رقم الخبر: 258950 تاريخ النشر: تموز 21, 2019 الوقت: 15:23 الاقسام: ثقافة وفن  
الفلسفة بين الماضي والمستقبل.. وما هو دورها اليوم؟
بوصفها الوريثة الحديثة للحكمة والقائدة لها

الفلسفة بين الماضي والمستقبل.. وما هو دورها اليوم؟

كانت الفلسفة عبر القرون وتاريخ الأمم مرادفة للعلم والحكمة، ولكن الأمور تغيّرت بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية، لتتحول السلطة المعرفية لدى العلوم الطبيعية، التي نستطيع أن نطلق عليها «الفلسفة الجديدة»،

 لكن ماذا عن الفلسفة التي كانت شكلاً من أشكال المعرفة القديمة، هل أصبحت تطرح الآن في سلة مهملات التاريخ؟ إلى جانب الخيمياء وعلم التنجيم وغيرهما من العلوم التي يطلق عليها مصطلح «العلوم الزائفة»، وما الهدف من الفلسفة اليوم؟

عصر العلم والفوضى

ما الذي حدث للفلسفة في عصر الفوضى والعلوم؟ لا بد أن العلم المزاحم لجميع أنواع الذكاء قد قلص مساحات التفكير لدى الإنسان الذكي، بعد أن كانت الفلسفة مرادفة للحكمة في معظم العلوم، ومنذ نظريات إسحاق نيوتن وعمله المشهور «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية»، إضافة إلى أحداث الحرب العالمية الثانية، شهدت الشعوب بعد الحرب أن الوظيفة أهم بكثير من الفلسفة، لكونها احتكرت العلوم الطبيعية بنواحيها الفيزيائية المادية غير البشرية على الأرض وحتى الكون وبكل ظواهرها، وبالتالي لم يعد للفلسفة اليوم فضاء فلسفي كما كان سابقاً، حين كانت الفيزياء أو الأحياء أو حتى علم النفس والاجتماع تُولَد كضلع للتأمل الفلسفي.

واقع جديد

وفي ظل واقعنا الجديد، فإن الصلاحيات التي اكتسبتها العلوم الطبيعية انتهى بها الأمر إلى ممارسة الضغط على الفلسفة بشكل ملموس؛ لأنها حدت من مساحات الفلسفة أكاديمياً وبحثياً، فهل برز في الفلسفة ما هو متعلق بالهوية، فما هوية الفلسفة أمام العلوم التي بدأت تتخصص، فهل يمكننا اليوم أن نطلق على الفلسفة في توجهها أو نظريتها أو ثقافتها أنها ثقافة حرجة، في أنها باتت تفسر الحداثة مثلاً، أو تمارس التفكيك بشكل منهجي للحفاظ على ما تبقى من تقاليدها وتاريخها ونشاطها، لتصبح سهلة التحقيق ومقنعة في وجودها من جديد.

دعونا نوضح من جديد كيف أصبحت تتخصص العلوم حتى أصبح لدينا ما يسمى بتخصص التخصص، لتدخل الفلسفة اليوم بتقاليدها القديمة في علاقة حاسمة مع هذه العلوم بوصفها معرفة أو علوم معرفية، فما الشكل الذي تفرضه الفلسفة هنا على نفسها؟ فلا شيء أمامها سوى التحليلات التفصيلية، فتقوم كمثال بتجزئة هذه المعرفة وتقسيم العمل ومدى فعاليتها السببية.

نظريات القرن الـ20

نحن لا ننكر النظريات الفلسفية التي طرحت في القرن 20، فبعضها كان ثميناً ومثمراً، ولكنها كانت قائمة على الدور التقليدي لها من نقد ثقافي وتحقيق وتحليل وتاريخ فلسفي، أما محاولات الفلسفة إنتاج وجهات نظر عالمية جديدة، فكانت بعد الحرب العالمية الثانية طموحة، لكنها كانت مع الأسف بلا مبرر، بدت وكأنها قد عفا عليها الزمن، وطنانة في تشكيكها ومضمونها، لتبدو بعض النظريات الفلسفية الحديثة لا عقلانية ومتناقضة، وكأن المعلومات تقطر قطراً في نهاية المطاف، بعد أن كانت الفلسفة في القرون الوسطى، تناقش العلاقات المعقدة والجدل المعروف آنذاك بين الإيمان والعقل، والعلاقة بين الإنسان والحقيقة، وبين العقل والواقع، فلا يستطيع الإنسان المعاصر اليوم أن ينكر أن الفلسفة القديمة أدّت يوماً دوراً عظيماً من أجل الفكر وازدهاره، بينما اليوم يستصعب أن يناقش عدم جدوى الفلسفة، ومن العسير أيضاً أن يستمر في هذه الجدلية وفي القضايا نفسها التي أثارها قدماء الفلاسفة.

استثناء بعض الفلاسفة

بعد تراجع معظم الفلاسفة ونظرياتهم الضعيفة، نستطيع أن نستثني بعض الفلاسفة في القرن 20، حيث يبقى الفيلسوف الألماني «مارتن هايدغر» بشهادة العالم هو الأهم بعد أن وضع نظرياته عن معنى الوجود ومعنى القلق لدى الإنسان خاصة من الموت، وسبب خشيته من ارتكاب الخطيئة، ليربط القلق بالخوف نفسه، ويحلل تحليلاً عميقاً بأنهما سيّان، لنتبين فيما بعد الفرق بين الخوف الأصيل والخوف الزائف أو المبتذل الذي يسقطنا في الثرثرة اليومية، وكذلك الالتباس الذي يجعلنا لا نميز بين الحياة الحقيقية والمبتذلة.. إلى آخر هذه النظرية من تجربة فلسفية متميزة، عن معنى وجودنا وبشكل عقلاني واقعي بحت، لتتميز نظرية الوجودية ودراستها، رغم أنها بدأت بالرد على نظرية الفيلسوف الفرنسي الوجودي سارتر، ولكنه تفوق عليه.

أما بقية الفلاسفة وباعتقادنا ومنذ ما يقارب 100 عام سواء من الشرق أو الغرب، لم تكن نظرياتهم الفكرية مؤثرة كثيراً، فتجاربهم تكاد تكون مكررة، بينما كل ما تم إنتاجه للفكر، فدوافعها الإنتاجية قد نشأت بعد اكتشافات علمية وفكرية كبرى ومؤثرة مثل داروين، وماركس، وفرويد، وآينشتاين، هيمنت على طلابنا في المرحلة الإعدادية والثانوية والجامعة أكثر من أي أستاذ فلسفة.

الفلسفة وتغيير المجتمع

هل نعتقد اليوم أن مهمة الفلسفة تهدف إلى تغيير المجتمع؟ الحقيقة أنها وجدت لذلك، وإلا ما فائدة الحكمة في حياة الإنسان، وكما نرى أنها أثرت حتماً بعد قراءتنا للتاريخ الإنساني الطويل، أنها غيرت، وإن كان التغيير بطيئاً، والسبب أن إمكانياتها الملموسة والفعالة تتطلب التركيز، بالإضافة إلى مواجهتها الأفكار الأخرى التي لم تنسجم معها، لذا ومنذ أن خرجت الحكمة أو الفلسفة إلى الوجود وهي تظهر بأنها تخص أفراداً قلائل، وبطبيعة الحال فإن الحكمة إنتاجها قليل وتأخذ زمناً ممتداً كي تأتي بنتيجة مؤثرة.

علم إيجابي ومثابرة فكرية

ما يحصل اليوم في بعض المؤسسات وفي أغلب الجامعات من هدر للموارد المالية على مؤتمرات وبرامج لا تعني الكادر الدراسي كثيراً، يعتبر من أسوأ البرامج التي تقدمها المؤسسات، ولا يتم السماح بقيام مؤتمرات فلسفية ومنطقية سنوية خاصة؛ لكونها تساعد على الاجتهاد الفكري والنقاش العلمي الرصين، حتى على المستوى الشخصي للطلبة والتفكير المنظم، فالفلسفة المنطقية تعد من العلوم الإيجابية وتساعد على المثابرة الفكرية.

وريثة الحكمة وقائدتها

هل ستختفي مادة الفلسفة من الجامعات في المستقبل البعيد وعلى مستوى العالم؟ وإن كانت هذه المادة تحظى بتقدير كبير في المجتمعات الأوروبية بشكل عام، والألمانية بشكل خاص، بوصفها الوريثة الحديثة للحكمة والقائدة لها، لكن الواقع العلمي والتكنولوجي الآني يحتم علينا السؤال بعيداً عن الحساسيات: هل يستطيع الفلاسفة في يومنا هذا الإدلاء بتصريحاتهم الفلسفية حول الكون مثلاً وما يحدث في الفيزياء وفي علم الفلك وبحوث الفضاء، أم أنهم سيظلون يبحثون في المواضيع المكررة عبر التاريخ مع تطويرها قليلاً؟

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/3734 sec