رقم الخبر: 250046 تاريخ النشر: نيسان 14, 2019 الوقت: 15:42 الاقسام: ثقافة وفن  
الزمن.. من الانفجار العظيم حتى اختراع الساعة
للوصول إلى الكون بمعناه العلمي وبشكل متطور

الزمن.. من الانفجار العظيم حتى اختراع الساعة

جميعنا ونحن صغار كانت لدينا تساؤلاتنا التلقائية في المساء وعبر النافذة، ونحن ننظر إلى السماء الصافية المظلمة،

 وما فيها من مجرات ونجوم وأجسام بعيدة متحركة، مستفسرين عن فلسفة هذه المسافات الشاعرية والفراغ المحيط بنا، وحتى في تلك الليالي التي يغيب عنا فيها الصفاء وتحضر الرطوبة والغبار مع الرياح العاصفة أو أثناء هطول المطر وضجيج الرعد.. لطالما رغبنا في معرفة تلك الآليات المادية القادرة على إطلاق كل ذلك، مستفهمين من الكبار، عما يحيط بنا وأين حقيقة كل ذلك ومدى دقته؟ لتبقى الأجيال بلا استسلام أمام فهم الكون، فتأخذهم نهاية استفهامهم العلمي إلى السؤال: متى بدأ الكون وما الزمن؟

كيف بدأ الزمن؟

بعض الأشخاص ينظرون إلى العالم من عدسة خاصة جداً، لذا تبدو أسئلتهم لا وجود لها في العلوم والواقع المعاش، ومع ذلك يترك العاطفة جانباً لتحدد الحقيقة نفسها بنفسها وتؤخذ الأسئلة على محمل الجد، ليتخصص في دراستها، متأملاً أن يلقى إجابات شافية من خلال المنهج العلمي الذي يدرسه حول ما يحيط به من ظواهر طبيعية وعن كل ما في الكون وبلا نهاية.

كيف بدأ الكون سؤال عَبَرَ الزمن طويلاً، ولأنه من أكثر الأسئلة عمقاً في تخصصها، فإن بعضهم يؤكد اقترابه من الإجابة، لذا ندع أنفسنا نتتبع الزمن وتاريخ هذا السؤال الواسع، حين أظهر في القرن 9 الميلادي العالم العربي ثابت بن قرة بن مروان اهتمامه بالفلك وما يدور في الفضاء، ليصبح أول مكتشف لحساب طول السنة الشمسية ويحددها بـ365 يوماً و6 ساعات و9 دقائق و12 ثانية، ليأتي من بعده بقرون علماء يكتشفون صحة حساباته، وخطأه في ثانيتين فقط.

اهتمامه الكبير أودى به إلى تأسيس مدرسة متخصصة في الفلك بمدينة الرقة الشهيرة، فخرج منها ومن بين يديه علماء كثر يبحثون في هذه السماء وما بها من أسرار بعد إتقانهم اللغة السريانية واليونانية، فبهذه اللغات كُتبت الكثير من المصادر التي من الممكن الاعتماد عليها والانطلاق منها.. ومن هؤلاء العلماء المتخرجين في مدرسته البتاني الذي يعد حتى يومنا هذا أحد أهم 20 فلكياً ظهر في العالم كله، وبشهادة من العالم الفرنسي الشهير جيروم لالاند الذي لقب البتاني بـ«بطليموس» العرب.

قراءة الكون

ولأن الاهتمام بالفلك قديم جداً، فقد راقب المهتمون في العصور المبكرة، الوقت والطبيعة من أجل التنبؤ قدر الإمكان بمتى يسقط الضوء ومتى تأتيه الريح العاتية بهدف الاستباق لحماية نفسه أو زرعه وهكذا إلى العصور الوسطى، حين تقدم وانتعش الفلكيون العرب ورسموا خرائط السماء من نجوم وكواكب، ولعل الملاح أحمد بن ماجد خير مثال عربي، حيث ذكر في أراجيزه أسباب الرياح وفلسفتها المؤثرة في ركوب البحر، ومعاني النجوم والشمس والقمر والكواكب الأخرى على المواليد والمشاعر والقرارات.. وتوصل إلى قراءة الزمن وتقسيمه في السماء لحماية البَحّار نفسه أثناء الإبحار.. ليتضح رويداً رويداً معنى الكون.

ستيفن هوكينغ

واليوم بعد كل هؤلاء العلماء والوصول إلى الكون بمعناه العلمي وبشكل متطور، لم يعد هذا العلم كما كان نخبوياً، بل نستطيع أن نقول شعبياً، تحديداً بعد إصدار الفيزيائي ستيفن هوكينغ عام 1963، كتاباً فيزيائياً وصلت مبيعاته إلى ملايين النسخ، فكان إنجازاً مذهلاً للبشرية في ما يخص الكتب العلمية التي تحاول تفسير ما يجري في الأعلى، كالانفجار الكبير والثقوب السوداء ونظريات فلكية دقيقة عن زمن وقوعها، فتتم صياغتها من جديد وكتابتها كتاريخ موجز لجعل الكون والزمن أكثر قابلية لفهم القارئ العادي، كما قام هوكينغ بإيجاز وتوضيح الفكرة العلمية الفلكية في مقال بصحيفة «وول ستريت»، فأصبحت فكرته عن الزمن والكون ذات مفاهيم صعبة أكثر قابلية للفهم.

على أنه لم يقف عند ذلك فأصدر كتباً فيزيائية لاحقة موجهة للعامة من جمهوره، يشرح فيها لهم مختلف المسائل المتصلة بالكون، سمى أحدها «الكون في قشرة جوز» عام 1988، يتحدث فيه عن الوقت وشكله والتاريخ الموجز للزمن باختصار، وتوقع المستقبل وطريقة حماية الماضي وكذلك مستقبلنا.

 الأسئلة الأولى والكبرى

تبقى الأسئلة الأولى والكبرى منذ طفولتنا دافعنا إلى الإنجاز المذهل شرط إصرارنا على تتبعها، وخاصة عن هذا الوقت المتوافر في الكون، كما يؤكد العلماء، لنتساءل من جديد: ماذا اخترعنا نحن في هذا الوقت (الزمن)؟ الفناء أم البقاء فيه؟ والقصد من هذا السؤال، هو من أجل حفاظنا على الزمن المهدر ومساعدة أنفسنا نحن كبشر في قياس المعرفة وصنع الأشياء التي نقوم بها فيه فلا يضيع من بين أيدينا، فالزمن هذا البناء المادي أهم من أي بناء في العالم، موجود ولم نقم باختراعه كما نعلم، لكن إن منحناه قيمة معقولة من خلال ما يسمى بالآن أي هذه اللحظة أو أثناء الفعل، وقمنا بحساب الزمن وقسمناه في العمل الإنتاجي والنوم والدرس والإبداع.. من أجل الارتقاء، أي حساب مادي يساوي الإنجاز ليساوي القيمة، سوف نشهد على امتداد عمر الفرد وحتى نظام الدولة وفوق هذه الأرض المأهولة تطوراً هائلاً لنا وللزمن بحسابه من الحاضر إلى المستقبل وبالتالي المحافظة على الماضي.

أخيراً، هناك حيث ولدنا يظل الوقت بتأثيراته فينا، وهذا يعني أنه من الممكن التلاعب به، لأنه حقيقي ومطواع حتى في سرعته وبطئه بفعلنا نحن وباختيارنا بين الضبط والعبث، والأهم أن يصبح الزمن هنا دليلاً على مروره بين أيدينا، أما التأجيل والكسل والاتكالية.. فيعدو الزمن زوالاً وفناءً وبلا معنى، كأنه لم يكن وحتى نحن.

مفاهيم الولادة والحياة والموت

أصعب ما يمكن كتابته هنا هو محاولة التعبير عن رسم ملامح الانفجار الشمسي الكبير الذي حدث في الكون يوماً، كانت هناك كتلة كبيرة بلا شك وفي منطقة صغيرة، فهل نعد ذلك الانفجار بداية للزمن؟ لكن هل الوقت هو بالضبط ما نراه اليوم؟ وكل تلك النجوم التي ولدت وعاشت ماتت بسبب التفاعلات الكيميائية، لذا نخشى أن يكون الوقت الذي نراه غير حقيقي كما هو موجود في الفضاء الكوني، فمن يدري.. فالبشر يولدون ويعيشون ويموتون في التفاعلات الكيميائية أيضاً، إذن، ربما يكون الوقت أكثر من مفهوم بدني.

محطات الزمن وابتكار «اليوم»

منذ أن نحتنا ما يسمى «اليوم» وبالتعاون مع حركة الشمس من ولادتها وحتى غيابها، وبعد أن قمنا بابتكار هذا اليوم وتوغلنا في ذاته كل يوم لاستغلاله، وتحدينا أنفسنا، وصلنا إلى نتيجة أنه تحول بعض منا مع الزمن إلى حرية خالصة، والبعض الآخر إلى عبودية كاملة أثناء العيش وتنظيم حدثه الزمني في الذهن ثم في الواقع.. أليس كل هذا النوع من العيش تمثيلاً للزمن في العقل، لتبقى المفاهيم مجردة بين الماضي والمستقبل، ويبقى الإنسان هو «الآن»، وإن كان بين هذه المحطات الزمنية الثلاث الوهمية، لا ينتصر سوى الإنسان العاقل الناطق.

المؤسسات بين الاستلاب والحرية

لعلمنا أنه عبر الزمن أصاب المجتهدون ليظل قول المحلل النفسي سيغموند فرويد، مؤثراً عن الإنسان وكيف أنه مستَلَب في المؤسسات وآلياتها المستلبة لنا منذ الطفولة من مؤسسة المنزل إلى المدرسة إلى العمل.. لكن عالم الاجتماع كلود ليفي ستروس، يحلل أن ذلك أفضل لسلامة العقل وأنه مستلب برضاه، وخاصة أن هذه المؤسسات عوالم تحدد علاقته بالآخر وتنظم زمنه وهويته.

وبين الرأيين نقول إن كل هذه المؤسسات حدثت فيها تغييرات فكرية استشعر الفرد فيها حريته، بعد أن تجاهل تعقيدات هذه المؤسسات العقلية لتصبح مؤسسات زمنية منتجة وفي فضاء كبير من الابتكار والتفكير.

إنشاء الزمن فكراً

الزمن ثروة متوافرة حولنا، على الرغم من أنه في زمن سحيق لم يكن له معنى حتى أتينا نحن البشر، إن عنينا بالطبع كوكبنا الأرض، واخترعنا الساعة حتى أصبح للزمن إنسانيته ووجوده.. أما من عاش بلا حساب وتنظيم يرحل عن الزمن فإنه كما ذكرنا يتلاشى بلا ذكر، وهذا ما يدعونا إلى أن نجيب به الأطفال في كل زمن في أن قياسه وحسابه أهم إجابة عما يرددونه من أسئلة وعما يجري في الفضاء من حراك شمسي وقمري ومناخ متقلب وعن كيفية وصولنا أو تحكمنا بكل ذلك.. وأن هذا الزمن هو بين أيدينا جميعاً لكننا كما لم نخلقه فإننا لن نرثه يوماً إلا باستغلاله تجربة وبحثاً.

الزمن منذ أن بدأ قبل الخلق والتكوين هو مجرد مفهوم، وإلا لماذا لا تكون الساعة الآن، مثلاً، الواحدة ظهراً؟ ولماذا هي الآن التاسعة صباحاً؟ هذه الأسئلة التي أشعرتنا بأننا في حالة نزوح روحي، أو كيف قبضنا على أنفسنا بالوقوف العميق بين إتقان الساعة وحركة الشمس في الكون وبراعة دقات القلب؟

نحن البشر من قمنا بتحديد هذا الوقت من أجلنا ومن أجل إنسانيتنا، لأننا باختصار لم نقم باختراع الوقت ولم نخلقه فهو متوافر بثراء، ونحن كبشر من نقوم بالقبض عليه وتقسيمه وإنشائه وتحريره، وبرأيي أنه أتى زمن متجدد ومتطور بفعلنا، وبالتالي يجب أن يأتي سؤال متجدد ومتطور وأكثر تأثيراً عن سؤال طفولتنا، وهو: ما الغرض لوجودنا وحياتنا ونحن نعبر هذا الزمن وفي هذا الكون الواسع؟

يظل الزمن نظرية قديمة والساعة المخترعة نظرية جديدة، وبين النظريتين ولادة وموت.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 9/7084 sec