفاق، فإن الاتفاق على حدود المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة بين البلدين سيكون صداه الأكثر ترددا ومضاعفاته الأكثر إثارة للمخاوف في المرحلة المقبلة. فالاتفاق يؤثر مباشرة على صراع النفط والغاز في شرق المتوسط.

وإذا كان البعض يعيد واحدا من أسباب الإضطراب السياسي والأمني في لبنان اليوم إلى الخلاف على ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي ورغبته في السطو على غاز لبنان ونفطه في "البلوك 9"، فمطامع الكيان لا تقتصر على الاستيلاء على الأراضي اللبنانية، حيث اتجهت عيونه إلى النفط أيضا. فثمة نزاع على الحدود البحرية حول البلوك النفطي رقم 9، الممتد بمحاذاة ثلاثة من خمسة بلوكات (حقول نفط) طرح لبنان مناقصة لاستثمارها، أوائل العام الجاري. وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي، الذي يحتضنه هذا الجزء من البحر المتوسط، بحوالي 96 تريليون قدم مكعب. وهذه ثروة يمكن أن تساعد لبنان على خفض حجم دينه العام، الا ان العدو الاسرائيلي يحاول هذه المرة، استغلال انشغال اللبنانيين بالوضع الداخلي المنتفخ، ليجري أبحاثه العلمية، بعد خرق سفينة تابعة له تحمل علم بنما، سيادة المياه الاقليمية، واجرائها مسحاً شاملاً آملة ان تبني عليه خططاً مستقبلية لاغتصاب النفط اللبناني.

ومن المعروف أنه كان قد تأسس في مطلع العام 2019 "منتدى غاز شرق المتوسط" من كيان العدو ومصر واليونان وقبرص اليونانية والأردن، وتعتبر تركيا أن المنتدى يستهدف مباشرة مصالحها في المنطقة. وقد عمدت الدول المذكورة إلى عقد اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية لترسيم حدود المنطقة البحرية الخالصة بينها. اعترضت تركيا على هذا، أولا لأنها ليست جزءا من الاتفاقيات، فيما هي بلد له حدود بحرية مع قبرص واليونان وسوريا، وثانيا لأنها تعترض على احتكار جمهورية قبرص المعترف بها دوليا للسيادة على كامل الحدود البحرية لقبرص، فيما هي تتجاهل حقوق منطقة شمال قبرص التركية التي لها حدود بحرية مباشرة مع تركيا. وحذرت تركيا سفن التنقيب التابعة لقبرص واليونان من التنقيب في المناطق البحرية التابعة لقبرص التركية وجزء من المناطق البحرية التابعة بنظر أنقرة لتركيا. كما اندفعت تركيا إلى إرسال سفن للتنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية التابعة لها ولقبرص التركية مثل سفينتي "فاتح" و"ياووز". وقد أثار ذلك رفض وإدانة دول منتدى غاز شرق المتوسط وأوروبا كما الولايات المتحدة، التي طلبت وقف عمليات التنقيب مع التهديد بفرض عقوبات رفضتها تركيا.

باختصار، إن اتفاق ترسيم حدود المنطقة البحرية الاقتصادية بين تركيا وليبيا ستكون له إنعكاساته المباشرة والقوية لدى كل دول شرق المتوسط ذات الحدود البحرية الممكنة مع تركيا أو ليبيا، وهي اليونان وقبرص اليونانية ومصر.

بقلم: سركيس أبوزيد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 19/8328 sec