رقم الخبر: 257925 تاريخ النشر: تموز 09, 2019 الوقت: 14:55 الاقسام: مقالات و آراء  
الاستعلاء الأميركي لا يدوم أمام إيران

الاستعلاء الأميركي لا يدوم أمام إيران

باتفاقٍ شبه عام أن الرئيس الأميركي «دولاند ترامب» يعتَبر الأسوأ في تاريخ الرؤساء لا أميركياً فقط بل عالميا ..إنه يؤمن بالخيال مثل إيمانه بالأوهام، وأن أميركا بنظره هي شرطيّ العالم بلا منازِع!!

يتغيّر في الساعة مرة أو مرتين فضلاً عن الكذب الذي يبدو من المسلَّمات لديه، إنه ضد إيران ولكنه يصدَح صباح مساء طلباً لمصافحة زعمائها ومستعد لإلغاء كل تهديداته وكل عقوباته بلقاء ومن دون شروط بمحاورين إيرانيين.


يحكي ذلك وكأنه نبيّ مرسَل أو هتلر الجديد.. وقد وصفته صحيفة واشنطن بوسط بأنه «يهدر كنمرٍ من خلال إطلاق التهديدات على تويتر، لكنه غالباً ما يتصرَّف كهرٍّ خائِف..» فبعد أن اشترط على لسان وزير خارجيته السابق 12 شرطاً على إيران لإجراء حوار معها عاد وألغي جميع الشروط، يقول في مقابلة مع شبكة «إن بي سي»: «مستعدٌّ للتفاوض مع إيران من دون شروط مسبقة»، ويكرٍّر: «مستعدٌّ لإجراء محادثات مع المرشد الإيراني الأعلى أو الرئيس الإيراني حتى ولو كان حواراً ثنائياً..» المصافحة عنده يراها انتصارا سياسياً مثل ما حدث مع كيم جين أون!! يأتي هذا التحوّل بعد أن فشلت كل ألاعيبه وتهديداته مع إيران بل أصبح هو وجنوده المهدَّدون في الخليج (الفارسي) بعد إسقاط طائرة التجسّس والذي تساءلت وقتها كل الأجهزة الاستخباراتية الأميركية بقولها «ماذا تخبّئه إيران» وكأنها تأكّدت أنها لا تعرف شيئاً عن إيران، هذا الضجيج الذي رافقَ سياسة ترامب ودعاة الحرب من أركان حكمه دفع بإسرائيل إلى الخوف على مصيرها الوجودي وخوفها من المقاومة وإيران، صار الهاجِس الأكثر في تاريخ سياستها يقول أوريئيل رايخمان، رئيس ومؤسّس معهد هرتسيليا، إنه «يبدو أن المنظومة السياسية والحزبية الإسرائيلية تعيش حال فوضى غير مسبوقة في تاريخ الدولة، ما سيترك آثاره السلبية في كل الجبهات: الداخلية والخارجية». وأضاف إن «الفوضى السياسية التي تعيشها إسرائيل سندفع أثمانها باهظة»، ولكن المؤلم حقاً أن تصير السعودية دولة عبوديّتها لأميركا وإسرائيل بدلاً من عبوديّتها لله.

باليقين المطلق أن إسرائيل على أبواب المجهول الوجودي لها بعد أن تراجعت الإدارة الأميركية أمام الاحتمالات السيّئة لها مع إيران  والمقاومة.. إيران تتحرّك من عمق التاريخ والحضارة والإسلام، وحين تلتقي هذه العناصر يولَد الإنسان وحين يتشكّل الموقف الإسلامي بهذا الثلاثي تتشكّل الجغرافيا مع التاريخ سياسياً وعقائدياً، وبالتالي تبدو الهزيمة لإيران  مستحيلة وهو مبدأ تأخذ به الحتميّة الدينية القائِلة: «إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم»، وبالتالي يبدو أن الذين تمسّكوا بالقوّة الأميركية لحمايتهم بما فيهم إسرائيل والسعودية تخلّفوا عن هذا المفهوم الأهم، وبالتالي لاهم صنعوا  الظروف ولا الظروف صنعتهم بحكّامها الذين يشبهون عرائس القراقوز، إيران تمتلك من الحسّ الحضاري و من النسيج الاجتماعي المتماسِك ما يكفيها للمواجهة، ثم إنها و انطلاقاً من قراءتها الواعية للظروف أولاً، وللتاريخ ثانياً، تصنع الحدَث، حدَث المواجهة في المواقف التي لعبت فيه الوقائع والأحداث اللعبة المؤيِّدة لرؤيتها، فأوروبا تعاني اقتصادياً وإيران بما تمتلك من موارد تبدو أوروبا في حاجة أكيدة إليها، وأيّ موقفٍ سلبي ضدّها سيخلق لها متاعب ربما تدفع إلى تصدّع الكثير من المفاهيم الاجتماعية فيها، فضلاً عن التصدّع الاقتصادي، لذلك تحاول ألا تدخل اللعبة إلا من باب التهديد ثم تتراجع حيث تحسّ أن لغة التهديد ليس لها صدّى أمام التحدّي الإيراني... فرنسا الاستعمارية  والمدافِعة عن سياستها الاستعمارية تدَّعي بأن حروبها حروب حضارية، تعرف جيداً أن كل الحروب التي خاضتها في التاريخ هي حروب خاسِرة... وأن الإمبراطور «نابوليون» نفيَ إلى «هيلانة» ومات فيها ذليلاً تحت أنظار أعدائه... فرنسا لم تجد من لعبة سياسية قذرة تلعبها بعد أن خسرت تسعين في المائة من مواقعها في العالم الخارجي، إلا التوجّه نحو لبنان والتحريض لبعض عملائها فيه ضد سوريا، و لما فشلت حاولت تركيع سوريا بتفقيس إرهابها وإرساله إليها ولكنها اصطدمت بالموقف الإيراني المؤيّد لسوريا، فذهبت تبحث لعبد الحليم خدام عن مكانٍ خارج حدودها بعد أن حاولت استخدامه كورقةٍ لتخريب الداخل السوري، وسعت بما أوتيت بدفع السعودية  وقطر نحو مزيدٍ من إرهابهما ضد سوريا، لكنها فوجئت بالموقف الروسي الصلب، أما الولايات المتحدة الأميركية فقد حاولت استخدام قاعدتها الأمامية إسرائيل ضد إيران وأدارت أكثر من عشرة اجتماعات سرّية بين مستشاريها العسكريين والإسرائيليين، لكن تبيَّن للطرفين أن إيران ليست مثل أحجار الدومينو إذا سقطت منه حجرة سقطت الباقية، بل إنها مثل الجمرة إذا خفتت ظلّ رمادها مشتعلاً، فاتّجهت نحو حلفائها تحثّهم على فعل شيء ما، لكن الكل ظلّ يخشى الدخول في لعبة الانتحار الإيراني، فإسقاط الشاه رغم الحماية الأميركية له والاستيلاء على السفارة الأميركية ثم حادثة طبس لا تزالان كليهما شاهدتين على المأساة الأميركية في المنطقة، وبالتحديد ما تلاقيه اليوم من عذابٍ في العراق وأفغانستان لا يمكن حلّ لغزه إلا إذا استعانت بإيران، هكذا يقول مؤرّخوها وعلماؤها  وسياسيوها حتى وإن تظاهر -«القابرانات»- العسكريون والسياسيون بالانتصار المزيّف.. الولايات المتحدة الأميركية لن تخوض حرباً ضد إيران و جنودها محاصَرون في العراق وقواعدها في الخليج الفارسي تحت نيران  هذا الحصار، والسؤال المحيِّر لها ولغيرها  هو هل بإمكانها إخراج جنودها أحياء منه إن هي مالت إلى الحرب أو حتى إلى فرض عقوبات من مجلس الأمن الذي تعتقد أنه مجلسها، كل الاحتمالات تقول بأن أميركا أمام التحدّي الإيراني بصلابته لا يشبه التحديات التي واجهتها في تاريخها على الإطلاق، لكن السؤال المهم الثاني هو ماذا لو أن حكّام المنطقة العربية قرَّروا الدخول مع إيران في تحدٍ ضد الغرب دفاعاً عن أوطانهم وشعوبهم..؟ بالتأكيد لن يفعل الغرب شيئاً وسيكون الوضع بداية البحث عن مفهومٍ دولي جديدٍ للوئام  وللصراع، ولكن الحكّام العرب تائهون وسط شعوبهم ويفعلون ما يؤمَرون، وبالتالي فإن على إيران أن تقاوم وألا تكون سوى عملاق الشرق القادم... إن الموت قدرٌ محتوم، وليس كثلّة من الأوهام، مع أن البعض منهم يدَّعي زورا أنه يمثل العالم السنّي كالسعودية، والأسوأ أن كل دول الخليج (الفارسي) وقعت في الخطأ القاتِل. خطر ثلاثي، «ديني، سياسي، تاريخي». لقد تم تحت الظروف السيّئة تأسيس حلف سياسي عسكري مقاوِم إلى آخر المطاف، حلف غير عدواني ولكنه غير متراجِع عن مبادئه ومواقفه تحت أيّ ضغط، وسهامه موجّهة إلى الكيان الصهيوني، المؤكَّد قولاً وفعلاً أن إيران تقود الشرق الإسلامي نحو التكنولوجية والتكنولوجية النووية غير العسكرية وباتجاه توافقي مع واقع المنطقة وتاريخها، وأميركا تحاول أن تقود الغرب نحو حربٍ شاملةٍ ضد الشرق وترفض حقّه في امتلاك ما يطلبه العصر قَصْد مواجهة تحدّياته... الصراع وإن كان في المفاهيم الغربية - وهي مفاهيم خاسِرة بالأساس – هو من أجل أمن إسرائيل،  لأن المحافظة على السلم من وجهة نظر أميركا هي أنها تخشى من إيران خوفاً على إسرائيل كما هو معلوم، وإسرائيل هي القاعدة العسكرية الأمامية لها في كل الحروب التي خاضتها و تخوضها من أجل المحافظة على مصالحها في الشرق ألأوسط ..الغرب بكامله شئنا أم أبينا يحمل الإرث الاستعماري كمبدأ مسلَّم به إن في ثقافته أو في سياسته، كما يحمل أيضاً أيديولوجية معادية للإسلام حتى وإن تظاهر بغيرها، هذه حقيقة يؤكّدها التاريخ و تؤكّدها العلاقات الاجتماعية القائمة في مجتمعاته، والقائمة على مبدأ الانشطار بين الثقافات والأديان... إن العلمانية التي يكرّسها الغرب في دساتيره هي علمانية إرهابية بالأساس، وإلا كيف نفسِّر موقفها من اللباس الإسلامي الذي حرَّمته بالنصوص القانونية، مع أن العلمانية تتيح لكل الناس في المجتمع الغربي حق الاختيار في كل شيء... في العبادة، واللباس، والثقافة، وكيف نفسِّر منع أفراد من سبع دول إسلامية  من الدخول إلى أميركا بأمرٍ رئاسي من ترامب..؟ ثم إن ما تقوم به اليوم من انحيازٍ أعمى نحو المطارَدة اللاأخلاقية و اللاقانونية للإسلاميين في مجتمعاتنا تحت مصطلح الإرهاب، هو بالأساس عنصرية تشبه إلى حدٍ بعيدٍ عنصرية محاكم التفتيش في إسبانيا في العصور الوسطى، والمهم في هذا الصراع أن إيران وقفت ضد طغيان الغرب واتّهمته بالكراهية بل بالعنصرية ضد الإنسانية، وفضحت كل المواقف الانتقائية التي يمارسها لصالح إسرائيل، ولصالح مبادئ الاستعمار ورفضت، وترفض أية مساومة على حقّها في امتلاك التكنولوجية النووية.. إن الإيرانيين ليسوا أغبياء مثل ما هي حال الأنظمة العربية في الخليج (الفارسي) والتي تشبه البقرة الحلوب، مع أنهم يعلمون إن الذي يسيِّر الكون هو وحده القادِر المقتَدِر على تصريف كل شيء، و كل شيء عنده بمقدار.. إن الاستعلاء الأميركي لن يدوم طالما أن السياسة مصالح بين الدول وليست مصلحة لدولةٍ واحدةٍ فقط.

 

 


بقلم: محمّد لواتي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 8/7808 sec