رقم الخبر: 268459 تاريخ النشر: تشرين الثاني 18, 2019 الوقت: 15:25 الاقسام: ثقافة وفن  
العلامة محمد حسين الطباطبائي.. المفسر الفيلسوف والفقيه المحدِّث
ترك بصمات واضحة على الساحة العلمية والفكرية

العلامة محمد حسين الطباطبائي.. المفسر الفيلسوف والفقيه المحدِّث

الفقيه والعارف الايراني العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي هو من كبار علماء الشيعة الذي ترك بصمات واضحة على الساحة العلمية والفكرية في إيران وفي العالم الإسلامي.

وخطّ قلمه الكثير من المصنفات، ويقع في مقدمتها موسوعته التفسيرية الميزان في تفسير القرآن، فضلا عن الكتب الفلسفية كبداية الحكمة ونهاية الحكمة وكتابه المعروف أصول الفلسفة والمنهج الواقعي الذي تصدى الشهيد المطهري لشرحه والتعليق عليه. تخرج من حلقة دروس العلامة الطباطبائي الكثير من الأعلام كقائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي والشهيد علي المطهري والشيخ جوادي آملي والشيخ مصباح يزدي والشهيد بهشتي وغيرهم من التلاميذ الذين كان لهم الأثر الكبير في الساحة الفكرية والعلمية في العصر الراهن.

وقد لعبت مناظراته مع الفيلسوف الفرنسي والمتخصص بالشأن الشيعي هنري كاربن دوراً مهما في إيصال الفكر الشيعي وصورة التشيع إلى المجتمع الأوربي.

سيرته: العلامة محمد حسين الطباطبائي ، ولد (رحمه الله) يوم 29 من شهر ذي الحجة الحرام ، سنة 1321 هجري قمري (17 اذار/مارس 1904)، بمدينة تبريز، شمال غرب ايران. والده السيد محمد القاضي الطباطبائي (رحمه الله) نشأ في أسرة كريمة معروفة في يزد (ان لم نقل في المشرق الإسلامي) بالعلم والمعرفة وقد نشب منها علماء ومفكرون كبار. يصل نسب السيد العلامة (رحمه الله) من جهة أبيه إلى الإمام الحسن المجتبى(ع) ومن جهة أمه إلى الإمام الحسين(ع) ومن هنا فقد حظي بالانتساب إلى سيدي شباب أهل الجنة.

ولقد ترعرع العلامة محمد حسين الطباطبائي (رحمه الله) في عائلة علمائية، معروفة بالتقوى والورع والتزامها بالدين وخدمة المستضعفين، في جو مفعم بالإيمان تجري فيه ينابيع المحبة والود والتآلف والأنس، لم يمض من عمره (رحمه الله) خمس سنوات ،حينما توفيت أمه (رحمها الله)، وفي التاسعة من عمره الشريف انتقل والده (رحمه الله) الى رحمة ربه، عاش السيد الطباطبائي طفولة صعبة للغاية فقد مر بمشاكل وعقبات، في بداية مسيرته منعته من الذهاب إلى المدرسة، الى أن بلغ التاسعة من عمره الشريف .

دراسته:  ظل السيد (رحمه الله) بعيداً عن تعلم القراءة والكتابة، فترة من الزمن وفي سن التاسعة. بدأ العلامة (قدس سره) من سنة 1330 وحتى 1336 هـ إلى جانب أخيه بتعلم القرآن الکریم، ثم درس جملة من الكتب منها ،كتاب کلستان وبوستان سعدي، ونصاب الصبيان، وأخلاق ناصري، وأنوار سهيلي وتاريخ العجم، ومنشآت أمير نظام، وإرشاد الحساب عند الأديب البارع الشيخ محمد علي السرائي،كما أخذ فنون الخط على يد الأستاذ الميرزا علي نقي الخطاط.

انتقل العلامة (رحمه الله) الى المدرسة الطالبية في سنة 1337 هجري قمري «وبقي فيها مدة من الزمن تعلم خلالها علوم اللغة العربية ،كما درس العلوم العقلية وتعلم الفقه والأصول الى سنة 1344 هـجری قمری.

اقترنت هذه المدة التي طالت أربعة سنوات بشي‏ء من الكلل والملل والإعراض عن الدراسة وعدم الرغبة في تحصيلها، على حد تعبير السيد العلامة (قدس سره) حتى أنه عندما سقط في امتحان كتاب السيوطي، وقوبل بعتاب أستاذه، خرج من مدينة تبريز، مستاءا متألما، بيد أنه، ولعمل قام به، سرعان ما غمرته العناية الربانية، واشتعلت في نفسه رغبة قوية، لتحصيل العلوم الدينية، وشوق وتوق بالغ لإكتساب المعارف الإلهية، ومن حينها وحتى نهاية دراسته التي طالت زُهاء 18 سنة،لم يصبه شي‏ء من السأم ولم يشعر في نفسه عن الدراسة من الملل وتكبد التعب وتَحَمَّلَ النصب، وتَجَشَّمَ عناء التعلم وصبر على ذله، فكان يسهر الليالي في المراجعة والتحضير والمطالعة.

فأدى به هذا اللطف الإلهي أن يجتاز كل عقبة واجهته وكل عثرة مثلت أمامه، وكانت هذه الرعاية الربانية، تسايره وتواكبه طيلة حياته فكان يشعر دوماً بقوة غيبية تنجيه من كل مزلق وتكشف عنه كل مأزق وتهديه إلى حيث الغاية والمقصد.

الهجرة إلى النجف الأشرف : وفي سنة 1344 هـجري قمري ، اتجه صوب مدينة النجف الأشرف. ولكنه وعند وصوله لاقى، صعوبات ومتاعبٍ وآلام منها وفاة ابنه الأول السيد محمد، وتغيير البيئة وحرارة الجو والماء غير الصحي والغربة واختلاف اللغة، إلا أن عزمه الراسخ وإرادته القوية للاستمرار بالتعلم وتحصيل المعارف كانت تذلّل له الصعاب وتهوّن عليه الخطوب.

بعد أن لازم العلامة (رحمه الله)، العارف الكبير السيد علي القاضي (قدس الله سره) دخل في مرحلة جديدة من حياته العلمية. إذ كان في بداية دخوله إلى النجف الأشرف يعتبر نفسه غنياً عن العلوم العقلية ويتصور أنه لا يحتاج إلى دراسة الفلسفة حتى على يد صدر المتألهين نفسه فيما لو كان حياً ولكنه بعد أن دخل مجلس السيد القاضي (قدس سره) وقف على بعده عن العلوم الفلسفية والحكمية كل البعد وعلى كونه لم يفهم من الأسفار حتى كلمة واحدة.

المنهج التفسيري: لقد برع العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في التفسير وسلك فيه منهجاً خاصاً ، وعلى الرغم من أنّ أستاذيه السيد القاضي والسيد البادكوبي كان كلاهما من المفسرين، غير أن المستفاد من كلام العلامة نفسه هو اتباعه منهج السيد القاضي في تفسيره حيث يقول: علمنا أستاذنا السيد القاضي (قدس سره) هذا المنهج وهو تفسير الآية بالآية ونحن نتبع منهجه في التفسير.

العودة إلى تبريز : واحدة من المشاكل التي كان دوماً ما يعاني منها ، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (رحمه الله) طيلة مكوثه في النجف الأشرف هي تأمين حياته اليومية التي اضطرته للعودة إلى مسقط رأسه (تبريز) مع أخيه في سنة 1354 هـجري قمري .

قضى العلامة الطباطبائي (قدس الله نفسه الزكية) في تبريز معظم وقته الذي طال كالنجف الأشرف عشرة أعوام في الزراعة. ولذا كان يعتبرها فترة خسران في حياته لأنها حالت بينه وبين الدراسة والتدريس والإنتاج العلمي. وهذا الأمر إنما ينبئ عن سمو نفسه وعلو همته إذ أنه وفق في هذه الفترة لتدوين العديد من الرسائل الفلسفية العميقة إلا أن هذا المقدار لم يعد يروي ظمأه ويسد غليله فكان يبحث عن مكان كحوزة قم المقدسة ،ليؤلف فيها تفسيراً قيماً كالميزان ،ويربي أعلاماً وجهابذة أمثال الأستاذ الشهيد مطهري.

حياته العلمية في قم المقدسة: بعد أن استتبت له الأمور المعاشية ، استخار الله بكتابه العزيز للهجرة إلى قم المقدسة ،فبشر بهذه الآية «هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقباً» (الكهف / 44) وعلى أثرها وفي سنة 1366 هـجري قمري  ترك مدينة تبريز قاصداً بلدة قم المقدسة .

بعد أن دخل العلامة (قدس سره) قم المقدسة ، تفجرت في نفوس الكثير من النخب الدينية ،التي أصيبت لجهات عديدة بخيبة أمل، بروح النشاط والحياة العلمية من جديد، وأخذوا يطوفون حول هذا العطاء الإلهي وينهلون من نمير علمه، وهو الذي كان مثالاً في الإخلاص، وقف نفسه لتربيتهم وخلّف تلامذة أصبحوا من بعده هداة يهتدى بهم وقادة يقتدى بهديهم.

بدأ العلامة من حين دخوله إلى قم بتدريس الفقه والأصول، إلا أن شعوره بالمسؤولية، سرعان ما ساقه إلى اتجاه آخر. يقول العلامة (رحمه الله) حول ترك تدريسه الفقه والأصول: يوجد في الحوزة العلمية بقم المقدسة ولله الحمد أشخاص يدرّسون الفقه والأصول ولكن لا يوجد فيها من أساتذة الفلسفة والتفسير إلا القليل، واليوم حوزة قم العلمية والمجتمع الإسلامي بأمس الحاجة إلى التفسير والفلسفة واشتغالي بهذه العلوم أنفع للإسلام .

من هذا المنطلق ، بدأ في بيته أولاً ثم في مسجد سلماسي بتدريس الأسفار.

أثار هذا الأمر من جانب، الروح والنشاط العلمي في نفوس الطلاب، ومن جانب آخر ردود فعل المخالفين للعلوم الفلسفية وبدأ العمل على تعطيل درسه، إلا أن إخلاص العلامة (قدس سره) وجده واجتهاده والأساليب التي اتبعها آية الله السيد البروجردي (قدس الله نفسه) والإمام الخميني (رضي الله عنه وأرضاه) حالت دون تعطيل هذا الدرس وأجهضت خطة المعاندين .

صرف السيد العلامة (قدس الله نفسه الزكية) طيلة هذه المدة التي استغرقت 35 عاماً ،كل وقته في التدريس والتحقيق في هذين المجالين ونشر المعارف الإسلامية وخلف آثاراً قيمة يستفيد منها العام والخاص.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ ارنا
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/9274 sec