رقم الخبر: 256231 تاريخ النشر: حزيران 21, 2019 الوقت: 15:03 الاقسام: مقالات و آراء  
ما هِي مفاجآت الأيّام المقبلة؟

ما هِي مفاجآت الأيّام المقبلة؟

عندما يرتفع سِعر برميل النّفط في البورصات العالميّة بأكثر من 6 بالمئة في دقائقٍ معدودةٍ بعد إطلاق الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب تغريدة تهديديّة أكّد فيها “أن إيران ارتكبت خطأً جسيماً بإسقاطها طائرة تجسّس أمريكيّة مسيّرة فوق مضيق هرمز، وعندما تعلن القيادة الإيرانيّة حالة التأهّب القصوى في صفوف جميع قوّاتها، فإنّ هذا يعني أنّ احتمالات المواجهة الأمريكيّة الإيرانيّة، محدودةً كانت أو موسّعةً، باتت أكبر من أيّ وقتٍ مضى وأقرب.

إذا كان الإيرانيّون ارتَكبوا خطأً جسيماً بإسقاطهم الطائرة الأمريكيّة، فإنّ الأمريكان ارتكبوا خطأً أكبر جسامةً، وأساؤوا تقدير موقف خصمهم الإيراني، وردوده المتوقّعة، عندما أقدموا على إرسال هذه الطائرة، وفي منطقة حسّاسة وملتهبة تشهد توتّراً غير مسبوق، وحرب ناقلات وقصف لمطارات ومحطّات مياه وكهرباء في عمق أراضي الحلفاء.

الحرس الثوري الإيراني أعلن أنّ صاروخ أرض جو أسقط طائرة تجسّس أمريكيّة بدون طيّار اخترقت الأجواء الإيرانيّة فوق مضيق هرمز، وأعلن اللواء حسين سلامي، قائد الحرس إنّ اختراق الأجواء الإيرانيّة خط أحمر، وأنّ بلاده ترفض الخطوات الاستفزازيّة التي تمس سِيادة البِلاد، وبغَض النّظر عن الجِهة التي تقِف خلفها، والتّفسير الوحيد، والأقصى لهذا التّهديد، أنّ المَخفي أعظم، والقادِم أكثر شراسةً.

مِن الواضِح أنّ القِيادة العسكريّة الأمريكيّة التي حشدت حامِلات طائرات وعشَرات السّفن الحربيّة في منطقة الخليج (الفارسي) اعتقدت أنّ الحرس الثوري الإيراني لن يتصدّى لهذه الطّائرة التي اختَرقت الأجواء الإيرانيّة، تماماً مثلما امتنعت قواته عن الرّد على غارات إسرائيليّة قصفت مواقع عسكريّة لها داخل الأراضي السوريّة، أو أن تكون هذه الطائرة أرسِلت كبالون اختبار لقِياس رد الفعل الإيراني، أو لاستِفزاز إيران ودفعها إلى إسقاطها بحثاً عن ذريعةٍ لإشعال فتيل الحرب، ولا نستبعِد أيّ من هذه الاحتِمالات.

هناك فارقٌ كبيرٌ في رأينا بين انتِهاك السيادة الجويّة الإيرانيّة فوق مضيق هرمز، وفي محافظة هرمز كان جنوب إيران، وبين قصف هدفاً إيرانيّاً في حمص أو حماة أو اللاذقيّة في الأراضي السوريّة حيث لا يتعلّق الأمر بالسّيادة الإيرانيّة وإنّما بالسّيادة السوريّة، حيث يتّسم الوجود الإيراني بالثّانوي والمساعد، فالمسألة مسألة أولويّات وكيفيّة ترتيبها في نِهاية المطاف، وهناك تكامل في الحالين.

من الواضِح أنّ قرار إسقاط الطائرة الأمريكيّة فجر امس الاول لم يكن قراراً مفاجئاً، وإنّما في إطار استراتيجيّة تبنّتها القِيادة العسكريّة قبل أشهر عنوانها الأبرز والأهم  التصدّي لأيّ طائرة أو دبّابة أو صاروخ ينتهك الأراضي والأجواء الإيرانيّة، سواء كان هذا الانتِهاك أمريكيّاً أو إسرائيليّاً، أيّ أنّ الأصبع كان موضوعاً على الزّناد في انتظار هذا الاختِراق.

الرئيس ترامب قال في تصريحاتٍ للصّحافيين إنّه لا يستبعد ردّاً أمريكيّاً عندما سئِل عن موقفه إزاء إسقاط الطائرة المسيّرة، وقال “ستعرفون قريباً” ولكنّه لم يحدّد طبيعة هذا الرّد أو توقيته.

ندرك جيّداً ومنذ اللّحظة الأولى لوصول أنباء إسقاط الطائرة الأمريكيّة أنّ أمريكا، والرئيس ترامب على وجه التّحديد، لن يبتلع هذه الإهانة الإيرانيّة بسهولةٍ، وسيصدر أمراً إلى قيادته العسكريّة بالرّد الفوري، ويظل السؤال ليس متى سيكون هذا الرّد، فقد يحدث في أيّ لحظة، وإنّما كيف سيكون هذا الرّد وأين؟

هناك عدّة أماكن مرشّحة لكيّ تكون هدفاً للرّد الانتقامي الأمريكي مِثل مطارات أو سفن أو مواقع عسكريّة في العمق الإيراني في المرحلة الأولى على الأقل، الأمر الذي يطرح سؤالاً آخَر يتفرّع عن السّؤال الأوّل وهو كيف سيكون الرّد الإيراني على الرّد الأمريكيّ في هذه الحالة: الصّمت وامتِصاص هذا العدوان والقبول بالمساعي الدوليّة التي ستتكثّف سعياً للتّهدئة ووقف إطلاق النّار، أو أنّ ستبادر إيران بردٍّ أقوى مِثل قصف سفن وحاملات طائرات وقواعد أمريكيّة في مِنطقة الخليج (الفارسي)؟

لا نملك إجابات لهذه الأسئلة الافتراضيّة، ولكن ما يمكن أن نتكهّن به، سواء من خلال ما يتوفّر لنا من معلوماتٍ، أو من خلال قراءة ما بين سطور الأحداث، أن المِزاج القِيادي الإيراني ليس مزاجاً استسلاميّاً، ولا نستغرِب ردّاً مؤلماً وموجعاً للطّرف الأمريكيّ المعتدي، اللهمّ إلا إذا حمل الوسطاء الدوليين عرضاً برفع الحِصار وعودة أمريكا إلى الاتّفاق النووي الذي انسحبت منه، وهذا احتمال يظل ضئيلاً في ظِل المناخ العام المتوتر حاليّاً.

حلفاء أمريكا الإسرائيليّون والعرب المرعوبون من إيران وأذرع حلفائها العسكريّة الصاروخيّة الضّاربة، استغلّوا غباء الرئيس ترامب وورّطوا أمريكا في خوض حرب ستخرج منها مثخّنة الجِراح، وبخسائر عسكريّة وماديّة ومعنويّة باهِظة التّكاليف، وتتواضع أمامها نظيراتها في العِراق وأفغانستان وربّما فيتنام أيضاً.

احتِلال أمريكا للعراق لم يزله من الخريطة، وغزو أمريكا لأفغانستان، وتغيير النّظام فيها لم يمنع عودة حركة طالبان أقوى من قبل، وسبعة سنوات من الحرب والقصف والمؤامرات في سورية جاءت بنتائج عكسيّة تماماً، وأزَمات المتدخّلين باتت إضعاف أزَمَة النّظام الذي أرادوا تغييره، إيران ستبقى مكانها، ولكن هل ستبقى أمريكا في المِنطقة؟ وكيف سيكون حال حلفائها العرب والإسرائيليين؟

السّاعات المقبلة ستكون عصيبةً ومتوتّرةً، وحافلةً بالمفاجآت، ولا نستبعِد اندلاع شرارة الحرب الكبرى التي قال السيّد حسن نصر الله في آخِر خِطاباته أنّها لن تكون محصورةً داخِل الحدود الإيرانيّة فقط، وستَحرِق المِنطقة بأسرها.

الإيرانيّون لن يتركوا حِصارات ترامب، ومنع صادِراتهم النفطيّة تقتلهم جوعاً ومهانةً وإذلال، وهذا ما لم يفهمه الرئيس الأمريكي، ولن يفهمه حتّى يشاهد كيفيّة رد هؤلاء وآثاره على قوّاته وسفنه وقواعده ومدن حلفائه ومطاراتهم ومحطّات مياههم وكهربائهم.

تخيّلوا فقط انقِطاع الكهرباء في صيفٍ خليجيٍّ قائِظٍ تصِل درجة الحرارة فيه إلى 55 درجة مئويّة في الظّل، وأحوال أناس يعيشون في عمارات زجاجيّة تتحوّل إلى أفران.. فقط تخيّلوا.. والأيّام بيننا.

 

 

 

 

بقلم: عبد الباري عطوان  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: رأي اليوم
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/4202 sec