رقم الخبر: 265681 تاريخ النشر: تشرين الأول 08, 2019 الوقت: 11:50 الاقسام: مقالات و آراء  
تغریدة تطیح بخطة نتنیاهو

تغریدة تطیح بخطة نتنیاهو

ینبع الاهتمام السیاسي والاعلامي، بمستجدات الحراک الداخلي الإسرائیلي من مفهومین أساسیین: الأول أن الکیان الإسرائیلي هو جزء من المعادلة الاقلیمیة، ومن المعادلة المحلیة للعدید من الدول المحیطة بفلسطین المحتلة. والثاني، أن الحراک الداخلي في کیان العدو یشکل عاملاً أساسیاً في انتاج القیادة السیاسیة التي تصنع القرار السیاسي والأمني، وعاملاً محدِّداً له موقعه إلى جانب عوامل أخرى، في بلورة السیاسات الاقلیمیة.

یصح القول أن متابعة ومحاولة فهم التجاذبات التي یشهدها کیان العدو في تشکیل حکومته، والمسارات التي قد یسلکها، وصولاً إلى تحدید مصیر نتنیاهو السیاسي والقضائي، لیس ترفاً اعلامیاً، ولکنه أیضاً لیس قضیة مفصلیة ستتحدد في ضوئها مسارات المنطقة، کما قد یتوهم البعض. فکیان العدو أحد أطراف المشهد الاقلیمي یؤثر ویتأثر فيه، ولا یعني ذلک بالضرورة أن کل تطور داخلي له انعکاساته ومفاعیله الخارجیة. فيما یتعلق بمستجدات الوضع الداخلي، فشل نتنیاهو حتى الآن في اقناع کتلة «ازرق ابیض» برئاسة بني غانتس بالموافقة على المشارکة في حکومة وحدة برئاسته وفق صیغة قدمها رئیس الدولة، رؤوبین ریفلین، یتم بموجبها نقل صلاحیات رئیس الحکومة إلى نائبه غانتس لدى صدور لائحة اتهام بحقه، على أن یبقى نتنیاهو في منصبه لکن من دون ممارسة صلاحیاته. وهو بذلک، یضمن أمرین، الأول أن نتنیاهو یبقى محصناً في موقعه لمواجهة التحدي القضائي من موقعه کرئیس للحکومة، وفي الوقت نفسه یتم الحد من دوره في صناعة القرار السیاسي والامني، ما دام متهماً.

یبدو أن من العوامل الأساسیة التي ساهمت في رفض کتلة أزرق ابیض، هذا العرض، رهانها على أن استمرار الضغط على نتنیاهو وفشله في تشکیل الحکومة قد یؤدی إلى حصول تمرد داخل اللیکود ضده ویؤدي إلى الاطاحة به. خاصة وأن الذهاب نحو انتخابات مبکرة للمرة الثالثة خلال أقل من سنة، سیکون مرفوضاً من قبل أغلب الجمهور الإسرائیلي. أضف إلى أن المسار القضائي لنتنیاهو قد انطلق في ضوء الاستماع الذي یدلي به محامو نتنیاهو أمام المستشار القضائي للحکومة، الذي یفترض أن یصدر قراره النهائي بخصوص لائحة الاتهام خلال الاسابیع المقبلة. وفي هذه الحالة، لیس من مصلحة اللیکود ونتنیاهو التوجه إلى انتخابات مبکرة في الوقت الذي تم فيه توجیه لائحة اتهام رسمیة بحق نتنیاهو.

انطلاقاً من هذه الرؤیة کان تصلب أزرق أبیض في موقفه، وعلى ما یبدو یقترن هذا التصلب بالقلق من أن یدفع ذلک رئیس «إسرائیل» بیتنا افيغدور لیبرمان إلى تغییر ما في موقفه بحیث یوفر لنتنیاهو الأغلبیة المطلوبة لتشکیل الحکومة. وفي هذه الحالة تسقط کل الرهانات والخیارات. لکن هذا السیناریو لم یتحقق حتى الان، إلا أنه لیس مستحیلاً، وإن حصل فلن یکون مفاجئاً، خاصة وأن لیبرمان في الوقت الذي یصر على تشکیل حکومة وحدة یشارک فيها کتلة أزرق ابیض، ویدعو إلى اقصاء الحریدیم وفرض التجنید علیهم في الجیش، یؤکد أیضاً على عدم وجود ما یفرض على رئیس الحکومة الاستقالة حتى لو صدر بحقه لائحة اتهام، أضف إلى أنه یتشدد في موقفه من منع اجراء انتخابات ثالثة، وهو ما قد یشکل مبرراً في مرحلة لاحقة لتبریر الانقلاب على شعاراته التي خاض في ظلها الانتخابات.

 في هذه المرحلة من الضغوط والرهانات المتبادلة، بادر نتنیاهو إلى خطوة اجراء انتخابات تمهیدیة خاطفة في اللیکود من أجل اعادة انتخابه، وهدف من وراء ذلک إلى اسقاط الرهان لدى ازرق ابیض، على أن استمرار الضغط قد یؤدي إلى الاطاحة بنتنیاهو من رئاسة اللیکود. وهو ما لفت الیه نتنیاهو بنفسه، عندما قال أن «ازرق ابیض، یبنون على انقلاب (في اللیکود) وینبغی انزال ذلک عن الاجندة». ویبدو أن نتنیاهو راهن على أن تؤدي هذه الانتخابات الداخلیة إلى تلیین موقفهم والقبول بالدخول في حکومة وحدة برئاسته.

لکن الذي حصل أنه في أعقاب الاعلان عن هذا السیناریو، بادر أهم منافس لنتنیاهو داخل حزب اللیکود، غدعون ساعر، إلى الاعلان عبر تغریدة في التویتر «انا مستعد»، في اشارة إلى استعداده لخوض المنافسة بوجه نتنیاهو على رئاسة اللیکود. واللافت أن أحداً غیره من الطامحین للمنصب نفسه، لم ینطق بأی کلمة. هذا وکان نتنیاهو قد حاول العام الماضي، الدفع بمشروع قانون عُرف إعلامیاً باسم «قانون غدعون ساعر»، وتم سنّه في الکنیست بالقراءة الأولى، وینصّ على أن یُکلف رئیس القائمة فقط برئاسة الحکومة، خشیة من «مؤامرة» نشرتها صحیفة «یسرائیل هیوم» المقرّبة من نتنیاهو، في حینه، جاء فيها أنّ الرئیس الإسرائیلی، رؤوفين ریفلین، یسعى إلى تکلیف ساعر بتشکیل الحکومة حتى لو فاز نتنیاهو. والواقع أن القانون الموجود الان، ینص على أن رئیس الدولة یختار عضو کنیست، ولا یشترط أن یکون المرشح لتشکیل الحکومة رئیسا للکتلة أو رئیسا للحزب. وفي کل الأحوال، لم یأخذ المشروع طریقه حتى النهایة، وبقی القانون الأساسي کما هو.

في الخلاصة، أدت تغریدة ساعر إلى کشف مخاوف نتنیاهو من هشاشة مکانته التي استجدت داخل اللیکود في ضوء التطورات السیاسیة والقضائیة الأخیرة ودفعته للتراجع عن حملة المبایعة التي کان یخطط لها تحت عنوان انتخابات تمهیدیة. وبالنتیجة ما زالت حکومة «إسرائیل»، أسیرة نتنیاهو ومصالحه القضائیة. وما زالت المنظومة السیاسیة والحزبیة في کیان العدو أمام الخیارات نفسها، إما اجراء انتخابات مبکرة للمرة الثالثة، یکون لها أثمان سیاسیة واقتصادیة إضافية. وإما تنحّي نتنیاهو عن منصبه، طوعاً أو کرهاً. وإما تحول في توجهات إحدى الکتل یبرّر الالتحاق بحکومة برئاسة نتنیاهو، وعندها لن یکون هناک مشکلة في ایجاد المبررات لخطوة من هذا النوع، وتحدیدا في ظل ما تواجهه «إسرائیل» من تحدیات سیاسیة وأمنیة واقتصادیة.

ففي کل الاحوال تواجه «إسرائیل» أزمة لم تشهدها طوال تاریخها، هی في الواقع أعراض لأزمات أعمق تجذرا في الواقع الاجتماعی، وأبلغ دلالة على حاضر ومستقبل «إسرائیل».

 

بقلم: جهاد حیدر  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 10/6565 sec