رقم الخبر: 269871 تاريخ النشر: كانون الأول 03, 2019 الوقت: 12:08 الاقسام: ثقافة وفن  
مولانا جلال الدين الرومي..

مولانا جلال الدين الرومي..

كُن في الحُبِّ كالشّمس، كن في الصداقة والأخوّة كالنّهرِ، كُن في ستر العيوبِ كالليل، كن في التواضعِ كالتراب، كن في الغضب كالميت.. وأيّاً كنت من الخلائق.. إما أن تبدو كما أنت، وإما أن تكون كما تبدو...

من منا لم يقرأ هذه الكلمات الخالدة أو ترجمة لها بأي لغة من لغات العالم؟ كلمات قليلة يمكن أن تكون ملخصاً للنهج الذي يجب أن يعيش به الإنسان. إنها كلمات "سلطان العارفين" مولانا جلال الدين الرومي، من أبرز أعلام التصوف الفلسفي وأحد فحول شعراء الصوفية في الحضارة الإسلامية وأشهرهم على مستوى العالم وأكثرهم تأثيراً في أتباعه حتى يومنا الحاضر، والذي يُحتفل اليوم بالذكرى 812 لميلاده.

مَن هو جلال الدين الرومي؟

جلال الدين محمد بن بهاء الدين محمد بن الحسين بن أحمد الخطيبي البلخي. يُعرف في إيران باسم جلال الدين محمد بلخي (نسبة إلى مكان ولادته)، وفي تركيا وكل العالم باسم مولانا جلال الدين الرومي (نسبة إلى بلاد الروم أو الأناضول حيث عاش وذاع صيته).

وُلد مولانا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ (تقع حاليّاً في شمال أفغانستان) في السادس من ربيع الأول عام 604 هجريّاً الموافق 30 سبتمبر/أيلول عام 1207 ميلاديّاً.

والدته هي مؤمنة خاتون، ابنة أمير بلخ ركن الدين. ووالده هو بهاء الدين ولد، المتصوف الكبير وأحد أشهر الفقهاء في بلخ، فجمع بين علم القال وعلم الحال. لُقّب بسلطان العلماء لمكانته العلمية وإنكاره الظلم على الأمراء والسلاطين، وهو من مريدي المتصوف الكبير نجم الدين الكبرى الملقب بـ"ولي تراش" أي صانع (نحات) الأولياء، وذلك لكثرة من نبغوا من مريديه وأصبحوا من كبار مشايخ الصوفية.

اضطُرّ بهاء الدين ولد إلى ترك موطنه بلخ لخلافات بينه وبين أميرها، وقيل بسبب خلافات بينه وبين العالم الشهير فخر الدين الرازي، وكان أمير بلخ في صفّ الرازي، كما كان منزعجاً من كثرة مريدي بهاء الدين ولد والتفاف الناس حوله. وذكرت مصادر تاريخية أنه هاجر من بلخ بسبب غزو المغول، فتوجه بصحبة أسرته عام 616/617هـ إلى نيسابور، وهناك التقى الشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار الذي أعجب بنبوغ الفتى الصغير جلال الدين الرومي وأهداه كتابه "أسرار نامه"، وقد ظل الرومي متأثراً بالعطار طوال حياته.

ومن نيسابور هاجر بهاء الدين ولد مع عائلته إلى بغداد حيث التقى الفقيه الكبير والصوفي الشهير شهاب الدين السهروردي ومكثوا هناك فترة ومنها إلى مكة لأداء فريضة الحج ثم إلى الشام، ومنها إلى الأناضول حيث تنقلت الأسرة بين عدة مدن في الأناضول إلى أن ألقت عصا الترحال في مدينة قرمان بعد سنوات طوال من التنقل والترحال. وفي قرمان توُفّيت والدة جلال الدين الرومي مؤمنة خاتون، وتزوج هو بجوهر خاتون السمرقندية وأنجب ابنه سلطان ولد. وبناء على دعوة من السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد هاجرت أسرة جلال الدين الرومي مرة أخرى إلى قونية عاصمة دولة السلاجقة، ووصل إليها في الثالث من مايو/أيار 1228م لتبدأ مرحلة جديدة في حياة جلال الدين الرومي.

لم يمضِ وقت طويل حتى توُفّي بهاء الدين ولد. حينها فقد جلال الدين الرومي معلّمه ومرشده الأول، إلا أنه التقى حينها بشيخه ومرشده الذي لازمه لسنوات وساهم في تكوين شخصيته برهان الدين محقق ترمذي، أحد مريدي بهاء الدين ولد وأنبغ تلامذته. ويذكر بعض المصادر أن بهاء الدين ولد هو من أرسل إلى تلميذه برهان الدين ليحضر إلى قونية ويكون رفيقاً ومرشداً لولده من بعده. نهل الرومي من علم شيخه وأستاذه حتى أمره شيخه بالذهاب إلى الشام ليستزيد من العلم، فقضى الرومي سنوات أخرى من عمره بين مدارس حلب ودمشق يسمع من فقهائها وعلمائها ويصاحب كبار متصوفيها. ففي حلب التقى الرومي الشيخ كمال الدين بن العديم، وفي دمشق جلس إلى سعد الدين الحموي، كما أخذ عن محيي الدين بن عربي وصدر الدين القونوي.

عاد الرومي إلى قونية عالِماً كبيراً شهد له علماء عصره بالنبوغ والاطّلاع، ولقّبه تلاميذه "إمام الدين" و"عماد الشريعة". اشتغل بالفتوى والتدريس، إلا أنه ظل ملازماً لشيخه ومرشده برهان الدين محقق الترمذي، إلى أن رأى الأخير أن تلميذه وصل إلى مرحلة النضج والكمال وشعر أنه أدَّى رسالته وأوفى بعهده، فأراد أن يترك الرومي ويرحل إلى بلده قيصري ليقضى ما بقي من عمره في خلوة وانزواء، إلا أن الأمر لم يكن سهلاً على الإطلاق، ورفض الرومي أن يفارقه شيخه فقال له الترمذي: "يا ولدي، لا يمكن أن تكون شمسان في سماءٍ واحدة، فأنتَ أصبحت الآن مُرشداً كاملاً مُكمَّلاً، أنت تبقى هُنا، وأنا أعود إلى بلادي".

استمر الرومي في الانشغال بالفتوى والتدريس والإرشاد إلى أن حدث أمر كان هو نقطة التحول في حياته وشخصيته ورحلته المعنوية، إذ حدث اللقاء الذي يُطلق عليه الباحثون في حياة مولانا والطريقة المولوية اسم "مرج البحرين"، ألا وهو لقاؤه مع شمس الدين التبريزي.

وفاة الرومي.. شبِ عروس (يوم الوصال)

في عام 1273م في فصل الخريف وقع زلزال كبير في قونية وما حولها، واقتُلعت الأرض من مكانها، وقال مولانا:

"لا تخافوا، جاع بطن الأرض، ففي الأيام الأخيرة تريد لقمة أخيرة لعلّها تقضي حاجتها وتستريحون".وبعد أيام مرض الرومي مرضاً شديداً ألزمه الفراش، وفي السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول عام 1273م، سُلِّمَت الأمانة إلى صاحبها، وانتقل الرومي إلى الرفيق الأعلى. ويطلق أتباعه على تلك الليلة اسم "شبِ عروس"، وتعني "ليلة العرس"، وترمز إلى الوصال الأبدي ولقاء الحبيب حبيبه. وقد لخّص مولانا جلال الدين الرومي كل حياته ورحلته المعنوية ببضع كلمات قال فيها:

"ليس أكثر من ثلاثة أقوال، كل حياتي عبارة عن ثلاثة أقوال: كنت فجّاً، فنضجت، فاحترقت".

بقلم: عامر سليمان  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/7698 sec