رقم الخبر: 255314 تاريخ النشر: حزيران 11, 2019 الوقت: 14:57 الاقسام: مقالات و آراء  
صفقة القرن: سقوط يتهيأ وتداعيات تعقبها؟

صفقة القرن: سقوط يتهيأ وتداعيات تعقبها؟

قد يكون تراءى للبعض خاصة من أولئك الذين يؤمنون ويتصرفون على أساس ان إرادة اميركا وقرارها قدر لا يرد، ان يكون تراءى لهم ان سعي اميركا لتصفية القرار الفلسطينية عبر ما اسمي "صفقة القرن" بات امرا نهائيا مؤكدا وان مواجهته ستكون عقيمة فاشلة.

وقد غاب عن هؤلاء ان إرادة الشعوب إذا فعلت تبقى هي الأقوى، غاب عنهم ان مساعي كثيرة لطمس جريمة اغتصاب فلسطين خلال الأعوام السبعين الماضية لم تنجح في تحقيق المراد، وبقيت القضية الفلسطينية عند الامتين   العربية والإسلامية واحرار العالم القضية المركزية الأولى التي يتم التمسك بها ويرفض تصفيتها مع سعي دائم الى إعادة الحقوق الى أصحابها، ولا يغير من هذه الحقيقة خيانة بعض الأنظمة الرسمية لهذه القضية وارتهانها للعدو الإسرائيلي واميركا.

واليوم ومنذ ان صعد ترامب الى كرسي رئاسة الولايات المتحدة الأميركية ويتصاعد الحديث عن قضية فلسطين وتصفيتها الى ان عبر عنه بعنوان "صفقة القرن"  التي تختصر بإعطاء فلسطين كلها لإسرائيل واعتبارها وطنا قوميا لليهود وتوطين الفلسطينيين المهجرين من ارضهم  حيث هم خارجها و بخاصة في سيناء والأردن ولبنان واقامة نظام إقليمي ذو طبيعة مركبة سياسية أمنية  اقتصادية  بإدارة إسرائيلية و قيادة ورعاية أميركية، عملية تتم بتمويل عربي مع بعض الدعم الطفيف من اميركا وأوروبا اليابان.

وفي التنفيذ، تم اعتماد سياسة القضم المتدرج و الابتلاع لقمة لقمة، فكانت مواقف اميركا من مسالة القدس و اعلانها عاصمة للكيان الصهيوني ثم مسالة اسقاط صفة المحتل عن كل ارض تحتلها إسرائيل الان، ثم اعتبار الجولان جزء من اسرائيل ثم التضييق على وكالة غوث اللاجئين لتصفيتها و اسقاط  مصطلح لاجئ فلسطيني من التداول لاسقاط حق العودة، ووصل قطار التنفيذ الان الى  بناء النظام الدولي لتمويل الصفقة ,ولأجل هذا كانت الدعوة الى ما اسمي "ورشة البحرين"، من اجل "الازدهار و السلام أي  ازدهار إسرائيل و سلامها .

هذه المشهدية والتسلسل المتتابع للخطوات التنفيذية اقنعت البعض كما سبق القول، بان صفقة القرن في طريقها الواثق للنجاح الأكيد... فهل هذا الظن أو الاعتقاد في محله؟ ... وهل يمكن الركون الى هذه العناصر للقول بنجاح القرار الأميركي بتصفية القضية الفلسطينية، وتنفيذ الخطة المسماة صفقة القرن؟

ان البحث في المقلب الاخر، و تجميع العناصر و تحليله، يؤدي الى نتيجة مغايرة للتسليم المتقدم  ذاك و يقودنا الى القول بان اميركا تعمل للتصفية مع إسرائيل ومعها  بعض أنظمة العرب الرسمية لكن هناك كتلة كبرى مقاومة لهذه الصفقة تملك من القدرات و المكانة و تتمتع بمزايا من شانها ان تعرقل التنفيذ أولا و ان تسقط الصفقة ثانية، و قد بداة هذه الكتلة الممانعة المقاومة باتخاذ المواقف التي تنبئ بان تهيئة بيئة اسقاط صفقة القرن قائمة على قدم و ساق لا بل ان الاعتقاد بسقوط الصفقة بات اقوى بكثير من الظن بإمكان نجاحها و يمكن ان يبرر هذا الاعتقاد بفشل اميركا الأكيد في خطتها الاجرامية بما يلي:

1- اجماع فلسطيني محكم وشامل على رفض التنازل عن الحقوق الوطنية في فلسطين بشتى وجوهها بما في ذلك حق العودة وحق تقرير المصير وحق إقامة الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة والناجزة الاستقلال هذا الرفض يعني بكل بساطة: الزواج لن يحصل إذا كان العريس او العروس رافضة. فالفلسطينيون هم الطرف الأول والأساسي في الصفقة لأنهم هم أصلا أصحاب الحقوق المنوي تصفيتها وشطبها.

2- رفض دولي وإقليمي للصفقة مع تمسك بما نصت عليه القرارات والمبادرات السابقة بحل الدولتين. اذ رغم كل ما يقال عن سيطرة أميركية على قرارات الأمم المتحدة و مجلس الامن فيها فان هناك متغيرات دولية جعلت مجلس الامن يتفلت من هذه السيطرة نوعا ما مع وجود فيتو صيني روسي فاعل بوجه اميركا، و قد رفضت كل من روسيا و الصين  الخروج على الشرعية الدولية في مسالة فلسطين ما يعني عدم السير بصفقة القرن و الامر ذاته ظهر في منظمة التعاون الإسلامي التي اكدت على هذه الشرعية ورفضت التنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية ثم كانت اغلبية المواقف الدولية بما في ذلك الأوربية التي تختصر بعبارة و جوب احترام الشرعية الدولة او قول الأخرين "لا نقبل بما يرفضه الفلسطينيون" عبارة كافية للقول بان هناك عقبة دولية كبرى امام الصفقة.

3- الوهن و الضعف المستشري في بنية اطراف الصفقة: من المعروف ان الصفقة ارسيت على قوائم ثلاث ترامب و نتنياهو و محمد بن سلمان، و هؤلاء الثلاثة يعانون اليوم من حالة وهن تستشري في أوضاعهم و تمنعهم من التحرك الامن لتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى بحجم صفقة القرن، حيث نجد ترامب في وضع مهتز داخل اميركا مع شحذ وشهر سيف العزل بوجهه إضافة الى انه أصلا يستعد للدخول في السنة الأخيرة لولايته وهي سنة الانتخابات ونتنياهو تعثر في تشكيل الحكومة ما اضطره للذهاب الى انتخابات مبكرة غير مضمونة النتائج والأخير يغرق في وحول اليمن و يخسر المواقع العسكرية في جيزان وتتعرض مرافقه النفطية لتهديدات جدية تجعله في وضع يتنافى مع مستلزمات اطلاق صفقة استراتيجية كبرى .

4- عجز معسكر العدوان على سورية من احتواء الخسارة فيها وتحييد سورية عن الهم الإقليمي العربي الأساسي. حيث ان سورية استطاعت بعد عظيم الإنجازات التي تحققت في معركة الدفاع عن نفسها، استطاعت مؤخرا ان تفشل حرب الاستنزاف التي جرت اليها وان تنطلق وبثبات واضح في معركة تحرير ادلب المعركة التي تجهض استراتيجية أميركا (إطالة امد الصراع) وتسرع في استعادة سورية دورها الاستراتيجي العربي والإقليمي في المحافظة على حقوق الامة عامة والفلسطينيين خاصة وقد اثبتت التجارب السابقة ان لا حل ولا سلام ولا هدوء في المنطقة ان لم يقترن بتوقيع سوري وسورية ترفض صفقة القرن علانية ووضوحا.

5- اشتداد التماسك في محور المقاومة وتنامي قدراته المختلفة بما في ذلك العسكرية والسياسية، وعلى هذا الصعيد يسجل امران الأول بنوي وفيه عودة بعض الفصائل الفلسطينية التي اختارت الطريق الخطأ خارج المحور، والثاني التوسع الجغرافي والعسكري لمحور المقاومة وقدرته على ممارسة الحرب الشاملة الواسعة التي يعجز العدو عن انهائها، والمعروف المؤكد عليه ان محور المقاومة وفي ظل اجماع فلسطيني على رفض الصفقة سيكون في خدمة هذا الاجماع لمنع تمرير الصفقة. 

6- احجام مصري أردني عن منح التسهيلات التنفيذية التي تتطلبها الصفقة ومن المعروف ان على الدولتين اعباء يشترط القيام بها لإنجاز الصفقة، فعلى مصر ان تعطي ارضا في سيناء وعلى الأردن ان يفتح باب التوطين لمليوني فلسطيني وان يراجع نظامه السياسي ليصبح الأردن بمثابة الوطن البديل. وكلا الامرين مرفوضان من قبل أصحاب العلاقة كما يبدو.

لكل ما تقدم نكاد نقول ان المشهد بات محبطا لأميركا وأتباعها، ولا يشجع على القول بان نجاح الصفقة امر مضمون، لا بل العكس تماما نقول ان المشهد يكاد يقطع بفشل الصفقة، قول يعززه أيضا ان وقت صاحب المشروع واطرافه قد ضاق كثيرا، فترامب يستعد في الخريف المقبل لأطلاق سنة الانتخابات الرئاسية مع ما يستلزم انشغاله بها ونتنياهو مضطر لخوض انتخابات مبكرة في أيلول أيضا ما سيحرمه من بذل الجهد والقدرة على القرار للعمل من اجل الصفقة المترنحة ولهذا نرى انه من المجدي النظر الى المستقبل وفيه فشل الصفقة المرتقب، وتوقع بعض التداعيات لفشلها خاصة في:

أ‌- الأردن: الذي سيضطر الى إعادة النظر في الكثير من المواقف والسياسيات الخارجية والداخلية وان يكون اقل تبعية لدول الخليج (الفارسي) التي دعمت الصفقة على حساب الكيان الأردني ومصالحه.

 ب‌- لبنان الذي سيؤدي به فشل الصفقة الى إعادة النظر بخطة التجويع للتركيع ثم المقايضة مع التوطين وقد تكون خطة سيدر وموازنة التقشف المبحوث المطروحتين من ضحايا فشل صفقة القرن.

ت‌- سورية التي سيرتد فيها فشل الصفقة على خطة اميركا الرامية الى إطالة الحرب والتمهيد للتقسيم وإذا عطف الامر على العناوين الأخرى المتقدمة الذكر أمكن القول بان تسارع عمليات انهاء الازمة السورية سيكون منطقيا.

ث‌- فلسطين وهي الأساس وان اهم ما سيسجل فيها تبريد في العلاقات الداخلية بين الأطراف الفلسطينية مع تعثر ضم الضفة وسقوط خطة تهجير فلسطينيي ال 48.ومراجعة لبعض سياسات السلطة تجاه إسرائيل .

 

 

 

 

 

بقلم: العميـد امين محمد حطيـط  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/8360 sec