رقم الخبر: 268134 تاريخ النشر: تشرين الثاني 13, 2019 الوقت: 15:53 الاقسام: ثقافة وفن  
ميلاد النور الأعظم محمد (ص).. إنبثاق وجود جديد في تاريخ الأمم والأديان
ونهنىء العالم الاسلامي بميلاد الامام جعفر الصادق(ع)

ميلاد النور الأعظم محمد (ص).. إنبثاق وجود جديد في تاريخ الأمم والأديان

تحتفل الأمة الإسلامية بمولد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)... وفي مظاهر السرور والبهجة ولد الامام ابو عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) بالمدينة المنورة يوم17 من شهر ربيع الأول عام 80 هـ (3)، وهو السادس من أئمة أهل البيت (عليه السلام)، ودامت فترة إمامته ثلاث وأربعون سنة، وقد نسب إليه الشيعة الاثنى عشرية، فيقال لهم ايضا (الجعفرية).

والإنسان يمتلك القدرة على إنشاء الرموز وتعزيز الاعتناء بها لغرض إدامتها في التعبير عن شبكة المعاني التي تجعل العالم من حوله يبدو ذي دلالة بالنسبة إليه، ولعل الرمز الديني هو الأكثر قدرة وقوة على كسب الدلالة للعالم وتوظيفها في الحياة.

وهنا نؤكد جذر الاحتفال/العيد في الممارسة الدينية التاريخية، فالمعنى الذي أضفاه الدين على الحياة والعالم وتجديد الثقة بهذا المعنى هو الذي يدعو الإنسان إلى الاحتفال/العيد، الذي يسعى في وظيفته كاحتفال–اجتماع موسمي إلى إدامة التعبير عن شبكة هذه المعاني المنغرسة دينيا وثقافيا في حياة الإنسان.

وتتداخل تلك المعاني في تكوين ورسم تصورات الفرد والمجتمع وتتسرب الى السلوك الاجتماعي الخاص والعام وتداخلها الأكثر وفرة هو إنتاج الهوية التي يكون الرمز واحدا من أهم مصادر الشحن لها والديمومة لها في ذات الفرد عبر الاحتفاء بها ذاتيا والاحتفال بها اجتماعيا، فالاحتفاء يتقدم على مستوى الوجود على الاحتفال فهو واحد من نتاج الاحتفاء، فالاحتفاء لغة هو المبالغة في التكريم.

عن الأصمعي نقلا عن الأزهري في تهذيب اللغة، والاحتفال لغة هو الاجتماع وعن الزمخشري في أساس البلاغة احتفلوا: اجتمعوا.. واحتفل: تزين ولبس ثياب الزينة، وعليه فالتكريم عنصر ذاتي والاحتفال حدث اجتماعي، ويكون مجال الاحتفاء هو الذاكرة وميدان الاحتفال هو الذكرى الموسمية التي لا تكف الذاكرة الاجتماعية عن استحضارها وإدامة الزخم في الانتماء لها، ثم انه احتفال يسعى إلى توكيد الانتماء في المجتمع في جذر تكونه واصله الأول في انبثاقه الوجودي وتكونه التاريخي، والاحتفال بهذا التوكيد الاجتماعي في الانتماء أيضا يسعى إلى شحن المعنى المحتفى به في الذاكرة بشحنة الديمومة والبقاء وإدامة الوعي الجمعي بهذا الانتماء الذي يتكفل باستحضار الدلالة وتواشج المعنى في الحياة والعالم الذي إجترحته وأسست له تلك الذكرى، وهي الوظيفة التي اشتغلت عليها اسلاميا–تاريخيا ذكرى المولد النبوي الكريم وهو ما كفل له التحول إلى طقس إسلامي خاص فالاحتفال طقس والطقس انثروبولوجيا هو العبور.

المولد النبوي وإشعارات البشارات

إذا كان الطقس يتمثل معنى العبور في الاحتفال في المولد النبوي، فان العبور هنا يسعى نحو تمثل الهوية الدينية التي تشكلت بداياتها في أوليات انبثاق المولد النبوي، وهنا يلعب التوق إلى البدايات دوره البديهي في الاستعادة الدائمة لذكرى هذه الانبثاقة–المولد من اجل تكرار إشعارات البشارات، فالانبثاق فعل وجودي تحول إليه في الذاكرة الإسلامية مفهوميا–المولد النبوي وآلياته في تكرار الإشعارات بالبشارات من خلال نقل ما أكدته صور الكرامات والأحداث الخارقة المحفورة في الذاكرة الإسلامية، والتي ترافقت مع الولادة المقدسة للنبي وهي تشغل وظيفة البشارات الكونية – الإلهية لإنبثاقات وجود جديد وغير معهود أو غير متكرر في تاريخ الأمم والأديان، وذلك ما تفسره المرويات الإسلامية في الحوادث المتعلقة أو المركبة في الذاكرة الإسلامية مع الولادة المقدسة.

فسقوط أيوانات قصور كسرى وانطفاء نار المجوس وهي لم تنطفئ منذ إن جمرت، ورؤيا الموبذان في عبور إبلا صعابا تقودها خيلا عرابا وهي تعبر دجلة وكأنها تؤذن بالعبور إلى عالم جديد حتى تتوكد دلالة الطقس–المولد النبوي إسلاميا، وفيها يتحول المولد المقدس إلى انبثاقة عالم جديد، لاسيما إذا أدركنا القوة المعرفية واليقينية في ذلك العالم القديم في تفسير إشارات الغيب وتعبيرات الرؤى والأحلام والزجر، ومن يمتلك مفاتيح المعرفة بها فهو العالِم في ذلك العالم القديم، وكانت التفسيرات العالمة وفق مفاتيح المعرفة السائدة والحاكمة لها تتنبأ أو تكشف عن إمكانية العبور الى عالم جديد أو بالأحرى تؤكد هذا العبور.

وتبقى الدلالة الأهم والمعبرة عن المعنى في كل ذلك التصور الإسلامي حول الولادة المقدسة هي دلالة النور الذي جاء يتميز عن كل البشارات الاخرى بان حاملته صاحبة الحدث الأكبر وأم النبي محمد(ص) آمنة بنت وهب، فكل إشارات الغيب التي انعقدت مع ولادته كانت خارجية وغير مسيسة الصلة مباشرة ببيئة النبي محمد(ص) ما خلا سقوط الأصنام على وجوهها في الكعبة.

أسست لدلالة النور في مظهر النبوة

لكن النور كان على صلة مباشرة وحميمة بالنبي محمد(ص) فقد اختصت برؤية هذا النور دون سواها آمنة بنت وهب فقد حكت هي وحكي عنها النبي محمد(ص) في الرواية الإسلامية أنها رأت نورا يخرج منها ويكشف لها عن قصور بصرى في الشام، واختلفت الرواية الإسلامية فيها هل هي رؤيا بصيرة في المنام أم رؤية بصر في الحقيقة، ولكنها بكل حال أسست لدلالة النور في مظهر النبوة أو في معنى النور كأحد أهم البشارات الذي انبثقت عنه أنوار الهداية في التأسيس الديني الإسلامي لها باعتباره – النور/الهداية يشكل مركز شبكة المعاني التي أضفاها الإسلام على العالم والحياة ووجدت تجسيدها الرمزي في الولادة المقدسة للنبي محمد(ص).

فإضفاء المعنى هو في حقيقته تأسيس جديد لعالم جديد بعد إن يتجهز المعنى الجديد في الوعي الذي يمتزج به ويتكون على أسسه ويشكل إنبثاقة جديدة للفعل الإنساني، وفي حالته الإسلامية او إسلاميا أنتج حضارة وثقافة وتاريخا واجتماعا بشريا بل تطور إلى كتلة تاريخية وحضارية شكلت جزء مهما من العالم الان بعد أن كانت تشكل جزأه الأكبر، وحينها دخلت مركز العالم تاريخيا ولازالت تدافع عن مركزها الذي تعرض إلى اختلال على اثر صعود المركزية الأوروبية.

لكن الثقة التي تمنحها لها تلك الدلالة المقترنة بالمولد النبوي والتي تحملها البشارات المرافقة لهذا المولد، والتي ما تفتأ تستحضرها تلك الاحتفالات بالولادة المقدسة هي التي تؤكد قدرتها بالنسبة للذات الإسلامية على حقها في الدفاع عن مركزيتها التي تعدها وعدا إلهيا وهبة ممنوحة لها على أثر إشعارات البشارات التي رافقت حادثة الولادة المقدسة أو هكذا تعي الذاكرة الإسلامية خلاصة هذه البشارات أو بالأحرى إشعارات البشارات لها.

کما نحتفل في هذا التأريخ ايضا، بذکری ميلاد الامام الصادق عليه السلام...حيث ولد في المدينة المنورة في السابع عشر من شهر ربيع الاول سنة ثلاث وثمانين من الهجرة.

وترعرع الإمام جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، في ظلال جده الامام السجاد عليه السلام وابيه الامام الباقر عليه السلام وعنهم أخذ علوم الشريعة ومعارف الاسلام.

وهکذا فان الصادق عليه السلام يشکل مع آبائه الطاهرين حلقات متواصلة مترابطة متفاعلة، حتی تتصل برسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، فهي تشکل مدرسة وتجربة حية يتجسد فيه الاسلام الاصيل وتطبق فيها احکامه وتحفظ مبادؤه.  

فان الائمة من اهل البيت عليهم السلام ورثوا العلم ابنا عن أب حتی ينتهوا الی علي بن ابي طالب عليه السلام الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه: (انا مدينة العلم وعلي بابها). وهو بذلك ينتهي الی رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو الوارث لعلومه ومعارفه.

من هنا کان الامام الصادق (ع) يحمل الاسلام بنقائه وصفائه کما نزل علی رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولذا قصده العلماء من کل مکان يبغون علمه ويرجون فضله حتی جاوز عدد تلاميذه آلالاف الذين نقلوا العلم الی مختلف الديار، فکان الصادق بحق محيي السنة المحمدية ومجدد علوم الشريعة الالهية.

کانت شخصية الامام العظيمة بما تجسد فيها من هدي الاسلام وبما حملت من نور تجذب الناس اليه وکان بما حمل من علم وفهم وخلق واخلاص لله تعالی يذکرهم بسيرة الرسول الاکرم (صلى الله عليه وآله) والسابقين من اهل بيته عليهم السلام. 

ولم يحتل احد المکانة المرموقة والمقام السامي في عصر الامام جعفر بن محمد عليه السلام کالمکانة التي احتلها هو. فعامة المسلمين وجمهورهم کانوا يرون جعفر بن محمد (عليه السلام) سليل بيت النبوة وعميد اهل البيت ورمز المعارضة للظلم والطغيان الاموي والعباسي وحبه والولاء له فرض علی کل مسلم مصداقا لقوله تعالی:

فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد بالعلم والعمل ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0640 sec