رقم الخبر: 247452 تاريخ النشر: آذار 06, 2019 الوقت: 14:36 الاقسام: ثقافة وفن  
الإمام الباقر (ع).. نهوض بأعباء الإمامة الشرعيّة طبقاً لما رسم الله
موج من السرور والبهجة في ذكرى ميلاده الشريف

الإمام الباقر (ع).. نهوض بأعباء الإمامة الشرعيّة طبقاً لما رسم الله

في غرة رجب عام (57) من الهجرة، غمر بيت الرسالة الطاهر موج من السرور والبهجة، احتفاءً بميلاد محمدالباقر(ع)، الذي سبق مَن سواه من مواليد ذلك البيت العظيم، في كونه أول وليد فيه ينتهي في نسبه الى علي(ع) وأمه فاطمة بنت الإمام الحسن(ع) التي وصفها الإمام الصادق(ع) بأنها صدّيقة لم تُدرَك في آل الحسن إمرأة مثلها، فهو هاشمي من هاشميين، وعلوي من علويين.

وقد صُنع الإمام الباقر(ع) على عين الرسالة الإلهيّة من خلال الجو الذي وفَّره له والده الإمام السجاد(ع)، لينهض بأعباء الإمامة الشرعيّة طبقاً لما رسم الله تعالى لعباده في الارض.

ومن هنا فإن الإمام الباقر(ع) قد بلغ الذروة في السمو نسباً وفكراً، وخلقاً، مما منحه أهلية النهوض بأعباء المرجعيّة الفكريّة والاجتماعية للأمة بعد أبيه (عليه السلام).

لُقّب محمد بن علي بالباقر(ع)، أي المتبحر بالعلم والمستخرج لغوامضه ولبابه وأسراره، والمحيط بفنونه، وهذا المعنى تشير إليه معاجم اللغة العربية المعتبرة، ومن شاء فليراجع.

كان الباقر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام بين اخوته خليفة أبيه علي بن الحسن عليه السلام، ووصيه والقائم بالإمامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد وكان اكثرهم ذكرا واجلهم في العامة والخاصة واعظمهم قدرا ولم يظهر عن احد من ولد الحسن والحسين (سلام الله عليهما) من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الاداب، ما ظهر عن ابي جعفر عليه السلام.. (الارشاد- الشيخ المفيد).

ولد عليه السلام سنة 57هـ من الهجرة النبوية الشريفة الاول من شهر رجب المرجب، واستشهد بها في السابع من ذي الحجة عام 114هـ. وهو هاشمي من هاشميين، علوي من علويين، وقبره بالبقيع من مدينة الرسول الاكرم(ص).

بدأ يتلقّى علومه على يد أبيه ونشأ وترعرع في ظلال ابيه الامام زين العابدن يحيا حياته في الزهد والعبادة والعرفان ويعيش آلامه ومأسيه.

ويذكر المؤرخون في سيرة الإمام الباقر(ع) الشخصية، أنه كان «كثير الذكر، كان يمشي وإنه ليذكر الله، ويأكل الطعام وإنه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكان يجمع ولده فيأمرهم بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة -قراءة القرآن- من كان يقرأ منهم، ومن كان لا يقرأ منهم أمره بالذكر، وكان ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالتفضّل والإحسان مع كثرة عياله وتوسّط حاله.

لقد توفرت في شخصية الإمام أبي جعفر(ع) جميع الصفات الكريمة التي أهّلته لزعامة هذه الأمة، حيث تميّز هذا الإمام العظيم بمواهبه الروحية والعقلية العظيمة وفضائله النفسية والأخلاقية السامية ممّا جعل صورته صورة متميّزة من بين العظماء والمصلحين، كما تميّز بحسبه الوضّاح، بكل ما يمكن أن يسمو به هذا الانسان. وكان الإمام محمّد بن علي الباقر(ع) جامعاً للكمالات الانسانية في سيرته وسلوكه، فكان أهلاً للإمامة الكبرى بعد أبيه زين العابدين (سلام الله عليه).

بدأت طفولته عليه السلام، في غمرة جحيم الأحداث المتوالية ضد محبي أهل البيت، أمّا الحكم الأموي، فقد عانى عليه السلام منه الكثير. عاصر حكم يزيد، وشهد حكم عبد الملك والوليد وهشام ابنيه، كما رأى مسلك الحجّاج ابن يوسف، هذا الذئب من ذئاب جهنم، رأى الحصار الذي فرض على أبيه الجليل، رأى كيف كان الناس يتحرّكون بكامل حرّيتهم؛ فيقولون ما يشاؤون ويكتبون ما يشاؤون، إلاّ أهل بيت الرسول، فالحرّيّة محظورة عليهم، والناس لا يجرؤون على الاقتراب من بيت الإمام، أو سؤاله عن أيّ مسألة، دينيةٍ كانت أم غير ذلك، لا لشيءٍ، إلاّ لأنّ زين العابدين هو ابن الحسين وحفيد علي بن أبي طالب عليهم السلام. ورغم هذا التضييق الشديد فقد كان هناك رجال صدقٍ، لا يأبهون لأوامر الحكّام.

لقد عانى الإمام الباقر (سلام الله عليه) من ظلم الأمويين منذ ان ولد وحتى استشهد، ما عدا فترة قصيرة جدا هي مدة خلافة عمر بن عبد العزيز التي ناهزت السنتين والنصف. فعاصر أشد ادوار الظلم الأموي، ولقد ادرك في صباه مجزرة كربلاء الدامية وتجسدت بين عينية اشباح مجازرها الرهيبة. كما أشرف على أفول هذا التيار الجاهلي وتجرّع من غصص الآلام ماينفرد به مثله وعيا وعظمة وكمالا. لقد عاش الإمام محمد الباقر(ع) طيلة حياته في المدينة المنورة يفيض من علمه على الامة المسلمة، ويرعى شؤون الجماعة الصالحة، مقدما لها كل مقومات تكاملها واسباب رشدها وسموها.

لقد كان الامام الباقر عليه السلام مقصد العلماء من كل بلاد العالم الاسلامي. وما زار المدينة احد إلا عرّج على بيته يأخذ من فضائله وعلومه، وكان يقصده كبار رجالات الفقه الاسلامي، كسفيان الثوري و أبي حنيفة. روى عنه معالم الدين؛ بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين.

ورغم تلك الظروف المأساوية أستطاع الإمام عليه السلام، ان يربي أعداد كثيرة من الفقهاء والعلماء والمفسرين حيث كان المسلمون يقصدونه من شتى بقاع العالم الإسلامي وقد دانوا له بالفضل بشكل لانظير له، ولم يعش منعزلا عن احداث الساحة الإسلامية، وخاض الإمام الباقر عليه السلام صراعا مريرا ضد العقائد المنحرفة التي نشطت في عصره، وساهم بشكل ايجابي في توعية الجماهير ضد هذه الانحرافات الفكرية والعقائدية، وتحريك ضمائرها وسعى لرفع شأنها واحياء كرامتها بالبذل المادي والعطاء المعنوي كآبائه الكرام واجداده العظام ولم يقصر عنهم عبادة وتقوى وصبرا واخلاصا وجهادا وكان قدوة شامخة للجيل الذي عاصره ولكل الاجيال التي تلته.

كان عصر الإمام الباقر عليه السلام، من أدقّ العصور الإسلامية، وأكثرها حساسيةً، فقد نشأت فيه الكثير من الفرق الإسلاميّة، وتصارعت فيه الأحزاب السياسيّة، كما عمت الناس ردّه قوية إلى الجاهلية وأمراضها، فعادوا إلى الفخر بالآباء والأنساب، ممّا أثار العصبيّات القبلية وعادت الصراعات القبلية إلى الظهور، وهذا ما شجّع عليه حكام بني أميّة، كما انتشرت مظاهر التّرف واللهو والغناء، والثراء الفاحش غير المشروع.

تصدّى الإمام عليه السلام لكلّ هذه الانحرافات، فأقام مجالس الوعظ والإرشاد، كي يحفظ لدين جدّه نقاءه وصفاءه. كما تصدّى عليه السلام للفرق المنحرفة، فاهتمّ برعاية مدرسة «أهل البيت». والتفّ حول الإمام الباقر علماء كثيرون، نهلوا من صافي علومه ومعارفه في الفقه والعقيدة والتفسير وعلوم الكلام.

ان دراسة حياة الباقر(ع) تكشف لنا، أنَّ مرحلته كانت من أشدِّ المراحل التي مرّت على العالم الإسلاميّ آنذاك، وهي مرحلة انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيّين، والتي عاش فيها المسلمون صراعاً عنيفاً انتهى بسقوط العهد الأمويّ وبداية العهد العباسيّ، والإمام الباقر(ع) هو الذي استطاع أن يغني الواقع الإسلاميّ في العمق والامتداد، ذلك أنَّ الظروف السياسيّة، كانت بين وقت وآخر تضغط على هذا الإمام أو ذاك، فتمنعه من أن يبلّغ رسالته كاملةً غير منقوصة، بفعل الاضطهاد الجسدي والمعنوي ومصادرة الحريّات وما إلى ذلك، ما منع بعض الأئمة من أن يزيدوا في عطائهم الإسلامي في ما يتضمنه الإسلام من عقائد وقضايا ومفاهيم ومناهج ووسائل وأهداف، فلقد كانت مشكلتهم مع أكثر من حاكم في تلك المراحل، هي أنَّ هؤلاء الحاكمين كانوا يعرفون ما يملكه أئمة أهل البيت(ع) من غنى الفكر والروح والحركة مما لو اطّلع الناس عليه لأقبلوا عليهم كما يُقبل الظامى‏ء على الماء، والرواية التي يذكرها المفيد في الإرشاد توضح هذا المعنى.

لقد عاش الإمام الباقر(ع) في أواخر الحكم الأمويّ، وكان الأمويون في صراعهم مع العباسيين مشغولين عنه من أجل الحفاظ على ملكهم، كما انشغل العباسيون عن ابنه الإمام الصادق(ع) من أجل تأسيس ملكهم. ولذلك اندفع الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام، ليغنيا الساحة الإسلامية بما وهبهما الله من علم، وعلمهما هو من علم رسول الله صلى الله عليه وآله. فالله أعطى رسوله صلى عليه وآله، علم ما أراد أن يبلّغه مما يحتاجه الناس، والأئمة(ع) أخذوا من رسول الله ذلك كلَّه.. وفي تلك الفترة، كان الإمام الباقر ومعه ولده الإمام جعفر الصادق عليهما السلام، يتحرّكان في مدرسة مفتوحة على الواقع الإسلامي كلِّه، فبالرغم من أنّهما كانا يمثّلان في موقعهما المميّز عنواناً مذهبياً في ما يعتقده الكثيرون من المسلمين بأنَّهما إمامان في موقع الوصاية من رسول الله صلى الله عليه وآله، لكنهما في مدرستهما الواسعة التي بدأها الإمام الباقر(ع)، كانا منفتحين على الواقع الإسلامي كلِّه، فنرى أنَّ مختلف العلماء ممّن يلتزمون اجتهاداً معيّناً، سواء أكان ذلك في خطِّ المذهبيّة الكلامية مما يختلف فيه الناس في علم الكلام، أو المذهبيّة الفقهيّة مما يتنوّع فيه الناس في مذاهبهم الفقهية، أو في بعض حركيّة المفاهيم في الواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه الناس، نرى أن كلَّ هؤلاء العلماء كانوا تلامذة هاتين المدرستين اللتين ليستا إلا مدرسة الإسلام.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 4/7059 sec