رقم الخبر: 257146 تاريخ النشر: تموز 01, 2019 الوقت: 15:29 الاقسام: ثقافة وفن  
الشيخ محمد صدوقي.. الفقيه الملتزم المضحي للإسلام
في ذكرى أحد شهداء المحراب

الشيخ محمد صدوقي.. الفقيه الملتزم المضحي للإسلام

في عام 1327 هــ، ولد لعائلة علمية في مدينة يزد ولد أسموه محمد. والده المرحوم الميرزا أبو طالب كان من العلماء الورعين في تلك الديار وكان يقيم صلاة الجماعة في مسجد محمدية المعروف بــ(حظيرة). كما كان ممن يرجع إليه الناس، ولاسيما في تنظيم عقودهم ووثائقهم ومعاملاتهم، لما كان له من سلوك حسن معهم.

جده الميرزا محمد رضا الكرمانشاهي كان أيضاً مرجعاً لحل مشكلات الناس ومن علماء منطقة سفح كوير الكبير. وهو بدوره ابن المرحوم الآخوند ملا محمد مهدي الكرمانشاهي الذي نفاه فتح علي شاه القاجاري إلى يزد وتوفي هناك عام 1236 هــ. فقد محمد أباه في سن السابعة وأمه في التاسعة. 

وتحت رعاية ابن عمه المرحوم الميرزا محمد الكرمانشاهي، أخذ بدراسة علوم الدين، حيث درس كتابي اللمعة والقوانين في مدرسة عبد الرحيم خان في يزد، وتزوج في سن العشرين من ابنة عمه. وفي عام 1348 هــ قصد أصفهان وحوزتها العريقة لمواصلة الدراسة فيها، فسكن في مدرسة جهارباغ (الإمام الصادق حالياً)، وهي من المدارس الجميلة المتبقية من العهد الصفوي.

 ومن حوادث ذلك العام، شتاؤه القارص الذي اضطر الشهيد بسببه إلى مسيرة شهر على الأقدام عن طريق قمشه وآباده لكي يعود بمشقة إلى يزد. وبعد سنة قضاها في بلدته يزد، هاج به هوى السفر إلى قم وحوزتها العلمية التي كان قد أسسها حديثاً آنذاك سماحة الشيخ الكبير عبد الكريم الحائري. وهكذا شد الرحال إلى مدينة الجهاد والاجتهاد. والشهيد نفسه يذكر أن تاريخ سفره إلى قم كان في عام 1349 هــ وأنه لبث فيها واحداً وعشرين سنة.

 كانت إقامته في قم قد تزامنت مع السنة السادسة للحكم الاستبدادي لرضا خان الذي شدد هجماته على علماء الدين؛ فقد كان ذلك في وقت ينشر فيه أزلام رضا خان الرعب بين الناس، ويعتبرون ارتداء لباس العلماء جريمة، ويمنعون المجالس الحسينية، ويضيقون بشدة على مؤسس الحوزة، ويجبرون الناس على ارتداء السترة والبنطلون والقبعة البهلوية. فرضا خان كان قد تخلى في حينها عن التظاهر بالقدسية وكشف عن وجهه الحقيقي.

وبعد مدة في قم، أخذ الشهيد يحضر درس الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري الذي أخذ بدوره يهتم به ويعتمد عليه، الأمر الذي جعل الطلاب يرجعون إليه في حل مشكلاتهم. وبوفاة آية الله الحائري في عام 1355هــ من بعد قضية نزع حجاب النساء الإجباري في إيران، تنفس رضا خان الصعداء ليستغل الفراغ الذي حصل في المرجعية ويضيق الخناق على علماء الدين، بحيث آل الأمر إلى يأس الجميع ولجوئهم إلى الدعاء والتوسل. يقول الشهيد صدوقي نفسه: «ضاق الأمر على أهل العلم، فجرت بعد ذلك ابتهالات من بعض أهل العلم، وكان ذلك مؤثراً جداً. كانت الدراسة في حينها صعبة جداً، لأن قم لم يكن فيها مرجع، ذلك أن مرجع التقليد كان المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني وكان يقيم في النجف».

 وبعد رحيل مؤسس الحوزة العلمية في قم، كان آيات الله الثلاث في قم آنذاك السيد محمد تقي الخوانساري (1295- 1371هــ) والسيد صدر الدين الصدر (1299 – 1377 هــ) والسيد محمد الحجة الكوهكمري (1310- 1373 هــ) يتبادلون لسنوات مشاق إدارة الحوزة العلمية. وكان آية الله صدوقي يسارع إلى إعانتهم بكل همة ونشاط:

 «بعد وفاة آية الله الحائري، وقع الكثير من أعباء الحوزة على عاتقنا، فبالإضافة إلى تولي شؤون المدارس كان توزيع رواتب الطلاب تحت إشرافنا أيضاً».

 وإلى جانب إدارة شؤون الحوزة والدراسة لدى الآيات الثلاثة، كان هو بدوره أيضاً يعطي دروس مرحلة السطوح التي استقبلها الطلاب الشباب لما كان يتمتع به من بيان جميل وحافظة قوية ومحضر لطيف، بحيث إن أغلب الفضلاء والمدرسين في الحوزة العلمية اليوم يذكرون دروسه الجميلة في شرح اللمعة وغيرها من دروس مرحلة السطوح.

 كان اندلاع الحرب العالمية الثانية وهروب رضا خان قد نفخ روحاً من الحرية وكسر ظلال الاستبداد. في تلك الأعوام، استعادت الحوزة العلمية في قم نشاطها وأدت الجهود التي كان يبذلها الآيات العظام إلى تزايد عدد الطلاب.

 ومنذ دخوله قم، اجتذبت آية الله صدوقي صداقة الإمام الخميني بحيث كان كل منهما يشارك في مجالس الآخر.

عودته إلى يزد

 بقي آية الله صدوقي إلى عام 1330هــ.ش يمارس التدريس ويطلب العلم ويقوم على خدمة الطلاب تحت ظل زعيم الحوزة العلمية، كما كان في أيام فراغه يمارس الزراعة في منطقة عباس آباد ليعيش بعرق جبينه، إلا أنه أخيراً وعلى أثر إصرار الناس والعلماء في يزد وخاصة العالم الفذ المرحوم السيد علي محمد الوزيري، وكذلك البرقيات العديدة التي أرسلت إلى آية الله البروجردي وغيره من المراجع، عاد آية الله صدوقي إلى يزد على الرغم من الموقع الممتاز الذي كان له في قم، ليستقبله الناس هناك بحفاوة لا نظير لها؛ «حمله الناس على أكتافهم تقريباً مسافة ثمانية كيلومترات، وكلما دخل مدينة أو قرية أهلها». 

جهوده العلمية والثقافية في يزد

وبدخوله يزد، بدأ آية الله صدوقي بإعطاء الدروس وتقديم الخدمات العمرانية والثقافية. وكانت خدماته قد بلغت حداً شبهه بعضهم بالخضر(ع)، لما قيل من أن الخضر أينما كان يجلس كان يونق المكان به ويخضر، وآية الله صدوقي أيضاً، أينما حل ترك آثار خير وباقيات صالحات يذكر بها. 

تواجده في الساحة بعد الثورة

بانتصار الثورة في الثاني والعشرين من بهمن عام 1357، تحرك آية صدوقي من يزد إلى مجلس الخبراء من أجل كتابة دستور الجمهورية الإسلامية. فأبدى هناك بعداً آخر من شهامته وشجاعته في كتابة بند ولاية الفقيه.

وفي فاجعة الزلزال في خراسان، هرع بأمر من الإمام على رغم كبره إلى مساعدة المصابين، ليكون بوجوده مرهماً لجراحات من عانى هناك. 

الشهادة

 وكتب: «الفكر الذي بني أساسه على دم علي وأمثاله، لا بد أن يسقى بدم المدني وأمثاله...».

 وكتب عند شهادة رفيق دربه الثاني يقول: «وا إماماه! لقد أدرك شعبنا في مدرسة الحسين كاملاً أن موت رجل كآية الله دستغيب في فراشه قليل في حقه».

 كما كتب: «وكلنا كان ولايزال على استعداد لقضايا من هذا القبيل»، حتى أعلن فجأة في يوم صيف قائظ من صوت الجمهورية الإسلامية في إيران عن خبر ثاكل بالشكل التالي: «نسترعي انتباه المستمعين الكرام، نسترعي انتباه المستمعين الكرام؛ بلغنا بكل أسف أنه في الساعة الواحدة والنصف تقريباً من بعد ظهر اليوم (الجمعة الحادي عشر من تير1361) استشهد العالم الرباني والمجاهد الذي لم يعرف الكلل آية الله صدوقي، نصير الإمام والأمة وممثل الإمام وإمام جمعة يزد بفم صائم في محراب صلاة الجمعة...».

 أجل، بعد لحظات من انتهاء صلاة الجمعة، أغلق آية الله صدوقي في سن الخامسة والسبعين ملف حياة ملؤها الزهد والسعي والخدمة والجهاد والكفاح، ليأخذ طريقه بالشهادة إلى حياة أبدية خالدة في جوار رحمة الله.

وقال الإمام الخميني: «من أولى بالشهادة، في عصر يهدد فيه الاستكبار العالمي ومن استخلفه في الداخل والخارج الإسلام العزيز، من شهيدنا الكبير والفقيه الملتزم المضحي للإسلام الشهيد صدوقي العزيز رضوان الله تعالى عليه. شهيد عظيم حضر ساحات الثورة كلها وكان عوناً للمحتاجين والفقراء. كان يقضى وقته الثمين في نصرة الإسلام وإزالة العوائق عن طريق الثورة، منهمكاً في خدمة الشعب والثورة».

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 20/8497 sec