رقم الخبر: 253879 تاريخ النشر: أيار 24, 2019 الوقت: 14:40 الاقسام: ثقافة وفن  
القدر.. ليلة الهدى والعطاء القرآني
وخصوصية ذاتية واضحة

القدر.. ليلة الهدى والعطاء القرآني

تعتبر ليلة القدر من الليالي العظيمة التي تميزت عن غيرها من ليالي شهر رمضان بالهداية والعطاء القرآني، وبخصوصية ذاتية واضحة، حيث اشارة اليها الآية الأولى من سورة القدر (انا انزلناه في ليلة القدر). بوجوه ثلاثة :

الوجه الأول: اسناد نزول القرآن اليه تعالى، وانه من فعله عزّ وجلّ، فيكون تعظيما لهذه الليلة بالتبع لعظمة القرآن.

 الوجه الثاني: نسب النزول اليه بالضمير دون التصريح، فيه دلالة على اهمية القرآن، ومنه تظهر اهمية هذه الليلة ايضا بالتبع.

الوجه الثالث: التنبيه على عظمة القرآن لعظمة الزمن الذي نزل فيه، وهي ليلة القدر. فكانت اهمية تلك الليلة لكونها موردا لنزول القرآن الكريم، ويقدر فيها مصير البشر، وتعيين مقدراتهم. 

علاقة لا تقبل الانفصال بين القرآن وبين حياة الإنسان

ولو تبصرنا في تلك الليلة التي تقدر فيها مقدرات العباد وارزاقهم، وفي نفس الليلة ينزل القرآن الكريم على قلب النبي(ص) الطاهر، يدل على وجود نوع من العلاقة لا تقبل الانفصال بين القرآن وبين حياة الإنسان المعنوية، بل وحتى الحياة المادية. فيحصل العطاء القرآني في هذه الليلة بانتصار الإنسان على عدوه الداخلي والخارجي، ويحصل له الشموخ والحرية والاستقلال في الاختيار.

 ولأهمية هذه الليلة، وشأنها وعظيم قدرها يستفاد من قوله تعالى: (وما ادراك ما ليلة القدر)، الذي معناه التعجيز عن الاحاطة خبرا بفضلها ورفيع قدرها، اذ فيها تحصل الطاعة، وهذه الطاعة تعدل في المثوبة ثلاثين ألف طاعة مثلها. وذلك لأن الاوقات انما يتفاضل بعض على بعض باعتبار ما في المفضّل من مزيد الخير والنفع، ولما جعل الله الخير الكثير في ليلة القدر بما لا يكون في غيرها. كان اللازم بحسب الطبع ان غيرها لا يساويها في الفضّل. ومن فضلها الرفيع، نزول القرآن فيها، وبها يحظى العباد برحمة خاصة، منها، ان الله يكفر ما بين شهر رمضان وشهر رمضان الآخر عن ذنوب عباده، وان الملائكة والروح تتنزل فيها، فهي اذن ليلة مفعمة بالسلامة من بدايتها حتى مطلع فجرها. والروايات تذكر ان الشيطان يكبل بالسلاسل هذه الليلة فهي ليلة سالمة مقرونة بالسلامة. 

ما المراد من القَدْر:

القدر في اللغة بمعنى التقدير، واذا وافق الشيءُ الشيءَ قلت: جاءت قدره. والقَدْرُ والقَدَرُ: القضاء والحكم، وهو ما يقدره الله عزّ وجلّ من القضاء ويحكم به من الامور. قال تعالى: (انا انزلناه في ليلة القدر) أي الحكم، كما قال تعالى: (فيها يُفرَق كل امر حكيم) لسان العرب: ج11 ص55 ويفهم منه ان في ليلة القدر تقدر فيها الارزاق وتقضى.

ما هو السبب في التسمية بليلة القدر؟

اختلف العلماء في معنى هذا الاسم ومأخذه الى عدّة اقوال:

1- سميت ليلة القدر، لأنها الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون في السنة بأجمعها من كل امر. (انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين * فيها يفرق كلّ امر حكيم) الدخان : 3و4 .

2- وهي الليلة المباركة في قوله: (انا انزلناه في ليلة مباركة) لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة.

3- ليلة القدر، أي ليلة الشرف والخطر وعظم الشأن، من قولهم: رجل له قدر عند الناس، أي منزلة وشرف، ومنه: (ما قدروا الله حقّ قدره) الحج: 74 أي ما اعظموه حق عظمته.

ولذا قيل: من لم يكن ذا قدر اذا احياها صار ذا قدر. ولأن للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا.

4- سميت ليلة القدر، لأنه انزل فيها كتاب ذو القدر الى رسول ذي قدر لأجل أمة ذات قدر على يدي ملك ذي قدر.

5- هي ليلة التقدير، لأن الله تعالى قدر فيها انزال القرآن.

6- سميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة لكثرتهم. ولأن القدر جاء بمعنى الضيق ايضا كقوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه) الطلاق: 7 .

في أي ليلة من شهر رمضان تكون ليلة القدر؟

وقع الاختلاف في موردين:

المورد الاول: هل هي كانت في عهد رسول الله (ص) ثم رفعت؟

المورد الثاني: بناء على كونها لم ترفع، لكن في أي ليلة تكون من شهر رمضان؟

اما الاول : فإنها باقية الى يوم القيامة، والدليل على ذلك ما روي عن ابي ذر انه، قال: قلت: يا رسول الله، ليلة القدر هي شيء تكون على عهد الانبياء ينزّل فيها، فإذا قبضوا رفعت؟ قال: لا، بل هي الى يوم القيامة. والدليل الآخر، قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ امر)، الفعل المضارع (تنزل) يدل على الاستمرار، (والاصل تتنزل) مما يدل على ان ليلة القدر لم تكن خاصة بزمن النبي الاكرم(ص) وبنزول القرآن، بل هي ليلة تتكرر في كل عام باستمرار.

ما الثاني: ذهب جمهور العلماء على انها في شهر رمضان في كلّ سنة، ولكن في أي ليلة منه؟ اختلفوا على اقوال، وكان الصحيح منها تكون في العشر الأواخر منه.

والدليل على ذلك، ما روي مرفوعا عنه (صلى الله عليه وآله): (التمسوها في العشر الأواخر).

 وعن الإمام علي(ع):  ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من شهر رمضان. قال: وكان اذا دخلت العشر الأواخر دأب وأدأب اهله).

ما هي علاقة القران بليلة القدر؟

هناك علاقة عضوية بين ليلة القدر والقرآن، لأن في ليلة القدر تقدر مصائر البشر لسنة كاملة حسب ما يليق بكل انسان، والقرآن هو الكتاب القادر على رسم مستقبل ومصير البشر وهو الهادي لهم الى طريق السعادة. فينبغي ان يكون نزوله في ليلة القدر، لتعيين المصير.

هل ان مقدرات بني ادم بأجمعها والارزاق والآجال والمسائل الاخرى التي ترتبط بليلة القد تناقض حرية البشر؟

 هذه الامور لا تنافي مع حرية الانسان، ومسألة الاختيار، لأن التقدير الإلهي، انما يتم حسب لياقة الافراد وميزان ايمانهم وتقواهم وطهر نيّتهم واعمالهم. وبعبارة اوضح: ارضية التقدير يوفرها الإنسان نفسه، وهذا لا يتنافى مع الاختيار بل يؤكده.

قال تعالى: (انا انزلناه في ليلة القدر) هل ليلة القدر ليلة واحدة ومعينة كما في الروايات على كل المعمورة؟

 الجواب، كما جاء في تفسير الأمثل: ( الجواب يتضح بالالتفات الى ما يلي:

الليل هو ظل نصف الكرة الارضية على النصف الآخر من هذه الكرة، ونعلم ان هذا الظل يتحرك بتحرك الكرة الارضية، ويدور دورة كاملة في اربع وعشرين ساعة، من هنا يمكن ان تكون ليلة القدر دورة كاملة لليل حول الارض، أي تكون هذه الليلة مدّة اربع وعشرين ساعة من دوران الظلام حول الكرة الارضية بأجمعها، تبدأ من نقطة وتنتهي عند نقطة اخرى. (تأمل بدقة) ). ج 15 ص442

كيف نوفق بين الآيات القرآنية التي تشير بشأن نزول القرآن في شهر رمضان (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن)، وفي ليلة القدر (انا انزلناه في ليلة القدر)، وكذلك قوله تعالى: (انا انزلناه في ليلة مباركة) مع ان المؤكد ان القرآن الكريم نزل تدريجيا خلال 23 عاما؟

يستفاد من مجموع هذه الآيات، ان الليلة المباركة اشارة الى ليلة القدر التي هي من ليالي شهر رمضان.

وبناء على ما تقدم ذكر المحققون ان للقرآن نزولين:

النزول الدفعي، وهو نزول القرآن بأجمعه على قلب النبي (صلى الله عليه وآله) او على البيت المعمور، او من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا.

والنزول التدريجي، وهو ما تمّ خلال 23 سنة من عصر النبوة بحسب الظروف والحوادث والاحتياجات.

وان بعض الروايات قد عبرت بالإنزال، وبعضها الآخر بالنّزول، والذي يفهم من متون اللغة ان التنزيل يستعمل في الموارد التي ينزل فيها الشيء تدريجيا ومتفرقا، اما الإنزال فله معنى واسع يشمل النّزول التدريجي والنّزول دفعة واحدة . مفردات الراغب. مادة : نزل.

 وعند ملاحظة الآيات القرآنية التي تحدثت عن نزول القرآن في ليلة القدر وشهر رمضان قد عبرت بالإنزال، وهو يتوافق مع النّزول دفعة واحدة. في حين عُبر بالتنزيل فقط في الموارد التي دار الكلام فيها حول النزول التدريجي للقرآن. للإيضاح اكثر راجع تفسير الامثل ج12 ص 436 .

واخيرا ان نزول القرآن في هذه الليلة المباركة ليلة القدر، وارسال النبي(ص) وكون المقدرات فيها، فهي رحمة من الله لعباده، نعم فان رحمته التي لا تحدّ توجب ان لا يترك العباد وشأنهم، بل يجب ان ترسل اليهم التعليمات اللازمة لترشدهم في سيرهم الى الله تعالى. فعالم الوجود يصدر عن رحمته الواسعة وينبع منها، والبشر اكثر تنعما بهذه الرحمة من كل الموجودات.

اللهم منّ علينا بليلة القدر بيقظة ووعي كي نتزود من فضيلتها، ولا تجعلنا من محرومي هذا الشهر، فقدر لنا وفق ما نأمله فيك.

 

بقلم: السيد زكي الموسوي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/0468 sec