رقم الخبر: 268036 تاريخ النشر: تشرين الثاني 12, 2019 الوقت: 16:16 الاقسام: ثقافة وفن  
الوحـدة‌ الاسلامية.. واقع وضرورة
أساس الإصلاح في الحياة

الوحـدة‌ الاسلامية.. واقع وضرورة

التفرق يوزع‌ القوى‌، فـشخص‌ يـبني وشـخص يهدم، وشخص يهاجم وآخر يدافع، أما الوحدة فتجمع القوى، وتوجد التعاون بين الأفراد‌ لبلوغ الغـايات وتسنّم أرفع الدرجات، والتفرق إمارة من إمارات عدم النضوج، فإن العقل‌ الناضج يـلازمه عادة حب‌ الإنصاف‌، حـتى إذا طـرح شيئا للبحث وكانت هناك عقول ناضجة واتجاه للحق لا تصده الأهواء.

لا يلبث الحق أن يظهر مشرقا أبيض الوجه، ولا يلبث الخلاف أن يزول. وبنظرة ذات موضوعية نرى‌ أن الإسلام قد عمل على الوحدة، وذلك من خلال التأمل فـي جميع مظاهره وتكاليفه حيث نجده يرمي إلى الوحدة، ذلك لأن الوحدة أساس الإصلاح في الحياة الدنيا، وأساس العزة والسلطان.

مفهوم الوحدة من خلال الكتاب والسنة:

من الأمور المسلمة لدى جميع المذاهب الإسـلامية، ان الكـتاب والسنة يعتبران مصدرين أساسيين للأحكام والتشريع الإلهي، وبناء على ذلك فإننا سوف نبرز الآيات‌ القرآنية‌ الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تشير الى الوحدة والإتحاد بين أفراد الأمة. فقد رسم لنا الإسلام العـظيم نـمطا من العلاقة بين المؤمنين يفوق أي لون من ألوان المنفعة الدنيوية‌ والمصلحة‌ الخاصة ويجعلها للّه سبحانه وتعالى فقط.

وبذلك فهو يحفر مجري من التفكير الإيجابي عند الإنسان المسلم بحيث يجعله منشدا الى الآخرين. بـشكل أو بـآخر... ومن دون حض أو دفع‌ لأن‌ يمارس‌ التقارب مع الآخرين. وأنماط العلاقة‌ التي‌ رسمها‌ سبحانه بين أفراد الأمة الإسلامية هي:

أولا: التسامي: القرآن الكريم يصور هذه العلاقة بقوله: (والذين جاءوا من بـعدهم يـقولون ربـنا اغفر‌ لنا‌ ولا‌ خواننا الذين سـبقونا بـالإيمان ولا تـجعل في قلوبنا‌ غلا‌ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).

ويقول النبي(ص): «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: اخلال العمل للّه، ومناصحة ذوي‌ الأمر‌، ولزوم‌ جـماعة المـؤمنين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم». وقيل أن معنى‌ قـوله:-لا يـغل عليهم قلب مؤمن-أي لا يكون معها في قلبه غش ودغل ونفاق...فإنه يجعل ذلك‌ من‌ الضغن‌ والشحناء أي لا يدخله حقد يـزيله عـن الحـق.

وللغل في نفس‌ الإنسان‌ دافعان أساسيان هما:

أ-نتيجة لحالة الإهـتزاز الداخلي لنفسية الإنسان جراء إصابتها بمرض معين مما يجعلها تقلب‌ مقاييس‌ البصيرة‌ فتجعله يفقد قدرة الرؤية الواضحة السـليمة لأفـراد المـجتمع وخاصة من يتقدم عليه‌ في‌ المستوى‌ ويفوقه في شيء كالحسد..ودافـعه فـي ذلك سوء الظن.

وهذا النوع من السلوك ليس‌ إسلاميا‌ لا‌ في المنطلقات ولا يفي النتائج.. وليس مقبولا عند الأمـة وصـاحبها أسـاسا يعرف في المجتمع‌ بأنه‌ مريض بحاجة الى علاج، يقول عنهم تعالى: (في قـلوبهم مـرض فـزادهم اللّه مرضا) وفي موضع آخر: (لهم‌ قلوب‌ لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها).

ب- وقد‌ يـكون‌ الدافـع نـتيجة للتفاعل العملي في داخل المجتمع وما يفرزه الأخذ والعطاء من سلبيات‌ ناتجة‌ من‌ بـعض التـصرفات الفاقدة للحكمة والنية السليمة والتي تقابلها ردة فعل لتلك التصرفات.

وهذه الحالة هي‌ الأخـرى غـير مـسموح بها لأنها تنمو وتعشعش في نفسية الإنسان المسلم كفرد عادي‌ أو‌ جماعة‌ وقيادة.. لأن تركيبة البـنية الفـكرية لشخصية الإنسان المسلم تركيبة تغييرية وطبيعة المغير طبيعة إيجابية في‌ تعاملها‌ مع‌ الأحـداث.. وإلا سـتعجز عـن أداء أية مهمة بسيطة أم كبيرة يقول سبحانه‌ وتعالى‌: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عـداوة كـأنه ولي حميم).

ثانيا: الرحمة: وبديهي فإن من يتجنب أن يـضع فـي‌ قلبه‌ شيئا على أخيه المؤمن فإنه لا‌ يـجد حـرجا فـي أن‌ يفتح‌ قلبه للآخرين ويبرز هذا الحـب‌ لأخـيه‌ المؤمن.كمثل قوله سبحانه وتعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين).

وحـب‌ الآخرين والتودد اليهم وقضاء‌ حوائجهم‌ لا تـعرف له حـدود الزمان والمكان والإنتماء العائلي والقبلي.. وكذلك تتجاوز الأطر السياسية والإرتباط‌ بالهياكل‌ ذات الأطـر المـحورية في داخل المجتمع ‌ تطفر‌ على الوسـائل‌ البشرية‌ لتحقق‌ الأهداف الربـانية فـي جعل‌ الكل تحت مظلة التـعامل الربـاني في أن الناس أمة واحدة.

كذلك‌ ليس‌ فـي‌ الإسـلام مـعاملة لأبناء‌ تجمعك‌ ومـحورك تـفضلهم بها على الآخرين. فـالكل عـباد اللّه والكل مؤمنون تنطبق عليهم المواصفات الإيمانية التي يجب‌ أن‌ ينظر‌ اليهم بها نظرة واحـدة.

صـحيح هناك ميل‌ عند‌ الإنسان‌ لبعض‌ أتـرابه‌ ويـفضلهم‌ على ضـوء هـذا الحـب القلبي... والكلام هنا ليـس داخل في الميل القلبي لأن ذلك ليس مما يحاسب عليه ولكن ترتيب الأثر العملي في داخل المـجتمع..هـذا ماتقف‌ أمامه الشريعة..لأن الناس سواسية فـي التـعامل وفـي الحـقوق والواجـبات.

ثالثا: الإصلاح: ولمـا كـان الإيمان هو الجامع المشترك بين أفراد الأمة وهو الذي يخلق بينهم حالة الأخوة لذلك يدعو سبحانه‌ للإصلاح‌ بـينهم وتـفويت الفـرصة على المتربصين بالأمة فيقول سبحانه: (المؤمنون أخـوة فـأصلحوا بـين أخـويكم). ونـجد القـرآن الكريم يجعل الإصلاح من النفحات الربانية المقرونة بالتقوى. وفي أخرى يجعلها من الأعمال التي يؤجر عليها سبحانه: «لاخير في كثر مـن نجواكم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو‌ إصلاح‌ بين الناس ومن يفعل ذلك‌ ابتغاء‌ مرضات اللّه فسوف نؤتيه أجرا عظيما» وقد تأخذ حالة الإختلاف الى حد تجميع القوى وشحذ الأسلحة والقتال حتى في هـذه الحـالة لا بد‌ من‌ إصلاح ما وقع من‌ اختلاف‌ وتسوية الأمر بينهم بشكل لا يكون على حساب القيم والمقدسات، وإلا ففي هذه الحالة فإن الصلح سيكون نكسة على الأمة وتعميق الإنشقاق الداخلي بـينهم: (وإن طـائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا‌ بينهما‌ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ الى أمر اللّه فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن اللّه يـحب المـقسطين) ونجد النبي(ص) يكرس هذا المـفهوم فـي‌ أحاديثه‌ وسلوكه بشكل‌ يشكل لنا نبراسا في القيام بهذه المهمة العظيمة من أجل تسوية مسيرة المجتمع نحو اللّه تعالى.

الوحدة‌ واقع‌ وضـرورة:

 ‌إن المـراد من الوحدة هو أن يصبح المسلمون يدا واحدة على من سواهم من الأعداء لا جـهاض أهـدافهم الخـبيثة، ومن تعريف للعلامة الشهيد الأستاذ مرتضى المطهري مفهوم الإتحاد والوحدة‌ نورده‌ هنا لبيان معنى الوحـدة بشكل واضح وجلي حيث يقول: «من البديهي أن مراد العلماء المفكرين المسلمين من الوحـدة الإسلامية هو ليس صـهر المـذاهب المتعددة في مذهب واحدة أو الأخذ‌ بنقاط‌ التقاء المذاهب المختلفة وترك نقاط اختلافها، حيث أن ذلك ليس معقولا ولا منطقيا ولا مطلوبا وهو بالأساس غير عملي، وإنما مرادهم يكمن بضم المسلمين في صف واحد لمواجهة عـدوهم‌ المشترك‌».

فمن‌ البديهي القول أن العدو المشترك‌ للمسلمين‌ كافة‌ هو ذلك الإستكبار الذي يقوم بدور استراتيجي في تحطيم وحدة الأمة ومؤسساتها الإجتماعية من تجمعات وقوى وذلك بالعمل على تحريك أصابعه‌ وطابوره‌ الخامس‌ على خلق جـو سـلبي بين هذه القوى ومحاولة‌ تكبير‌ هذه السلبيات بشكل تتراءى معه استحالة التقارب من طرف تجاه الطرف الآخر... وكذلك يعمل على زرع شياطينه في داخل‌ هذه‌ القوى‌ لتقوم بدورها في تفشيل أي عـمل إيـجابي يهدف منه التقارب والتلاحم حتى لو أدى ذلك الى القتل والدمار والتخريب حتى بنفس العمل نفسه.و بطريق ثالث هو استغلال الحالة‌ السلبية‌ القائمة‌ بين المحاور ومحاولة استعمالها كأداة لنشر الشائعات المريضة ونقل الأخـبار مـن‌ طرف‌ لآخر بشكل مرتب وذكي خاصة إن هذا الوسط قابل لأن يجير نفسه للعمل السلبي من دون‌ النظر‌ الى‌ الوراء لمعرفة من يقف وراء هذا العمل ولمصلحة من والى أين يسير‌..ما‌ دام‌ يـرضي طـموحه الشـخصي ويحقق غضبه على الكل..؟ ومـن هـذا المـنظور نجد أن مشروع الوحدة‌ الإسلامية‌ اليوم‌ يزداد أهمية أكثر من ذي قبل وبخاصة أن الإستكبار وأتباعه من الطواغيت ينظرون الى‌ الأمة‌ الإسلامية باعتبارها أمـة واحـدة تـهدد مصالحهم ومخططاتهم وذلك من خلال:

أ-وحدة المبدأ التي‌ تـعتنقه‌: وهـو‌ الإسلام حيث يمثل ضمير وحدتها وعمق إيمانها.. وكل القشور تتساقط ليظهر لبه.. وكل الخلافات‌ الجانبية‌ هي الأخرى لا تمثل الحـقيقة التـي تـتمحور حولها الأمة وستزول ليظهر الإسلام وحده‌ من‌ دون‌ تعقيبات.. وتـعود الأمة في مواجهة الطواغيت.. والذي لا يقوم بهذه المهمة ليس من الإسلام بشيء.

ب-وحدة‌ المصالح والمصير: مادامت الأمة معتنقة لمـبدئها فـتحكمها وحـدة المصالح في شتى المستويات‌ وإذا‌ ما‌ تنازلت عنه فسيقترب منها الطواغيث حـيث انـسلاخها يمثل لهم منفعة. وما نراه اليوم من تودد‌ الدول‌ الكبرى‌ من بعض الدول الإسلامية ومحاولة دفعها الى الأمام اقـتصاديا وسـياسيا وعـسكريا أمام‌ الدول‌ الأخرى، ما هو إلا مكر منه لاظهار القدرة أمام الآخرين،كما فـعلوا بـشاه إيـران جعلوه أكبر‌ قوة‌ عسكرية في المنطقة لابتعاده عن الإسلام وقيامه بحماية مصالحهم، ولكن بـعد الثـورة‌ الإسـلامية‌ المباركة، نشاهد كيف قاموا بالوقوف أمامها وذلك‌ بمحاولة‌ الإطباق‌ عليها وإغلاق كافة المنافذ ومـحاصرتها.. فـالأمة ذات‌ مصلحة‌ واحة في التقدم، ولا يمكن أن تنفك الواحدة عن الأخرى ومصيرها في مـواجهة‌ الطـواغيت‌ وان اخـتلفت ألوانه وأشكاله أو‌ تأخرت‌ في بعض‌ البلدان‌ وسبقتها‌ أخرى فالمسألة وقتئذ ليست أكثر من‌ زمـن‌. فـلذلك فإن الأمة الإسلامية يحكمها مبدأ واحد وتلفها مصالح حياتية واحدة وينتظرها‌ مصير‌ واحـدة أمـام المـستكبرين.

بقلم: الأستاذ حسن عبد اللّه  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/6423 sec