رقم الخبر: 248095 تاريخ النشر: آذار 13, 2019 الوقت: 14:03 الاقسام: ثقافة وفن  
الأبعاد والجوانب النفسية للأعياد في الأديان السماوية
ظاهرة إنسانية قديمة أشار القرآن الكريم إلى وجودها

الأبعاد والجوانب النفسية للأعياد في الأديان السماوية

تُعدّ الأعياد واحدة من الخصائص التي تتميز بها الأمم والحضارات، وجزء اساسي من طبعتها وبنيتها الثقافية والفكرية، ولا توجد امة من الأمم التي سبقت أو تلت ليس لها عيد أو مناسبة، والعكس صحيح، حيث لا نجد عيداً أو مناسبة بلا أمة.

  وكل أمة تحتفل بأعيادها  ومناسباتها الخاصة والتي تميزها عن باقي الأمم ومن خلالها يتجلى لنا مدى تمسكها بثقافتها وقيمها واعتزازها بتأريخها وتراثها. والأعياد هي سُنَّةٌ فُطِرَ الناسُ على اتخاذها، ولهذه الأعياد مدداً محددة تختلف من عيد لآخر قد تطول أو تقصر، حيث نجد الناس يجتمعون ويحتفلون ويتبادلون الزيارات ويظهِرون فيها الفرح والسرور والبهجة ويعلنون سرورهم وينفضون عن أنفسهم ما أصابهم من رَهَق وعناء في حياتهم اليومية.  وهي إحياء ذكرى مُناسَباتٍ حصلت في مثل هذه الأيام، كالأعياد الوطنية والدينية والاجتماعية مثل: عيد الجيش  والشرطة والاستقلال وعيد الفطر والأضحى وعيد الأم وعيد المعلم وعيد الميلاد وغيرها الكثير من الأعياد  والمناسبات التي يحتفل بها عاده بشكل سنوي متكرر،  وهي إحدى العادات المتداولة التي اكتسبها الناس من الأمم السابقة  ويورثونها للأمم اللاحقة. والأعياد يوم الالتقاء ورمز الوحدة ولِكلِّ أمة أيامٌ تحتفل بها ويجب على كل أمة أن تحتفل بما يليق بعاداتها وتقاليدها وأن لا تخرج عن المألوف  والمعتاد  وأن لا تغضب خالقها في يوم عيدها  وفرحها،  وأن لا تنسى فضل الله  ونعمه عليها.

أعياد ما قبل الإسلام

كان للقبائل العربية قبل الأسلام مجموعة من الأعياد الدينية تحتفل بها في أوقات محددة من العام تعرف بالمواسم،  ولم يطلقوا اسم العيد على هذه المواسم، بل كان لكل موسم أسما خاصا به.  ولم تكن هذه الأعياد موحدة  وتشمل الجميع، بل كانت لكل قبيلة أعيادها  ومناسباتها الخاصة بها  وذلك وفق أصنامها  ومناسباتها  وتفرقها في البوادي  والقفار. كما كانوا يحتفلون أيضاً بأعياد اليهود  والنصارى ذات المواقيت المحددة  والتي كان يعرفها بعض العرب.

ويعد الحج إلى مكة واحداً من أهم مواسم الأعياد التي كان يلتقي فيها الناس بسلام حيث كان هم الناس الأساسي هو تقديم فروض الطاعة والعبادة لآلهتهم من الأصنام التي كانت قائمة في الكعبة في مكة آنذاك.  وكان الطواف حول الكعبة طقساً من طقوس الحج، حيث كان الناس يطوفون حول الكعبة  وهم عراة،  وبعد إعتناقهم للدين الإسلامي أمر الرسول(صَ) الناس بارتداء ملابس الإحرام.  وعرف العرب قبل الإسلام خاصة أهل المدينة (يثرب) عيدا (النَّيرُوز) و(المِهْرَجَان)، وهذان العيدان من أكبر أعياد الفرس  وأشهرها، (النَّيروز):  وهي كلمة فارسيهَ معَربة،  وأصلها في الفارسية (النَّوْرُوز)،  وهي مركبة من كلمتين (نو) بمعنى (جديد)، و(روز) بمعنى (يوم) وبذلك يصبح معناها (اليوم الجديد).  ويعد هذا اليوم من أعْظم أعياد الفرس،  وهو عيد رأس السنة الفارسية ويوافق يوم الحادي  والعشرين من شهر آذار (مارس) من كل عام  ويصادف يوم الاعتدال الربيعي. أما عيد (المهرجان) والذي يعرف بالفارسية ب(مهركان) يلي عيد (النَّيروز) بـ(167) يوماً  وهي كلمة من كلمتين: الأّولي: (مِهْر)،  ومن معانيها: (المَحَبَّة  والوفاء)  و(الشمس)، والثانية: (جان، كان)  وهي أداة تلحق بآخر الأسماء الفارسية لتدل على مفهوم الاحتفال  وأصل هذا العيد هو: الابتهاج  والاحتفال بالاعتدال الخريفي، ويفع في السادس والعشرين من تشرين الأول (نوفمبر) أي في وسط فصل الخريف،  وأبدلهما رسول الله(صَ) بعيدي الفطر والأضحى. حيث روي أنس بن مالك: أن رسول الله(ص) قدم إلى المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ما هذان اليومان؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: (إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكمْ بِهِمَا خَيراً مِنْهُمَا: يوْمَ الْأَضْحَى، ويوْمَ الْفِطْر)،  وقال الحافظ بن حجر في تعليقه على الحديث أنهما عيدي (نوروز) و(مهرجان).

 ومن الأعياد التي كان يحتفل فيها في الجاهلية عيد يدعى (السباسب)  ويعرف أيضاً باسم (عيد الشعانين)  والشعانين معناها بالعربية (التسبيح) حيث كان المسيحيون يحتفلون به في سابع أحد من صومهم،  ويطلق عليه العرب اسم السباسب،  وذكره النابغة الذبياني:

(رقاق النعال طَيبٌ حُجُز اَتهُمْ / يحيون بالريحان يوم السباسب)،  وهذا العيد كان معروفاً في الحجاز، فقد ورد في الحديث الشريف أن الرسول الأعظم(صَ) قال: (الله تعالى أبدلكم بيوم السباسب، يوم العيد)،  ويعد هذا دليلاً على أن أهل مكة كانوا قد عرفوا هذا العيد واحتفلوا به.

 وكان للعرب قبل الاسلام ثلاثة أعياد شهيرة  وهي: (عكاظ وذي المجاز  ومجنة)، وهي عبارة عن أسواق على شكل تجمعات تجارية واجتماعية  وثقافية كانت تُعقد في أماكن مختلفة من شبه الجزيرة في أوقات محددة من العالم،  وكان العرب يردونها من كل حدب وصوب ويتاجرون ويسمعون المواعظ والخطب ويتنافرون ويتفاخرون ويسعون في فك أسراهم عند القبائل الأخرى، كما كانوا يتانشدون الشعر ويتحاكم مبدعوه إلى كبارهم أما أشهر هذه الأسواق على الإطلاق (سوق عكاظ)  وهي أحدى الأسواق الثلاثة الكبرى في الجاهلية بالإضافة إلى سوق مجنة وسوق ذي المجاز.  وتعتبر (سوق عكاظ) موسماً من مواسم الحج في الجاهليي  ويسبق الوقوف بعرفة، فكانوا يذهبون إليه قبل مني،  وسوقاً لكل البضائع المادِّية  والأدبية، حيث كان الشُّعراء يأتون بقصائدِهم على محكمين مِن كبار الشُّعراء.  وتستمر عشرين يوماً، من أول ذي القعدة إلي العشرين منه،  وهي أشهر أسواق العرب  وأعظمها شأناً،  وهي سوقاً تجارية  وأدبية في نفس الوقت.

أعياد المسلمين

العيد هو أحد الشعائر السامية للدين الإسلامي الحنيف،  والتي تهدف إلى تلبية المتطلبات الروحية  والجسدية،  وهو يوم الشكر على ما منَّ الله علينا من النعم.  والعيد في المنظور الإسلامي هو يوم لباس  وزينة  وتجمل،  وواحداً من معالم الفرح  والسرور، حيث نرى المسلمين يشترون ملابساً  وحللًا جديدة ويغتسلون  ويطبخون ما لذ وطاب من الحلويات المعتاد طهيها في هذه المناسبات ويتعايدون في صباح العيد  ويقبل أحدهم الآخر ويقوم رب الأسرة بتوزيع العيديات على الأطفال  والنساء،  ونراهم يتسابقون في العيدين لإطعام الفقراء قبل صلاة عيد الفطر  وبعد صلاة عيد الأضحآ كي لا يلقي البؤس والشقاء بظلالهما على بيوتات المسليمن  ولإضفاء البسة  والفرحة على وجوههم. وللأعياد مكانة خاصة  ومتميزة في الإسلام، حيث نجد عيدي الفطر  والأضحي سنويين يأتيان مقترنين بعبادتين عظيمتين  وبعد أداء ركنين من أركان الإسلام  وأسسه العظيمة.  ويستقبل المسلمون يوم العيد بالفرح،  والسرور،  ويتواصلون مع الأقارب  والأرحام  والأصدقاء،  وهو يوم للعبد عن الأحقاد،  والمشاكل  ومناسبة  ووسيلة ربانية لتصافي النفوس وتساميها عما علق بها من أدر ان الحياة  وشحناء النفوس وأمراض القلوب؛ وهو فرصة عظيمة للإبتعاد عن الحقد  والضغينة وتجنب النفاق كي يتوافق مكنون القلب مع ما يظهر على المحيا من ابتسامة وصفاء تعبر عن ميلاد جديد لمكنون الضمائر  وخفايا الصدور.  والعيد أفضل مناسبة لإسعاد الأطفال وأدخال الفرحة على قلوبهم خاصة  وأن فرحة العيد لا تكتمل ألا بوجودهم.  ويستهل المسلمون يومهم بصلاة العيد واالتكبير وإحياء السنن  وذكر الله عزوجل  والتوجه اليه بالدعاء  والابتهال.  وذلك تطبيقاً لقول أمير المومنين علي بن أبي طالب(ع): أيها الناس! إنّ يومكم هذا يوم يثاب فية المحسنون،  ويخسر فيه المبطلون،  وهو أشبه بيوم قيامكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلّاكم خروجكم من الأجداث إلى ربّكم، واذكروا بوقوفكم في مصلّاكم وقوفكم بين يدي ربّكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنّة.

أصبح للعرب بعد اعتناقهم للدين الإسلامة أربعة أعياد منها عيد أسبوعي  والثلاث الأخرى سنوية تتكرر كل عام في وقت محدد. فالعيد الأول هو يوم الجمعة وهو عيد أسبوعي حيث قال رسول الله(ص): (إنَّ هَذَا يوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ  إِلَي الْجُمُعَةِ فَلْيغْتَسِلْ،  وإِنْ كانَ طِيبٌ فَلْيمَسَّ مِنْهُ،  وعَلَيكمْ بِالسِّوَاك).  وعيدُ الفطر يحتفل فيه المسلمون في أول يوم من أيام شهر شوال ويأتي بعد صيام شهر رمضان ويكون أول يوم يفطر فيه المسلمون بعد صيام شهر كامل  ولذلك سمي بعيد الفطر،  وهو عيد الصائمين،  وعيد الأضحى  وهو عيد الحجّاج،  ويوافق يوم 10 ذ والحجة بعد انتهاء وقفة يوم عرفة، والعيد الرابع يحتفل به المسلمون الشيعة  وهو عيد الغدير،  والذي يعرف أيضاً بـ(عيد الولاية)  ويكون في الثامن عشر من ذي الحجة في كلّ عام.

الأعياد لدى اليهود  والنصارى

الاحتفال بالأعياد ظاهرة إنسانية قديمة، حيث أشار القرآن الكريم إلى وجودها في مصر في الألف الثانية قبل الميلاد على لسان موسى(ع): (قال مَوعِدُكم يومُ الزّينة  وأَن يحشَرَ الناسُ ضُحًي) (طه: 59).  ويوم الزينة هو ذلك اليوم الذي ضرب فيه سيدنا موسى(ع) موعداً مع فرعون عصره ليلتقيا فيه  ويعرض كلاهما ما لديه من سحر  ومعجزات فتكون الحجة للغالب فيهما على المغلوب، بحيث يقرّ المغلوب للغالب فيه بأنه على حق  وأنّ الحق إلى جانبه،  وهو يوم يخرج فيه المصريون للإحتفال في ساحات المدينة  ويتجمع الناس بأعداد كبيرة عند وقت الضحى أي عندما تكون الشمس مشرقة،  وهذا اليوم هو(عيد نيروز) الذي كان يحتفل به المصريون القدماء بحلول فصل الربيع من كل عام كان يعرف عند الفراعنة بـ(عيد شم النسيم) أو (يوم الزينة)، وعند البابليين  والأشوريين (عيد ذبح الخروف)،  وعند اليهود (عيد الفصح)،  وعند الرومان (عيد القمر)، وكذلك يسمى (بعيد الربيع).

العيد في المفهوم النصراني (المسيحي) عبارة عن فرصة روحية، تقوم الكنيسة بتحديد موعده  ومناسبته،  وتفرض على المؤمنين إحياءه  والاحتفال به بعدم مزالولة الأعمال الدنيوية العادية،  والانصراف إلى الصلاة،  وإقامة الشعائر الدينية إكراماً لله تعالى،  وتذكاراً لمٌنَحِه الإلهية التي سكبها على المؤمنين،  والتأمل بالمناسبة التي خُصّص يوم العيد لأجلها.  وقد أخذت الكنيسة المسيحية سنّة الاحتفال بالأعياد من الكنيسة الموسوية، حيث ذكرت أسفار العهد القديم، أن الله نفسه قد فرض على شعب موسى أعياداً ليهيىء لذلك الشعب أوقاتاً يرتاح بها من أعماله العادية،  ويتفرّغ خلالها للأمور الروحية، ويتأمل بأعماله تعالى ونعمه الغزيرة وعجائبه الباهرة، في سبيل خلاص ذلك الشعب  وليذكر في أجياله الاحقة مراحم الله  وإحساناته على الأجيال السابقة وعنايته بهم  وبذلك يواصل الصالحون من البشر حفظ شريعة الله  ولا ينسون فرائضه إذ يذكرون رعايته الدائمة للبشر ومحبته ويتّخذونه مثالاً لهم بالمحبة.

فالأعياد إذن وضع إلهي،  وترتيب سماوي، فرضها الله على بني اسرائيل،  وأمر بحفظها  والاحتفال بها،  وحذّر من إهمالها.

العيد لغةً

العيد في اللغة: سُمِّي عيداً (لِأَنَّهُ يعُودُ كلَّ عَامٍ)،  وقيل: (لِأَنَّهُمْ قَدِ اعْتَادُوهُ)،  وهو مشتقٌّ من باب العود  ومن مادة (عَوَدَ)، لأنه يعود كل عام  ويتكرر،  وقيل أنه مشتق من باب: الْعَائِدَةُ،  وهُو الْمَعْرُوفُ  والصِّلَةُ. فنقول: مَا أَكثَرَ عَائِدَةَ فُلَانٍ عَلَينَا، قال ابنُ الأعرابةّ: (سُمِّي عيداً؛ لأنَّه يعود كلَ  سنة علينا بالفرح من جديد). فنستدل من ذلك بأنّ العيد: هو مناسبة اجتماعية سنوية، يتزاور الناس فيما بينهم،  وهو يوم الفرح  والسرور  والتواصل، حيث يحتفل فيه الناس بذكرى كريمة أ ومناسبة عظيمة، وسمي عيداً لأنه يعاود الناس  ويرجع إليهم من حين لآخر.  وهي مناسبة سعيدة مليئة بالفرح  والمرح. وهنالك قول في اصل العيد في اللغة لا يعود به الى الاشتقاق بل يحيل تفسير الاسم فيه الى الاستعارة من اللفظ ـ العيد الذي ورد في لغة العرب  والمراد به عندهم فحل كريم من الابل مشهور في الجاهلية عند العرب وينسبونه الى حي في العرب يقال لهم بن والعيد ومنه جاءت التسمية لهذه الابل الكريمة في أصلها  وأيضا تسمى النوق بالعَود في اللغة  وهي نجائب النوق  وكرائمها عند العرب  وقد قرنت هذه الابل بهذه النجابة بالشرف، فذكر المفسر القرطبي في تسمية العيد قولا يقرنه بالشرف "قيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف تشبيها بالعيد:  وهو فحل كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية".  ولا تختلف دلالة العيد في الشّرع عن دلالته في اللغة، بيد أنّه في الشرع محكم بأحكامٍ  وضوابط.

بقلم: سيد عمار  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/3652 sec