رقم الخبر: 262385 تاريخ النشر: آب 30, 2019 الوقت: 18:49 الاقسام: مقالات و آراء  
الجوانب المميزة في شخصية الامام الصدر

الجوانب المميزة في شخصية الامام الصدر

للتأريخ رجال يخترقون صفحاته الجامعة، يحيطون بما تدر عقولهم من عطاء يهدف الى سمو الانسان، يتجددون في كل زمان ومكان، لتستمد المواكب البشرية من طيف علمهم ومعرفتهم ما يؤنس النفوس، لتستمر حركة التغيير بالمجتمع الانساني نحو الأفضل والأصلح والأعم والأشمل.

 من بين هؤلاء الرجال وهم قلة، كان الامام موسى الصدر جامع صفات القيادة الدينية والسياسية والاجتماعية، ومفجر الثورة في أعماق الناس المظلومين؛ بعد ان عرّفهم على موارد ظلمهم فكان المدافع عنهم بكل ما أوتي من قوة وعزم.

لقد إلتزم الامام الصدر بقضايا شعبه وأمته، وهذا ما تبينه مواقفه وممارساته التي تترجم بصدق فكره وقناعاته الداخلية.

 قال عنه البعض: انه التاريخ الشيعي الذي مشى على قدميه، يتميز بقوته الهادئة من خلال مواهبه الخارقة، أرغم خصومه وأصدقاءه على حد سواء على توقيره واحترام قدرته على الإستبصار. مصداقيته لم تكن أبداً موضع شك رغم الاشاعات حوله، لقد كان طويلا لدرجة الظهور أنه يرتفع فوق الحشود التي غالبا ما تكون منفعلة والتي جمعها وجوده بعضا ببعض.

بدا خصومه أنهم سحروا بابتسامته الغامضة بينما وجد أصدقاؤه ان وجهه الملتحي عكس باستمرار مسحَة حزن عميقة.

إتصالاته الشخصية كانت طقسا من طقوس الإغراء، عندما يفتح الباب بتواضع ويدعوك لدخول مكتب متواضع أو صالون عادي لأحد المنازل التي آوته يتساءل الواحد منا: لماذا كان هذا الرجل هناك، وفقا لأي سر، وكيف ان مثل هذا الرجل القائد إستطاع ان يظهر مألوفا جدا بعدئذ؛ يجلس الواحد منا قريبا منه، ويتطلع ليكسب تعاليم المعلم، الا انه يغادر مع أسئلة أكثر مما جلب أحدنا اليه.

قيل عنه انه كان يقرع باب البيت ويستأذن بالدخول في القرية أو في الحي الشعبي أو في المنزل العادي، أو في قبو تحت الارض، يجالس أهله يشرب الشاي معهم وأحيانا يطلب العشاء بما توفر، حتى ولو كان «صحن زيتون» واذا كان الوقت متأخرا لا يمانع في ان ينام على سرير قديم أو يجلس حتى مطلع الفجر.

هذه الصفات يعرفها الناس عنه، ويتحدثون بها بلا مجاملة، ورغم ان العديد كان يلوم الامام الصدر على هذه التصرفات التي لا تليق (كما يعتبرون) بمركز رجل مثله ولكنها ظلت سلوكا في حياته معتبرا بذلك ان يؤدي الواجب الاجتماعي الملزم بأدائه تجاه الرسالة الدينية التي يحملها وتظنه بهذا الخصوص متصوفا عابدا لشدة تلازمه تعاليم الدين، ولكن سرعان ما تتغير نظرتك هذه عندما تريك سرعة تحركاته في حل المشاكل والخلافات العالقة هنا وهناك، حتى تقتنع بانه انسان حركي لا يعتبر التصوف ميزة للتدين.

يلازم التواضع شخص الامام الصدر في علاقاته الخاصة منها والعامة وتبرز هذه الناحية واضحة في سعة صدره ورحابته في تقبل مشاكل الناس فلا يغضب أو يثور بل على العكس يستمع للمشكلة وكأنه يعانيها، وعندما يأتي دوره في الحديث يتكلم وكثرة الإيماءات تلازم حديثه ويدور حول المشكلة محيطا بجوانبها لدرجة تقتنع معها بأن الحل قد أصبح وشيكا عنده دون تعقيد. وهذه الميزة تشكل في شخصيته قدره على جذب الناس إليه، إذ بمجرد ان تلمس تواضعه حتى يؤلمك الإبتعاد عنه أو حمل الكراهية عليه.

أما جانب الإنفعال، وهذا نادرا ما يحصل عنده فإنه ليس وليد عاطفة أو مصلحة ضيقة بل هو نتيجة نبرة حسية إنسانية متأصلة في نفسه؛ ولذا تلمس فيه دائما طراوة الصوت وخفضه، اما عندما تحاول مجادلته بأمر ما وتصر على موقفك وهو مقتنع بعدم صواب رأيك فغالبا ما تسمع منه بصوت متأثر -عادل- الى حد ما- عبارة يستشهد فيها بحديث عن الأئمة أو الرسول، أو بآية قرآنيه كدليل على ما يقول.

كان يجد إرتياحه الكامل في لقاءاته مع تلاميذه إذ فبهذه اللقاءات كان يتسنى له ان يطرح أفكاره بحرية اكثر، اما المسائل التي كان يطرحها، فكانت أغلبها إجابات وإستفسارات عن أسئلة مطروحة من قبل طلابه، إضافة لإيضاحات حول مسائل سياسية واجتماعية حيث كانت تأتي الإجابة ضمن أسلوب متماسك ومقنع، مما كان يرفع تلامذته الى نشر مبادئه بحماس، واستطاع الامام بذلك ان يكتّل حوله قوة من الشباب، أضافها الى قوته ليعملا معا في الاتجاه المطلوب.

ما يعرف عنه أيضاً انه كان محبا للمطالعة التي تتوزع بين المؤلفات الدينية والعقائدية الفلسفية والتاريخية والعلمية، ويذكر نجيب جمال الدين بهذا المجال انه كان يستيقظ باكراً ويذهب الى معهد الدراسات الاسلامية الذي أنشأه في صور فيقضي ساعات الصباح المبكر في الدراسة بحيث أن طلابه في المعهد كانوا يتركونه في هذه الساعات مع المطالعة دون ان يزعجوه ولو بمناقشة يستحسنون طرحها.

على المستوي الثقافي، كان كثير الاستشهاد بالآيات القرآنية وبأبيات الشعر التي يسترشد بها في أمثلته العديدة في أثناء أحاديثه الى جانب إتقانه الفارسية والفرنسية والانكليزية.

هذه المؤهلات وضعته تحت الضوء الساطع للمثقفين من‌مختلف الطوائف، فكان اسمه أمام كل محاضرة كفيلا بأن يجذب المئات ليملأوا القاعات التي يحاضر بها. أحد الدبلوماسيين الامريكيين الذي زاره في إحدى المناسبات أبرق الى بلاده الرسالة التالية: قمت بزيارة مجاملة للإمام الصدر دامت ساعة، رغم اننا تحادثنا من خلال مترجم، فهو بدون جدال واحد من أكثر الاشخاص ان لم يكن الكثر إثارة للإعجاب من بين الذين اجتمعت بهم في لبنان، يتمتع بعيون حادة وراسخة، رغم انه تكلم في أسلوب متجرد وهادئ، أستطيع ان أتخيله يحرض مجموعة من الرجال للجوء الى أي إجراء متطرف يرغبه، موهبته الخارقه واضحة واخلاصة الظاهر يبعث على الخوف، ركز لبعض الوقت على إعجابه بالتزام بلدنا بحقوق الانسان وبالكتب التي قرأها عن واشنطن ولنكولن وآخرين من زعمائنا بعدئذ ناقش الخط الشيوعي، هو متفائل ان السلام يمكن ان يعود الى هذا الجزء من العالم، وان المسلمين يستطيعون ان يكرّسوا طاقاتهم لترميم إنتهاكات الشيوعيين في السنوات الماضية.

في الحقل السياسي تكمن مواهب الامام الصدر في مقدرته على قيادة الرجال وفي المقدرة الرائعة على الإتصال بالغرباء.

قبل القدوم الى لبنان كان العديد من علماء الدين الشيعة محتجبين عن أماكن المسؤولين لأن ما بينهم لا يجمع فتراهم غير معروفين في الإعلام لكنهم أعلام في المعرفة.

مع مجيء الامام الصدر كسرت هذه القاعدة وكان يرى ان من واجبه أن يخلع باب الحاكم اذا أقفل دونه ليقول رأيه وينقل أمانته الى الناس والمسؤولين.

ولقد نجح السيد في إقتحام هذه الأبواب، حتى بات التسليم بها أمراً مفروغاً عنه ولهذه المسألة حادثة تروى قبل الحرب الأهليه، إعتقلت السلطات المحلية في مدينة صور شاباً وطنياً بتهمة الإخلال بالأمن وتدخل كثيرون من رجال السياسة والوجهاء لإطلاقه دون جدوى، إتصل السيد بقائمقام صور، بعد أن توسط عنده أهل المعتقل، فطالب باطلاق سراحه على كفالته، فخاطب قائمقام صور مدهوشا، لكنه شيوعي يا سماحه الامام، فكان رد الامام، هذا أخي وإبني فأطلق سراحه والسبب هو موسى الصدر.

ورغم كل حملات التشكيك التي واجهته الا انه كان حريصا على عدم المس بأي إنسان، وكان يقول: أنا للجميع وان كان هناك من يعتبر نفسه خصمي فأنا لست كذلك.

بقلم: *صلاح فحص/ ممثل حركة أمل في ايران  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 10/5633 sec