رقم الخبر: 268997 تاريخ النشر: تشرين الثاني 24, 2019 الوقت: 11:14 الاقسام: ثقافة وفن  
الأدب الفارسي (الجزء الأول)

الأدب الفارسي (الجزء الأول)

الأدب الفارسي أحد أبرز الآداب العالمية القديمة، ومن أقربها إلى الأدب العربي، لاسيما بعد الإسلام. وفي فترة ما قبل الإسلام كان للفرس أدب مزدهر يواكب ما كان لديهم من حضارة ويعبر عنها، ونستطيع أن نتلمس هذا الأدب فيما بقي من تراث باللغة البهلوية (اللغة الفارسية السائدة قبل الإسلام) في محاوره التالية:

التاريخ (سير الملوك)

كان فن التاريخ أو سير الملوك من أبرز الفنون الأدبية لدى الفرس قبل الإسلام وبعده. والتاريخ عندهم لم يكن تاريخ الأمة أو نشاط الشعب بقدر ما كان تاريخ الملوك وإنجازاتهم وسيرهم. ومن أبرز ما تركه الفرس: كارنامه أردشير بابكان: سجل أعمال أردشير بابكان؛ خداي نامه: كتاب الملك وفيه سير الملوك، وقد ترجم عبدالله بن المقفع في صدر الدولة العباسية بعض هذه الكتب إلى العربية وكانت هي أصل حكايات الشاهنامه.

الشعر الفارسي القديم

ومن أبرز ما بقي منه: منظومة درخت آسوريك أو شجرة نسب الآشوريين، وهي النخلة، فيما ذهب إليه بعض الدارسين. والمنظومة حوار ومناظرة بين هذه النخلة وفائدتها والعنزة؛ يادكار زريران أو سيرة زريران، وهي أقدم المنظومات الحماسية الإيرانية، وموضوع هذه المنظومة هو الحرب بين كشتاسب وأرجاسب الطوراني دفاعًا عن الدين الزرادشتي؛ وجاماسب نامه: وهي منظومة تشتمل على تنبؤات جاماسب الحكيم وزير كشتاسب بالحوادث التي ستحدث في ختام الألف عام الأولى بعد زرادشت؛ وأناشيد (غاتها) وهي الأناشيد الدينية التي كانت جزءًا من الكتاب الديني للزرادشتية (الأفستا).

النثر

ترك الفرس القدماء آثارًا كثيرة تعبر عن عنايتهم بالنصيحة والرمز من خلال الحكايات والأساطير، نذكر من ذلك : كليلة ودمنة ذلك الكتاب الخاص بالنصيحة من خلال الرمز على ألسنة الحيوان والذي نقله إلى البهلوية من الهندية الطبيب الفيلسوف (بيدبا) وذلك في عهد كسرى أنوشروان؛ وهزار أفسانه: وهو الأصل الفارسي لألف ليلة وليلة ويدور حول المرأة والعناية بشرفها والدفاع عنها ضد الظلم؛ ونصائح بزرجمهر وكلمات أنوشروان العادل وهي نصائح في هيئة حكم وأمثال وحكايات قصيرة حيث اشتهر بزرجمهر وزير أنوشروان بالحكمة، وكذلك بعض النصائح التي أثرت عن أنوشروان الذي اشتهر بأنه الملك العادل.

الفترة الإسلامية

تبلورت اللغة الفارسية الحديثة بعد مرورها بمراحل تفاعل استمرت أكثر من قرنين منذ الفتح الإسلامي 21هـ حتى 250هـ وما وصل من شعر هذا العصر لا يعدو أن يكون محاولات للإنشاد بالفارسية في قالب العروض العربي. من ذلك أبيات منسوبة إلى شاعر الدولة الطاهرية حنظلة البادغيسي وشعراء الدولة الصفارية من أمثال محمد بن وصيف، وفيروز المشرقي، وأبو سليك الجرجاني.

وظهرت تجارب شعرية متكاملة باللغة الدرية التي اقترنت بظهور الدولة السامانية (350-450هـ) لدى شعراء من مثل أبو الحسن الشهيد البلخي، وأبي عبد الله جعفر بن محمد الرودكي، وأبو الحسن الكسائي.

ففي مجال الشعر حصل تطور في عهد السامانيين في القرنين الثالث والرابع الهجريين، حتى بلغ أرفع درجات نضجه في بساطة وتنوع وشمول. ومثله خير تمثيل الرودكي (أبو عبد الله جعفر بن محمد)، وكان شاعرًا مكفوف البصر لكنه كان مجيدًا أصيلاً وصف وكأنه يرى لا بقلبه فقط بل بعيون كثيرة مدققة. وكان شعره يؤثر في ملوك تلك الدولة وفي قراراتهم. وله ديوان بقيت منه آثار كثيرة في كتب عديدة. وينسب إليه أنه أول من اخترع فن الرباعي في الشعر. واشتهر من كتاب الرباعيات الشاعر الفارسي عمر الخيام، الذي وجدت رباعياته شهرة وانتشارًا، وترجمت إلى العربية وبعض اللغات الأخرى، ثم زيدت تلك الأشعار ونسبت إليه رباعيات ليست له يقينًا.

وفي عصر الدولة السامانية تطوّر الشعر كما تطوّر النثر، وبدأت الحركة الأدبية سنة ( 346هـ) بجمع ما يرتبط بتاريخ إيران من روايات وقصص وتدوينها في مجموعة واحدة بالفارسية سميت «الشاهنامه»، وهي مدوّن نثري بالفارسية الحديثة. ولم يلبث الشاعر أبو منصور الدقيقي الطوسي أن بدأ بنظم هذه الشاهنامه، وبعد مقتله تولى المهمّة الشاعر أبو القاسم الفردوسي فأتمّ نظمها خلال ثلاثين عاماً. وما وصل من نثر هذا العصر إضافة إلى «الشاهنامة» المنثورة، ترجمة «تفسير الطبري»، و«تاريخ البلعمي» لأبي علي البلعمي وزير منصور بن نوح الساماني، وكتاب «الأبنية عن حقائق الأدوية» لأبي منصور موفق الهروي، و«هداية المتعلمين في الطب» لأبي بكر البخاري، و«حدود العالم من المشرق إلى المغرب» لمؤلف مجهول.

انتقلت حاضرة الأدب الفارسي في عهد محمود الغزنوي من بخارى إلى غزنة ، فتوجهت همم الشعراء إلى استدرار صلات السلاطين الغزنويين، وكثر شعر المديح وتسجيل وقائع الانتصارات، ومن أكبر شعراء هذا العهد، الفرّخي السيستاني شاعر السلطان محمود الغزنوي، وأبو القاسم حسن بن أحمد العنصري الذي لقب بملك الشعراء، وكان من المقربين في بلاط الغزنويين، وإضافة إلى ديوان أشعاره نظم قصة «وامق والعذراء» من مصادر يونانية، وكذلك الشاعر أحمد بن قوص المنوجهري الدامغاني، وكان هذا الشاعر عالماً بالعربية والطب والفلك والموسيقى، وهو أول من أنشد في الشعر الفارسي على وزن «المسمّط». ويعد محمد بن عبد الملك المعزّي النيسابوري من كبار شعراء المديح في بلاط الغزنويين. وكانت مكتبة بخارى عاصمة السامانيين أروع المكتبات الإسلامية عبر التاريخ وخرجت العديد من العلماء والفلاسفة ونخص بالذكر منهم الشيخ الرئيس ابن سينا.

وفي الشعر أيضًا نظم أبو منصور الثعالبي شاهنامته (شاهنامه منصوري) وقد بقي منها حوالي (1000) بيت من الشعر كانت أساسًا لشاهنامة الفردوسي الطوسي التي نظمها بعد ذلك في 60 ألف بيت من الشعر تمثل ملحمة بطولية في العصر الغزنوي.

أما في التاريخ فقد بقيت لنا آثار قيمة لاتزال مصادر رئيسية للتاريخ الإسلامي منها تاريخ البلعمي، وكان وزيرًا في عهد الدولة السامانية، وهو ترجمة لتاريخ الطبري الذي ألّف بالعربية في عصر منصور بن نوح الساماني. وقد استمر العمل في هذه الترجمة المدققة والمختصرة حتى منتصف القرن الرابع الهجري. وتعد أول ترجمة من العربية إلى الفارسية الإسلامية. وقد ظل لسلاسة أسلوبه وجاذبية نثره موضع عناية واهتمام لأكثر من ألف عام. ولم يطبع سوى جزء منه في طهران عام 1341هـ ش، الموافق عام 1383هـ.

وفي التفسير قام البلعمي نفسه باستدعاء العلماء الثقاة من أنحاء البلاد للعكوف على ترجمة تفسير الطبري، وجاء تفسيرهم متقنًا أمينًا معبرًا عن مدى تطور الأدب الفارسي في هذه الفترة المبكرة. وتميز الأدب في هذه الفترة بالمباشرة في أداء المعاني دون غموض أو تعقيد؛ وببساطة الأسلوب وخلوه من الصنعة أو المحسنات؛ وبامتزاج الألفاظ الفارسية بالألفاظ العربية لقرب عودة الفارسية إلى الحياة بعد انزوائها وإن غلب على الشعراء والكتّاب تعمد التخلص من الألفاظ العربية؛ وتمحور الشعر حول الوصف والمدح والخمريات والصيد أكثر من بقية الأغراض.

وفي عصر اعتلاء الثقافة الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجريين راجت الأفكار والعقائد، وتعدّدت النحل، واتسعت المدارس وانتشرت المكتبات، وراج العرفان والتصوف. ومن شعراء العرفان في هذا العصر بابا طاهر عريان، وله رباعيات باللهجة المحلية اللّرية. ومن أعلام هذا العصر ناصر خسرو القبادياني الذي عاصر الحكم السلجوقي، وأخذ العلم والمعرفة من حكماء خراسان، وثار على الأوضاع القائمة، وسافر إلى مصر واعتنق المذهب الاسماعيلي وأصبح من دعاته في خراسان. أودع ثورته العاطفية في ديوان شعره كما دوّن أفكاره وعقائده في كتب هامة مدونة بالفارسية مثل : «خوان الأخوان» و«زاد المسافرين» و«جامع الحكمتين» وكتب رحلاته في «سفر نامه».

يتبع..

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: موقع المعرفة
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 19/5624 sec