رقم الخبر: 258164 تاريخ النشر: تموز 12, 2019 الوقت: 14:27 الاقسام: ثقافة وفن  
الخصائص المعنویة في الشعر الجاهلي عند العرب
قدرة في التركیز وحشد المعاني

الخصائص المعنویة في الشعر الجاهلي عند العرب

یتمیز الشاعر الجاهلي بوضوح معانیه وبعده عن كل تكلف أو اغراق وهذا أمر طبیعي بالنسبة لنشوئه في بیئة لم تتعقد فیها حیاة الانسان تعقیدا یوحي بالتكلیف ومن هنا كان الشاعر الجاهلي أمینا في نقل الصور والمحافظة علی اشكالها كما هي في العالم المحیط به، وكان أدب هذه الفترة من أصدق الآداب العربیة وأثبتها في رسم الحیاة، وتبیین مظاهرها التاریخیة وهو یعطي الدارسین الوجه التقریبي للحیاة العربیة خلال العصر الجاهلي.

فالشاعر الجاهلي ینقل الصور التي تلوح أمامه نقلا أمینا بعیدا عن تحلیل الأوصاف والتعمق في التشبیهات والإیغال في عقد المقارنات، فإذا أراد التشبیه كانت تشبیهاته حسیة یحاول فیها إبقاء جواهر الموضوعات علی حالها دون تغییر أو تبدیل. ومن هنا كانت معانیهم محدودة في كثیر من الصور. فآثار الخیام كأنّها بقایا النقش وقد محاه أو كاد یمحو طول الزمن أو كأنه رجع الوشم وقد أخذت الواشمة تعقیده وتجدده علی الید أو كأنها الكتاب الذي أكبّ علیه الكاتب بدواته یسوي سطوره مرة ویخالف أخری لعدم مجیئها علی استواء واحد. كانت الصور عند بعضهم شاخصة وحافلة بالحركة والحیاة تتابعها العین والأذن والخیال ولم یفضل بینها فاصل لأنّ هذا البعض كان یعرض لها بصورة مباشرة فیجسدها ویجسمها .

انّ حرص الشاعر الجاهلي علی نقل الصور نقلا امینا جعل تشبیهاته حسیة لأنه كان ینزع فیها نزعة مادیة بحتة. إبداع الشاعر في حرصه علی هذا النقل بتلوین الصورة بالألوان التي تنطبق علیها انطباقا فیجعلها زاهیة، تقرب الحقیقة حتی تصبح الصورة والحقیقة كأنهما وحدة.

وكان التشبیه یصل عند كثیر من الشعراء إلی السرد القصصي الذي یسرد فیه الشاعر ما یروم التعبیر عنه ویسلب فیه عاطفته التي تتحد في الصورة لیكسبها احساسا جدیدا.

لم یجد الشاعر الجاهلي صورة أحفظ من هذه الصور في الذهن فكان هذا الفیض الزاخر من ألفاظ الرمال والسیول والبروق والإبل والخیل والثیران الوحشیة والحمير والأفاعي والذئاب وألوانها وأوصافها وكأنّ الشعراء أدركوا حقیقة التصویر والصورة وكذلك التفاصیل الممثلة في الألوان والمظاهر التي تبرز تلك الحقیقة فأطلقوا علیهم من الأسماء ما یشیر إلی حسن الصیاغة والتنمیق وأصحاب الصنعة وعبید الشعر.

ولعل قصائد أوس بن حجر وزهیر بن أبي سلمی تعد النماذج الأولی لهذا الاتجاه لعنایتهما الشدیدة بإبراز الصورة.

فأوس یؤلف الصورة الشعریة تألیفا محكما وكان یتحمل من أجل هذا التألیف جهدا وعناء ومشقة ومن میزات شعره الخیال الذي یرید أن یطبع الصورة به والحواس التي تدرك هذا الخیال ولقد ارتبطت هاتان المیزتان في شعر أوس ارتباطا وثیقا وهذا من المظاهرر الطبیعية المحسوسة.

ولا ینسی زهیر أن یحدد نوعیة الرحال، لقد أعطی زهیر كل جزء منها لوناً وكأنه یُحسن استعمال هذه الألوان في تصویره إحساناً شدیداً.

فالصورة بعد كل هذا كانت عماد الشعر العربي وقد حاول الشعراء أن یجعلوا هذه الصور واضحة. من الطبیعي أن تظهر معالم التكرار في هذه التشبیهات والصور لأن معظم الشعراء كانوا یدورون حول معان متعارف علیها وتشبیهات محددة.

وفي هذه الصورة یقدم الشاعر تشبیهات حسیة كثیرة فالسراب ینتشر في كل جانب واذا أرادو أن یشبهوا آثارها، شبهوها بالصحف أو الزخارف، وكأنّهم كانوا یقرأون في هذه الآثار المتبقیة من الذكریات ما یقرأونه في الكبت وإذا رغب الشاعر في مقابلة صورة الأثر قابلها بالوشم.

وشبّه عنترة قرارات الروضة وحفرها بالدراهم وصوت الذباب بصوت الشارب المترنم وقد أعجب هذه الصورة الجاحظ إعجاباً شدیداً حمله علی أن یعد تشبیه عنترة هذا من التشبیه المصیب التام.

وإذا وصفوا الدروع شبهوها بماء الغدیر أما تشبیه السحاب بصور الحیوانات فقد وردت من ذلك في شعرهم صور كثيرة والظاهر أن المعاني التي أوحتها إلیهم هذه السحب وهي تتشكل بأشكال متبینة.

والناقة یركبها الشاعر لتقطع به الفیافي والمفاوز وحاول بعض الشعراء تشبیه رواحلهم بالنعام النافر الشارد أو النعامة التي تسابق الظلیم أو الحمار الوحشي الذي ضیق علیه المجال وأحاط به الصائدون من كل جانب والظاهرة الجدیدة التي تطالعنا في حدیث الشعراء عن سرعة الناقة وفي كل هذه الصور تبدو مهارة الشعراء في التقاط الصور التي یحیون بها فتبلغ منتهی الدقة في أوصاف هذه المحسوسات؛ والظاهر من النماذج الكثیرة أن الشعراء كانوا یحرصون علی وصف أفراسهم بهذا الوصف.

ولم ینس الشعراء أن یشبهوا الثور بالكوكب المنقض في سرعته ولمعانه وبیاضه وهو یخرج من المعركة عزیزا ظافراً.

أما الأظلاف فقد شبّهوها بالصدف والصخرة الصلدة.

أما الأشجار والنبات والأزهار فكانت طرفاً آخر في مجالات التشبیهات التي شبه بها الشعراء فاتخذوا من النخل الذي حان جزاره أو النخل الرديء صورة كنوا بها عن الزجل الضعیف.

وجد الشعراء في صورة التمر وهو ینثر من جراب جامعه صورة سریعة ومتحركة وحیة فقابلوها بصورة الخیل.

ولصلابة بعض الأشجار شبّهوا بها ضلوع الناقة وهناك أنواع من الشجر استعملوها في مجال التشبیه بالغبار كالغرقد والعلندي.

كما وجدنا ابداع الشعراء وبراعتهم في أوصافهم الإبل نجد هذه البراعة في وصف الخیل ، فالسرعة صفة محببة فیها.

وكان الشعراء یفصحون عن مهارتهم في مهارتهم في جوانب كثیرة من شعر الطبیعة سواء أكان ذلك من حیث الصور أو المعاني وقد أتاحت لهم هذه المهارة تنسیق الموضوع الذي یعالجونه وترتیب الأفكار التي یطرقونها وتسلسل هذه الأفكار وحسن الإنتقال ومن هنا نجد قسماً من الشعراء لا یأخذون كل ما یفد علی خاطرهم من المعاني بل لا یزالون یثقفون ویصقلون ویتخیرون حتی یستوي لهم المعنی المقصود.

وقد عرف أوس بن حجر بهذه الصنعة وبرزت قدرته في كثیر من الصور المتناثرة في دیوانه وكذلك كان زهیر بن ابي سلمی یعني عنایة كبیرة بتنقیح المعاني وصیاغتها ودفعته في تحدیدها ومهارته في استعمالها وقد انعكست هذه العنایة في شعره فاستطاع أن یبث الحركة والحیاة في كثیر من الصور التي تعرض لها.

وقد دلل الشعراء الجاهلیون –وهم یعرضون لأوصاف الطبیعة- علی قدرتهم في التركیز وحشد المعاني في الالتفاتات القلیلة وإحساساتهم بالموصوفات إحساساً قویاً، وشعورهم بها شعوراً عنیفاً.

وهكذا نجد الشعراء یقدمون صوراً جدیدةً مغایرة للصور التي تعودوا علی رؤیتها وكأنّهم ادركوا القیمة الفنیة لعلمهم هذا، ووجدوا فیها طرافة أدبیة لطیفة، تمیزهم عن تمیزهم من الشعراء، مستخدمین في استنباط الصور فاستعلموا الكنایة والاستعارة.

بقلم: سید حسین حسني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 33/6207 sec