رقم الخبر: 255759 تاريخ النشر: حزيران 16, 2019 الوقت: 12:34 الاقسام: ثقافة وفن  
السخرية في سياقها النقدي الجمالي والأخلاقي التربوي
ضرورة أدبية حين لا ينفع الجد والصرامة

السخرية في سياقها النقدي الجمالي والأخلاقي التربوي

السخرية، تلك التي في موضع ما طبع مذموم، ومنهي عنها في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ.. الآية) (الحجرات:11)؛ تكون مستعملةً وبقوة في بعض أساليب القرآن الكريم، التي تثير الدهشة، والضحك: (..فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث..) (الأعراف: 176).

من هنا ندرك الفرق بين السخرية في سياقها النقدي الجمالي، والسخرية في سياقها الأخلاقي التربوي.

إن غايةً مثل غاية النقد لحالة ما، أو اتخاذ موقف احتجاج، أو الإضحاك لتحقيق المتعة الأدبية، أو حتى غاية التوبيخ والتهكم من وضع فاسد؛ تعطي السخرية بوابةً للدخول والقبول في الخطاب الأدبي، حينها ينتفي معنى الذم في استعمالها، بمعنى آخر تصبح السخرية ضرورة أدبية حين لا ينفع الجد والصرامة في علاج أوضاعنا المختلفة.

وبالتأكيد ليس الاستنقاص وحده، والتعيير الشخصي، وإلحاق الضرر النفسي والاجتماعي بالآخرين؛ من السخرية المحببة، وإن انطوى على أسلوب أدبي؛ لأن ذلك خلاف للأخلاق والقيم النبيلة، وعليه فلا بد أن تكون دوافع السخرية موضوعية، وليست شخصية نتيجة أمراض نفسية وخلقية.

الجاحظ خير مثال على السخرية في أدبنا القديم، أما في العصر الحديث فكثر، منهم: محمود السعدني، ومحمد الماغوط، وزكريا تامر.. على اختلاف غاياتهم من السخرية، ويأتي الكاتب والشاعر زكي السالم ليلتحق بركب هؤلاء بكتابه (يوميات من أدب الرحلات):

أدب الرحلات وثيقة تاريخية جغرافية مهمة في تدوين ما لم تدونه كتب التاريخ، وبخاصة تاريخ الشعوب وعاداتهم الاجتماعية، ولكن أن تُكتب هذه الرحلات كتابة ساخرة في معظمها، متخففة من دسومة التوثيق التاريخي الجغرافي، فهذا ما لم أجده في كتب الرحلات بحسب اطلاعي.

من هنا يكسب الكتاب قيمته الفنية، وينفرد بها. فالكاتب لم يضع تاريخاً لسفرياته؛ إلا أننا نستشف بعضها في ثنايا الأحداث.

ورد في الحديث النبوي بأن «السفر قطعة من العذاب»، ولكن السفر عند زكي قطعة من البهجة والتسلية، فقديماً كانت المعاناة حقيقية وشاقة جداً، بدءاً من المواصلات والتغرب ومكابدة المسافات وطوارق الليل والنهار، والعذاب النفسي: الحنين والخوف والترقب؛ أما اليوم فالوضع مختلف تماماً، فإنسان اليوم يسافر غالباً للترفه والتنزه والسياحة في جنان الأرض، وأنهارها، ووجوهها الحسنة، وإن خالطه تعب فهو لا يقارن بالماضي.

إذا أردنا تحديد نوع السخرية، فالأقرب أن نقول سخرية الفكاهة، لأن الفكاهة تعني «الميل لخبرات معرفية محددة بغرض إثارة الضحك والتسلية» (موسوعة ويكيبيديا). ولم تذهب السخرية فيما دونه كاتبنا إلى أبعد من ذلك، وكما قال عبد الفتاح كيليطو: «عند كل كاتب رغبة في الإضحاك، حتى وإن لم يعلن ذلك صراحة. إنها طريقة في فتنة القارئ وإغرائه، وليس من السهولة أن تحظى بابتسامة القارئ» كيليطو.. موضع أسئلة/ أمينة عاشور، ص 111.

الروح الساخرة لدى كاتبنا هي الأساس، وقد تسربت إلى يومياته بخفة ورشاقة، فهي التي تحرك لغة الكتابة، وتفجر منابع الضحك فيها، وقد وظف الكاتب حسه الفكاهي عفو الخاطر في ثنايا الكتاب مستمتعاً وممتعاً، وهذه العفوية جاءت من شخصية الكاتب على أرض الواقع التي لا تخلو من الدعابة حيث يلمس هذا من يخالطه عن قرب.

لنا أن نسأل: ما السر في الضحك؟ لماذا يضحك المرء؟

أتصور أن الأمر يكمن في المفاجأة والصدمة، فعادة نضحك لأن الحدث أو الكلام وما شابه؛ خلاف ما توقعناه، وخلاف المنطق والطبيعة والمألوف بأسلوب فيه خفة دم، واللعب على هذه الأشياء يعد فناً بحد ذاته له تجلياته وأصحابه الذين لهم القدرة على خلق الضحك من الشيء واللاشيء، من هنا سنقف على تجليات الضحك لدى كاتبنا السالم في دراسة نقدية وصفية.

أولاً: اللغة

وهي أساس التعبير بالنسبة للأديب، وهي المادة الأولى التي يبدأ، ويشكل بها نصه، كما يذهب إلى ذلك النقاد.

فكيف تعامل كاتبنا معها؟ هل وقف بها عند حد التعبير كوسيلة إيصال؟

يفتتح يوميات كل سفرة بمقدمة أشبه باستهلال المقامات، ولا تخلو من طريقته العجيبة في المزج بين لغة الكتابة الأدبية الراقية، والأساليب الساخرة. وتتضح لنا تقنيات اللغة في صناعة السخرية من خلال أدوات الكاتب وطرقه التالية:

أ‌- اللهجة المحلية

لغة السرد إلى حد ما لغة واضحة لا تعقيد فيها، تنقل لنا الأحداث بعبارات مهولة إلى حد ما، إلا أن المفاجأة غير المتوقعة هي دخول اللهجة المحلية على الخط، وبشكل ينافس اللغة الفصحى، وهذا اللجوء لم يكن اضطرارياً أو عجزاً في التعبير بالفصحى، بل كان التفاتاً لما هو أوقع في نفس السامع من أجل الإضحاك، فالكاتب يعتمد في سخريته كثيراً في توظيف المفردة، والعبارات المحلية الضاربة في خصوصيتها، تلك التي لا يكون الموقف الساخر معبراً إلا بها، فلو استبدلها بكلمة فصحى لم تكن لتأخذ هذا الدوي من الإضحاك، والإثارة، لما لها من إيحاءات قريبة جداً من عامة الناس، من هنا يؤكد الكاتب على حيوية الكلمة المحلية في كسر رتابة وجدية الفصحى التي قد لا يتفاعل معها الكثير من القراء، علماً بأن اللهجات المحلية لها جذور فصحى لو دققنا في اشتقاقاتها، وبحثنا لها عن شواهد بين قبائل العرب.

ب‌- التلاعب والعبث

التلاعب بالألفاظ، وهو لعب لغوي قائم على مفاجأة القارئ بكسر مسيرة لغة النص من التعبير العادي إلى جهة لم يتوقعها، فالكاتب يلتقط من بعض الكلمات ما يشبع نهمه الفكاهي في بعض أسماء المناطق مثل شرم الشيخ: «قلت شرم الشيخ بمصر.. منها نتطمن على (الشيخ) ومنها (نتشرم) لنا شوي، فاعترض لقدحه بعدالة الشيخ..»، وقد يستحضر المعجم المصري في طريقة شرح بعض المفردات كجزء من اللعب عليها خذ مثلاً في شرحه لمعنى مدينة (باكو) حين يتجنب الشرح العلمي الصحيح والاجتهاد في البحث، فيعمد إلى ما يخطر في ذهنه من تشابه في الألفاظ يقول: «(باكو) عاصمة أذربيجان... لا أعرف ما تعني بلغتهم ولا بلغتنا- ولكنها تعني بالمصرية الألف الذي يعد واحداً على ألف من (الأرنب) والأرنب يشكل بجوارحه (مليوناً)...».

ثانياً: الحوار

يأتي الحوار بحسب ما يتطلبه من نقل أحاديث عابرة وما شابه، ولكنه في بعض المواضع يأتي موظفاً توظيفاً قصصياً ساخراً بطريقة عجيبة كما في حوارية ما قبل سفرهم إلى تركيا الذي أسميه الحوار الحائر الساخر، حيث تكون الحجج مزيجة بين الجد، والهزل، وهم يتنقلون من اقتراح بلد إلى آخر.

ثالثاً: الصورة

وتتجلى في المبالغة والتضخيم، والتشبيهات غير المتوقعة، وكأنه يريد بذلك جعل القارئ متيقظاً إلى آخر صفحة بمفاجآت من الصور تلك التي تستدعي الغرابة والضحك، فمثلاً نمر بـ: «..بدأ يخاطبني بصيغة الجمع حتى توهمت أنه يعظمني، وحين تحققت الأمر اكتشفت أن الرجل يراني ثلاثة في واحد كأني شامبو.. إلخ»، أو «كأن طائفاً من الـ(بف باف) غشينا»، هذه التشبيهات وغيرها لا يمكن للقارئ أن يتوقعها، فالكاتب يصطاد مشبهاً به ليس لأنه غير مستهلك في البيان العربي، بل لأنه أقرب لاصطياد النكتة في تشبيه الأشياء، وهنا سر الضحك، ويأتي التشبيه للمبالغة زيادة في الإضحاك، ورسم صورة كاريكاتورية مثل قوله: «وقد أصبح لعابي كشلالات نياجرا»، ويتجاوز بالصورة إلى رسم مشهد فكاهي مستفيداً من مواده في أرض الواقع كما في حادثة «العامل المليف بالحمام في تركيا» حيث نقف على مشهد من مشاهد ابن الرومي في تصويره للشخصيات.

فالمخيلة إذن لدى كاتبنا هي منبع أساس للسخرية.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/7328 sec