رقم الخبر: 254962 تاريخ النشر: حزيران 08, 2019 الوقت: 14:32 الاقسام: مقالات و آراء  
أميركا - ايران حرب لا حرب!

أميركا - ايران حرب لا حرب!

حصل تطور في مسار المواجهة الأميركية ـ الإيرانية التي كانت مفتوحة على كل الاحتمالات، وصارت الآن مفتوحة على الاحتمال الأرجح وهو التفاوض. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يكرر الإعلان أنه يريد التفاوض ولا يسعى الى تغيير النظام في إيران ولكنه يريد إبرام صفقة شاملة معها، ووزير خارجيته مايك بومبيو يعلن الاستعداد لمفاوضات من دون شروط مسبقة، ليضع جانبا الشروط الـ 12.

وإيران التي قرأت في هذه المواقف أولى المؤشرات لتراجع أميركي وبداية ليونة، مستعدة للتفاوض ولكنه استعداد مشروط برفع العقوبات ووقف الحرب الاقتصادية ضدها.

وفي ذروة المواجهة الأميركية - الإيرانية وتصاعد التوتر في الخليج الفارسي، انطلقت في مكة المكرمة مؤخراً القمم الثلاث: قمتان طارئتان خليجية وعربية وقمة إسلامية عادية مقررة منذ زمن. القمتان الطارئتان خصصتا لمناقشة  ما تدعيه السعودية "التهديدات الإيرانية" وسبل التصدي لها. أما القمة الإسلامية، فإنها ناقشت عدة ملفات أبرزها تطورات القضية الفلسطينية في ضوء مقدمات "صفقة القرن"، والأوضاع في سوريا وليبيا واليمن، وحتى أزمة مسلمي الروهينغا في ميانمار، إضافة طبعا الى ما تسميه "التدخلات الإيرانية"  في شؤون المنطقة.

الدبلوماسيون الإيرانيون يرون أن ترامب لن يتشدد معهم بالقدر الذي يظهره في مواقفه المعلنة، لأن أولويته كوريا الشمالية لا إيران، كما ترفض طهران التفاوض مع الولايات المتحدة وتعرض التفاوض مع دول الخليج (الفارسي) والتوقيع على معاهدة عدم اعتداء معها، وتأمل من دول الخليج (الفارسي) التعامل مع هذا العرض بإيجابية وحسن نية. ولهذه الغاية قام نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مؤخراً بجولة خليجية شملت سلطنة عمان وقطر والكويت. وأتى هذا العرض عشية ثلاث قمم عربية وخليجية وإسلامية استضافتها السعودية في مكة مؤخراً.

مجمل التحرك الإيراني يصب في خانة خفض التوتر الإقليمي وليس في خانة تهيئة ظروف التفاوض مع الولايات المتحدة، ويحمل رسالة مفادها أن طهران تدعو الى فصل المسارات عبر سحب ذرائع واشنطن لابتزاز الرياض وأبو ظبي بصفقات الأسلحة، والتأكيد أن المشكلة إيرانية ـ أميركية، ولا داعي للتجييش السعودي باتجاه انخراط عربي فيها.

مصدر دبلوماسي في بيروت رأى أن "صيحات" الحرب في الخليج الفارسي بين إيران والولايات المتحدة أقوى من  احتمالات وقوعها لعدة أسباب، لا سيما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تعني له السياسة الخارجية أي شيء ولا يظهر أنه راغب في خوض مغامرة عسكرية، رغم أن إدارته منقسمة على نفسها، فهناك أصوات تطالب بالحرب لا سيما جون بولتون بصفة خاصة، لكن ترامب ليس في هذا الوارد وهو يفضل الضغط من خلال العقوبات من أجل إرغام إيران على إعادة التفاوض من جديد بشأن برنامجها النووي. وكذلك فالإيرانيون ليسوا مستعجلين للحرب وليسوا متحمسين لها، إضافة الى أصوات غربية تقول إن الحرب على إيران ستدفعها الى تسريع امتلاك السلاح النووي ويصبح من المستحيل معرفة ما يحدث هناك، عكس الوضع الحالي حيث تتم مراقبة نشاطاتها النووية، علما بأن الأوروبيين ضد الحرب لكن ليس لديهم النفوذ الكافي للضغط بهذا الخصوص، خاصة وأن أميركا مارست عليهم عقوبات بسبب تعامل الشركات الأوروبية مع إيران.

فعلى امتداد الأسابيع والأشهر الماضية، تراكمت المؤشرات الدالة على "غلبة خيار التفاوض ولو بعد حين"، وعلى استبعاد خيار الحرب رغم كل المظاهر الخادعة وصولا الى التحشيد الأميركي، وبدا أن الحرب بين الدولتين مستبعدة لأسباب عدة:

- الإدارة الأميركية غير جادة في الذهاب نحو الحرب مع إيران. صحيح أن الخطاب الأميركي مرتفع جدا ويتوعد طهران ويترافق مع حشود عسكرية ضخمة في المنطقة، ولكن تغريدات ترامب تعطي انطباعا بأن الأمر لا يتعدى رفع سقف المساومة على صفقة جديدة وبشروط يفرضها.

- اعتبار العديد من الخبراء الاستراتيجيين الأميركيين أن إيران ليست في أولويات واشنطن الاستراتيجية، وأن تهديدها لا يستحق الدخول في صراع كبير، إضافة إلى استعداد البلاد بعد أشهر قليلة لدخول أجواء انتخابات الرئاسة لعام 2020، ويتخوف ترامب من أن يجره الصقور من بين كبار مستشاريه إلى مواجهة عسكرية مع طهران تجعله ينكث بوعد عدم خوض حرب جديدة.

- رفض أغلب دول العالم لحرب جديدة في المنطقة بما فيها الدول الأوروبية الحليف الطبيعي لأميركا.

- لا تحبّذ دول المنطقة عموما ودول الخليج (الفارسي) خصوصا اندلاع حرب جديدة يدركون مسبقا أنها قد تكون مدمرة ومكلفة على الصعد كافة.

- إيران تحاول تجنب الحرب، على رغم كل التصريحات النارية، وهي تنتظر نهاية ولاية ترامب الرئاسية في محاولة لكسب الوقت للاستفادة من الاتفاق النووي.

في النهاية، تبقى هذه التوترات مجرد خطوات مدروسة من الطرفين سيحولان دون وصولها إلى مرحلة الانفجار، ما يبقي الوضع على تخوم الحرب وليس قيام حرب فعلية. فالطرفان يستخدمان القوة العسكرية للحصول على المكاسب المبتغاة، من دون دفع الأثمان التي تترتب على الحرب، فالإدارة الأميركية تشن حربا نفسية وباردة على إيران ريثما يتم التوصل الى اتفاق يقضي بحصول مفاوضات بين الطرفين، وأما بالنسبة الى إيران، فإن خياري الحرب أو التفاوض باتا متساويين في الصعوبة بالنسبة إليها، ويتضح أن الحرب التي كانت لا مفر منها صارت "تفاوضاً لا مفر منه"، وقد تجد نفسها مضطرة إلى الموافقة على التفاوض من دون حرب.

من الواضح أن الطرفين الأميركي والإيراني يتأرجحان بين خيارين: طهران تسعى إلى الصمود حتى الانتخابات الأميركية الرئاسية، أو ولوج التفاوض غير المباشر، لكن على أجندة مختلفة عن تلك التي وضعها وزير الخارجية مايك بومبيو في النقاط الـ12 القاسية التي سبق أن اشترطها على قيادتها، وواشنطن تراهن على التعب الإيراني من آثار العقوبات الاقتصادية. فالوضع بين أميركا وايران في حالة اللاحرب واللاسلم، والمنطقة في نفق لن ينتهي إلا إذا حصلت تراجعات اميركية تفتح الباب امام حلول سلمية تحترم سيادة ايران ودورها المتنامي.

 

 

بقلم: سركيس أبوزيد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 9/1847 sec