رقم الخبر: 249661 تاريخ النشر: نيسان 10, 2019 الوقت: 14:57 الاقسام: ثقافة وفن  
الإمام السجاد(ع).. مدرسة العلم والصبر والشجاعة
نبارك ونهنىء المسلمين بذكرى ميلاد سيد الساجدين وزين العابدين

الإمام السجاد(ع).. مدرسة العلم والصبر والشجاعة

تتوالى افراح شهر شعبان المعظّم وتورق شجرة النبوّة بقمر زاهر وينبوع متدفق ومحمل جديد من محامل علم الله مبلِّغ صابر ومعلّم كبير من معلّمي الإنسانية انتهلَ العلم والمعرفة من منهله الحق فشرع بنشره للبشرية...

في اليوم الخامس من شعبان استبشرت الدنيا وتهللت فرحاً بمولد رابع الائمة المعصومين(ع) ذلك هو سيد الساجدين وزين العابدين الامام علي ابن الحسين(ع),  فقد ولد إمامنا زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في المدينة يوم الجمعة خامس شعبان عام 38هـ.

أمه: هي شاه زنان (أي ملكة النساء) بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى، ملك الفرس، سماها أمير المؤمنين(ع) مريم وقيل فاطمة. كما قال شيخنا الحر العاملي في ارجوزته:

وأُمه ذات العلا والمـجـد           شاه زنان بنت يزدجــر

وهو ابن شهريار ابن كسرى        ذو سؤدد ليس يخاف كسرى

ان كثرة عبادة زين العابدين أشهر من ان تُذكر، فانه عليه السلام أعبد أهل زمانه كما أشير إليه في ذكر ألقابه عليه السلام ويكفينا في الإشارة إلى هذا المعنى عدم تمكن أحد من الناس على مضاهاة أمير المؤمنين عليه السلام في العبادة إلا هو، فإنه يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، فإذا دخل وقت الصلاة ارتعش جسمه الشريف واصفر لونه، وإذا شرع فيها كان كجذع الشجرة لا يتحرك إلا ما حركت منه الريح، وإذا وصل في القراءة إلى مالك يوم الدين  ظل يكررها إلى ان يوشك على الموت، وإذا سجد لم يرفع رأسه الشريف حتى يتصبب عرقاً، وإذا أصبح أصبح صائماً وإذا أمسى أمسى عابداً وكان يستمر في صلاته ليلاً حتى يصيبه التعب إلى درجة انه لا يقدر على النهوض إلى الفراش فكان يذهب إليه كهيئة الأطفال الذين لا يقدرون على المشي، وإذا دخل شهر رمضان لم يتكلم إلا بالدعاء والتسبيح والاستغفار، وكانت لديه صرّة فيها تراب قبر الحسين عليه السلام فإذا أراد السجود سجد عليها.

وعاش عليه السلام سبعة وخمسين سنة تقريبا قضی مايقارب سنتين او اربع منها في كنف جده الامام علي(ع) ثم ترعرع في مدرسة عمه الحسن وابيه الحسين عليهما السلام سبطي رسول الله(ص)، وارتوی من نمير العلوم النبوية واستسقی من ينبوع اهل البيب الطاهرين.

برز علی الصعيد العلمي اماما في الدين ومنارا في العلم ومرجعا لاحكام الشريعة وعلومها ومثلا اعلی في الورع والتقوی واعترف المسلمون جميعا بعلمه واستقامته وانقاد الواعون منهم الی زعامته وفقهه ومرجعيته.

وعاصر عليه السلام في سني إمامته من الحكام الامويين كل من يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك.

وكان عليه السلام للمسلمين عموما تعلق عاطفي شديد بهذا الامام الهمام وولاء روحي عميق له وكانت قواعده الشعبيه ممتدة في كل مكان من العالم الاسلامي ولم تكن ثقة الامة بالامام زين العابدين(ع) -علی اختلاف اتجاهاتها ومذاهبها- مقتصرة علی الجانب الفقهي والروحي فحسب، بل كانت تؤمن به مرجعا وقائدا ومفزعا في كل مشاكل الحياة وقضاياها، بوصفه امتدادا لآبائه الطاهرين. فكان قمّة في الفضائل والأخلاق، وتميّز بها عن بقيّة أهل زمانه، فكان أعلم أهل زمانه، عُرف عليه السلام بحلمه وعفوه وصفحه وتجاوزه عن المسيء، اما شجاعته قد اتّضحت واستبانت في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، عندما أمر الأخير بقتله، فقال الإمام عليه السلام له: أبالقتل تهدّدني يا بن زياد، أما علمت أنّ القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة. وقال للطاغية يزيد في الشام: يابن معاوية وهند وصخر، لقد كان جدّي علي بن أبي طالب في يوم بدر والخندق في يده راية رسول الله(ص)، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار. وكان عليه السلام، كثير التصدّق على فقراء المدينة ومساكينها وخصوصاً بالسرّ، وقد روي أنّه كان لا يأكل الطعام حتّى يبدأ فيتصدّق بمثله. وروي أنّه عليه السلام كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به، ويقول: إنّ صدقة السرّ تُطفئ غضب الربّ. كما كان عليه السلام دائم العتق للعبيد في سبيل الله، فقد روي عنه عليه السلام أنّه كان بين الآونة والأُخرى يجمع عبيده ويطلقهم. وتجلت فصاحته عليه السلام، وبلاغته في الخطب العصماء التي خطبها في الكوفة في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، وفي الشام في مجلس الطاغية يزيد بن معاوية، ثمّ في المدينة المنوّرة بعد عودته من الشام. هذا ناهيك عن الصحيفة السجّادية الكاملة، وما جاء فيها من عبارات الدعاء الرائعة والمضامين العميقة، وبلاغة اللفظ وفصاحته وعمقه، والحوارات الجميلة والعبارات اللطيفة الجزيلة التي يعجز البلغاء والشعراء عن إيراد مثلها. وقد عُرفت الصحيفة بـ«إنجيل آل محمّد».

المدرسة السجادية:

إنّ حالة الجمود الفكريّ والركود العلميّ التي أصابت الاُمّة الإسلامية بسبب سيطرة بني أميّة على الحكم كانت تستدعي حركة فكرية اجتهادية تفتح الآفاق الذهنية للمسلمين كي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير، وهذا ما قام به الإمام زين العابدين(ع) فانبرى إلى تأسيس مدرسة علمية وإيجاد حركة فكرية بما بدأه من حلقات البحث والدرس في مسجد الرسول(ص) وبما كان يثيره في خطبه في صلوات الجُمَع اُسبوعيّاً.

أخذ الإمام (عليه السلام) يحدّث بصنوف المعرفة الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وأخلاق، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين ويمرّن النابهين منهم على التفقّه والاستنباط.

وقد تخرّج من هذه الحلقة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين، وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس فقهية وشخصيات علمية.

ونلمس من خلال ما ورد عن الإمام (عليه السلام) من أحاديث ترتبط بالعلم والعلماء أنّه قد خطّط لهذه الحركة العلمية تخطيطاً بارعاً ، فهو بالإضافة إلى تفرّغه للتعليم بالرغم من جميع الهموم والآلام التي تركتها له واقعة الطفّ الأليمة وما تلاها من حوادث مؤلمة في العالم الإسلامي نجده يشيد بفضل العلم ويحثّ المستعدّين للتعلّم حثّاً أكيداً قولاً وعملاً، وتكريماً من جهة، كما نجده يرسم للمتعلّمين آداب التعلّم، ويبيّن حقوق المعلّم والمتعلّم، ويرغّبهما في تحمّل هذا العبء ببيان ثواب التعلّم والتعليم، بحيث استطاع أن يجمع عدداً كبيراً من طلاّب المعرفة الذين عُرفوا بالقرّاء باعتبار أنّ قراءة القرآن وحفظه وتعليم تفسيره كانت هي المحور في التعلّم والتعليم حينذاك، ولم يكن للحديث أو السيرة أو الفقه تدوين وتأليف باعتبار الحظر الذي أوجدته السلطة بعد غياب الرسول(ص)، فلم يكن الخط العام في صالح هذه الحركة الفكرية.

ومع كلّ هذا نلاحظ احتفاء القرّاء والفقهاء والعلماء بالإمام بنحو لا نجد له نظيراً في غيره من العصور، فإنّ القرّاء كانوا لا يفارقونه في حضر أو سفر حتى قال سعيد بن المسيّب: إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب.

قال (عليه السلام) مشيداً بفضل العلم وثوابه وأهمّيته: لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال: إنّ أمقت عبيدي إليّ الجاهل المستخفّ بحقّ أهل العلم، التارك للإقتداء بهم ، وإنّ أحبّ عبيدي إليّ التقيّ الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحلماء القابل عن الحكماء.

وكان (عليه السلام) يكرم طلاّب العلوم ويرفع منزلتهم ويرحّب بهم قائلاً: مرحباً بوصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكان إذا نظر إلى الشباب وهم يطلبون العلم أدناهم إليه وقال: مرحباً بكم أنتم ودايع العلم، ويوشك إذ أنتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين.

وقد لاحظنا ما جاء في رسالة الحقوق من الإشادة بفضل العالم وحقوقه على المتعلّمين من التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الإستماع إليه والإقبال عليه وعدم رفع الصوت عليه والدفاع عنه وستر عيوبه وإظهار مناقبه وعدم مجالسة أعدائه وعدم معاداة أوليائه.

كما نلاحظ تأكيده على عدم كتمان العلم وعدم التجبّر بالنسبة للمتعلّمين وحسن الإتقان في فنّ التعليم وعدم ابتغاء الأجر المادّي على التعاليم.

كلّ هذا يشير إلى تخطيط واضح في سلوك الإمام (عليه السلام) لايجاد حركة ثقافية واسعة وتأسيس تيّار ثقافي يتسنّى له أن يقف أمام التيّارات المنحرفة والتخطيط الاُموي الذي لم يرق له تفتّح الوعي الإسلامي عند أبناء المسلمين.

وقد خرّجت مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) كوكبةً من العلماء الفقهاء والمفسّرين الذين سطعت أسماؤهم في العالم الإسلامي، وإليهم يعود الفضل في دفع عجلة الإحياء العلميّ في ذلك العصر الرهيب وما تلاه من عصور.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 13/8264 sec