رقم الخبر: 264671 تاريخ النشر: أيلول 27, 2019 الوقت: 15:14 الاقسام: مقالات و آراء  
أميركا - السعودية وخيارات الرد على هجوم «أرامكو»

أميركا - السعودية وخيارات الرد على هجوم «أرامكو»

عُدّ هجوم القوات المسلحة اليمنية على "أرامكو" تطوراً استراتيجياً مهماً وخطيراً. فهذا الهجوم لا يشبه في مغزاه ونتائجه أي هجوم آخر، لأن الضربة تجاوزت الحد "المحمول" أميركيا وجاءت بأضرار كبيرة، وفي توقيت دقيق متزامن مع وساطة فرنسية وإغراءات أميركية ورغبة ترامب في لقاء الرئيس روحاني.

هجوم "أرامكو" اليمني، شكل نقطة التحوّل في مجرى الأحداث وفي مسار الوساطة الفرنسية، التي رأت أن هذا الهجوم بدّل المعطيات ووسّع الفجوة في المناقشات، بحيث إن لقاء ترامب - روحاني لم يعد الموضوع الأول وإنما تقدمت مسألة خفض التصعيد واستعادة مسار التهدئة. فخطة ماكرون لخفض التصعيد كانت تقضي برفع جزئي للعقوبات الأميركية مقابل عودة طهران الى الاتفاق النووي وقبول التفاوض بشأن برامجها البالستية وسياستها الإقليمية. في هذه الدوامة من الشروط والشروط المضادة، غرقت المبادرة الفرنسية رغم دينامية ماكرون والإسناد الذي جاءه من بريطانيا وألمانيا ودول أخرى ورغبة الجميع في تجنب التصعيد والحرب في الخليج (الفارسي) وحاجة ترامب إلى مخرج.

أما في "إسرائيل" فقد كانت هناك أجواء تشويش وتحفظ على الوساطة الفرنسية. مشكلة "إسرائيل" مع الأوروبيين أنها ترفض مساعيهم للتوصل الى صيغة حل بين واشنطن وطهران، في حين أن فرنسا ومعها الدول الأوروبية الرئيسية ترى أن انهيار الاتفاق النووي هو انهيار الإنجاز الدولي الوحيد في العقود الأخيرة.

وتراهن "إسرائيل" حالياً على استمرار الضغوط كبديل عن المفاوضات، وعلى أن يؤدي تفاقم الضغوط الى ردة فعل إيرانية باتجاه تجاوز التزاماتها وسقف برنامجها النووي، وإما في اتجاه عمل عسكري، وبما يؤدي في الحالين الى رد فعل أميركي -  أوروبي يعيد إنتاج خريطة موازين قوى جديدة في المنطقة. لكن، حدث ما لم تتوقعه "تل أبيب"، إذ أقال الرئيس الأمريكي ترامب مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، الذي بنظرها أراح إيران وأقلق "إسرائيل" وشجع على تضييق مسافة اللقاء بين روحاني وترامب.

وهنا، ليس مهماً تحديد الأسباب التي دفعت الى استقالة أو إقالة جون بولتون، المهم الآن هو تحديد كيف سيكون لهذا التغيير في أعلى منصب حساس في الإدارة الأميركية والأقرب الى الرئيس في البيت الأبيض، من تأثير وانعكاس على صعيد الملف الإيراني، وتحديداً في مسألة اللقاء بين ترامب وروحاني، فقد ظهرت الخشية واضحة من أن تكون إقالة بولتون مقدمة لتحوّل في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، حيث يكمن التهديد المركزي للأمن الإسرائيلي. فاجتماع أميركي - إيراني، إذا عُقد، سيوفر رياحاً داعمة لإيران، حتى لو لم يؤدّ بالضرورة إلى إلغاء فوري للعقوبات. وفي ذلك، تشير "هآرتس: "ما دام بولتون في البيت الأبيض، فهو مؤشر على أننا لا نتجه لتسوية مع إيران، فهو لن يسمح بذلك. لكن مع الإقالة، الجواب بات واضحاً، والاتفاق النووي 2 في الطريق، وفي توقيت سيئ وأكثر إشكالية".

سعودياً، هم يرون أن عملية "أرامكو" سببت أضراراً اقتصادية، حيث توقف ضخ كمية من إمدادات النفط الخام تُقدّر بنحو 5.7 ملايين برميل يوميا.

وفي النتائج السياسية، كان من الطبيعي أن يثير هذا الهجوم قلقا دوليا واسعا لأنه أصاب مباشرة أمن واستقرار الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وأمن واستقرار منطقة الخليج (الفارسي).

والسؤال هنا، هل يرد ترامب على هجوم "أرامكو"؟ وكيف؟

الرد الأميركي أو كيفية تعاطي ترامب مع الهجوم على "أرامكو" مسألة مطروحة بقوة في أوساط المحللين والخبراء الأميركيين الذين يتفقون في توصيف الوضع، وفي اعتبار أن هذا الهجوم هو نقطة تحوّل في مسار المواجهة مع إيران، ووضع ترامب في موقف صعب وحرج في حالتي الرد أو عدمه. ولكنهم يختلفون، وبشيء من الحيرة والغموض، في تحديد وتقدير ماهية وطبيعة الرد الأميركي والخطوة التالية من جانب ترامب الذي لا يريد الحرب مع إيران حتى لو وقفت وراء هجوم "أرامكو"، فهو يجاهر بعدم رغبته في الحرب ليكون هذا الموقف الشيء الثابت والواضح في سياسته الخارجية، وهو ما زال مراهنا على ان الإيرانيين يريدون التوصل الى "اتفاق"، ولا يجد ترامب حرجاً في تذكير السعودية بالتعويضات والأثمان المالية التي تتوجب عليها، وفي القول إن "السعوديين ستكون لهم مشاركة كبيرة إذا قررنا أن نفعل شيئا ما، وهذا يتضمن الدفع وهم يفهمون ذلك تماما".

في المقابل، يبرز سؤال هنا، عن خيارات وخطط السعودية للرد على إيران. فالسعوديون في تقييمهم لهجمات "أرامكو" يرون أن ما حصل هو " 11 أيلول سعودي"، بمعنى أن هذه الهجمات تعني للسعودية في خطورتها وأهميتها ما عنته هجمات 11 أيلول 2001 بالنسبة للأميركيين. ولذلك فإن السعودية ترى أن الرد مسألة محسومة ولا يبقى إلا تحديد ماهيته ليكون في مستوى الهجوم. ولكن من الصعب أن نتوقع رداً أميركياً غير تعزيز العقوبات من جهة، وتعزيز الدفاعات السعودية من جهة ثانية، فمن الواضح أن السعودية مقيّدة بالحسابات الأميركية وملزمة بالتحرك تحت سقف الموقف الأميركي. ومن الواضح أن هذا الموقف هو "النأي" عن الحرب واللجوء الى "حل سلمي".

 بات واضحاً أن ترامب لا يريد الحرب لأن عينه على انتخابات الرئاسة بعد عام، وحتى لا يُفسد فرصه في البقاء ولاية ثانية في البيت الأبيض. فالحرب تهدد فرصته في الفوز لأنها تضع 70 ألف جندي أميركي منتشرين في المنطقة في دائرة الخطر، ولأنها تضع أسعار النفط والطاقة في مهب الريح، ما يُلحق الأذى والضرر بالاقتصاد الأميركي القوي الذي يُعدّ نقطة القوة الأساسية في حملة ترامب وشعبيته. وبعد هجمات "أرامكو" لم يذهب الرئيس دونالد ترامب الى أكثر من تشديد للعقوبات الاقتصادية. حسابات ترامب في هذه الآونة "انتخابية بامتياز"، وهو يعلم أن الرأي العام الأميركي لا يؤيد الانزلاق الى حروب ولا البقاء في مستنقعات الشرق الأوسط وأفغانستان. ويعلم أيضاً أن النفط العربي لم يعد له تأثير كبير على الاقتصاد الأميركي الذي صار لديه "اكتفاء ذاتي" من استخراجات النفط الصخري وبكميات هائلة.

بالإجمال، هناك استبعاد للخيارات العسكرية، وهذا الاستبعاد ستكون له تداعيات كبيرة على هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على السيطرة على مناطق عديدة من العالم وعلى علاقاتها مع حلفائها. وستكون له مفاعيل أخرى لجهة سعي دول الخليج (الفارسي) إلى بناء شراكات أخرى على المستوى العسكري مع الدول المنافسة للولايات المتحدة كروسيا والصين، والأخطر، على المستوى السياسي، من خلال طلب توسط روسي مثلا مع إيران لإيجاد مخرج للأزمة الحالية، إذا لم تعد الولايات المتحدة قادرة على حماية المصالح الحيوية لحليف كالسعودية.

 

 

بقلم: سركيس أبوزيد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 12/3941 sec