رقم الخبر: 247345 تاريخ النشر: آذار 05, 2019 الوقت: 14:46 الاقسام: ثقافة وفن  
الحدود المعرفية لإدراك المفهوم الوجودي لله
«وجود الله»؛ يستحوذ على اهتمام الفلاسفة

الحدود المعرفية لإدراك المفهوم الوجودي لله

فيلسوف بريطاني: دليل وجود الله يتمثل بوجود الكون المادي ذاته ومطابقته لقوانين الطبيعة

على مدى قرون، استحوذ مفهوم «وجود الله» على اهتمام الفلاسفة وشكل كذلك مجموعة متنوعة من الأدلة التي تمتد من بعض السمات الأخلاقية أو الحياة الأخلاقية حتى وجود الله ذاته، الذي يُفهم عادة على أنه خالق رحيم من الناحية الأخلاقية للعالم، وله دور رئيسي في الفكر الإنساني بحيث أن النقاش والحديث مستمر حوله حتى الآن.

كان أحد الأسئلة الهامة التي كانت دوما تثير دوامة من الإبهام والغموض في عقول الفلاسفة هو «هل هناك خالق لهذا الكون»؟ إن وجود الله أو غيابه له تأثير جذري على وجودنا وحياتنا والذي لا يزال بإمكان المرء أن يناقش حوله، وأن يقدم أدلته وقناعاته بهذا الخصوص لتستبين الحدود المعرفية وراء إدراك المفهوم الوجودي لله.

إن أحد أكثر الأدلة شهرة بالنسبة إلى غير المؤمنين بالله تتعلق بقضية «الشر». ما يعنونه من الشر هو تجنب كل الشرور والمعاناة والأوجاع التي قد يواجهها البشر في حياته، بما في ذلك الكوارث الطبيعية مثل الزلازل وأمواج التسونامي وجميع أنواع الأمراض والشذوذ الأخلاقي التي تنطوي على السلوكيات البغيضة للإنسان والتي يمكن أن تكون أشياء صغيرة الحجم مثل الكذب والخيانة، أو حالات كبيرة وأشدّ أمرا مثل الإبادة الجماعية.

يذهب المنتقدون غير المؤمنين بوجود الله إلى أنه إذا كان الله هو عالم وقادر على الإطلاق وهو مظهر للخير والجمال فإذن إذا وقعت أعمال شريرة وخبيثة فإنه سيكون عالما بها ونظرا إلى أنه قادر يمكنه أن يمنع حدوثها، وبما أنه مظهر للخير المطلق فلابد أن يمنع من حدوث هذه الأعمال، هذا في وقت نرى أن جميع ألوان الشر تحدث في العالم. غير المؤمنين بالله يعتبرون هذه النماذج على أنها وجه من وجوه التناقض في تعريف الله، ويقولون نحن نؤمن بأنه ليس هناك إله على الإطلاق أو إذا كان موجودا يجب أن ننفي بعض الصفات الثلاث عنه.

على النقيض من ذلك كفلاسفة اللاهوت أو الإيمان بالله، مثل ريتشارد سوين بيرن، في محاولة للإجابة على شبهات التيار غير المؤمن بالله، يؤكدون على وجود «الوعي» في البشر، ويعتبرون هذه الظاهرة كنتيجة لمستقبلية مشروع في عملية التطور التدريجي، وإن ظهور الوعي، بغض النظر عن طبيعته المادية أو غير المادية يعتبرونه على أنه مثال قوي الحجة على وجود خالق مدبر وهادف.

وفيما يلي النص الكامل من المقابلة مع الفيلسوف والأستاذ البريطاني في جامعة أوكسفورد «ريتشارد سوينبرن»:

س: ما هي الأديان التي استحوذت على اهتمامك في أبحاثك وأعمالك خاصة في كتابك «وجود الله»؟ أو كان اهتمامك منصبا فقط على اللاهوت المسيحي؟

إن كتاب وجود الله «The Existence of God» يدرس أكثر المميزات العامة في العالم التي يمكن لأي أحد أن يشاهدها فضلا عن وجود الله. ما أستوعبه عن الله أنه «فرد بلا جسد ، هو أبدي بالضرورة ، مجرّد تماما، كلي القدرة، كلي العلم، الخير المطلق، وهو خالق الأشياء كلّها» أنا أسمي هذه العقيدة «الألوهية». وأنا أعتبر أن الإيمان هو النواة الأساسية لمعتقدات المسيحية واليهودية والإسلام. وخلال ثلاث صفحات من هذا الكتاب ، قد أشرت إلى أدلة تاريخية تؤيد عقيدة مسيحية محددة. والكتابان الآخران للثلاثية والذي يعتبر كتاب «The Existence of God» المجلد الثاني للمجلدات الثلاثة يتمحوران مفصليا حول الألوهية. والمجلد الأول، «تماسك الألوهية» (The Coherence of Theism) يحدد بالتفصيل طبيعة الخصائص الإلهية، على سبيل المثال يحلل ما الذي يتمتع به الله حتى يكون كلي القدرة أو كلي العلم. والمجلد الثالث، الإيمان والعقل (Faith and Reason)، يصف علاقة الاستدلال والأدلة لوجود الله على أنها ممارسة للإيمان الديني. لكن في الكتب الأخرى كانت دراساتي تنصب في بعض الأحيان لصالح عقائد مسيحية معينة. إن الظواهر المرصودة التي أعتبرها دليل لوجود الله، تتمثل بالوجود ذاته للكون المادي، ومطابقته لقوانين الطبيعة الواضحة البسيطة (من النوع الذي يمكن اكتشافه من قبل العلماء)، تلك القوانين والأنظمة التي من شأنها أن تؤدي إلى تطور البشر، وأن يكون واعيا. ربما تكون النظرية العلمية صحيحة إلى حد أنها تقودنا إلى توقع ظواهر ملحوظة التي بشكل أو بآخر لا يمكن توقعها، أو تكون نظرية بسيطة. أنا أدعي أن هذه المعايير نفسها تظهر أن الألوهية  ربما تكون على الصواب - إنها نظرية وبسيطة في افتراض إله واحد فقط، والذي تقودنا طبيعته إلى توقع أنه هو من جاء بكون مادي تحكمه قوانين واضحة مبسطة للطبيعة ويسكنها بشر واعٍ. مثلما تشرح نظريات علمية محددة أنواعا معينة من الظواهر، التوحيد يوضح لماذا تعمل هذه النظريات، ويشرح السمات الأكثر شيوعًا لجميع أنواع الظواهر.

س: ما هو أساس استدلالك لاستخدام الوعي البشري كسبب لوجود الله؟ لماذا لا يستطيع العلم توضيح الوعي البشري؟

تشكل استدلالاتي حول وجود الله مجتمعة،حجةً واحدة تراكمية. وهكذا، فإن وجود الكون المادي يعطي درجة من الاحتمالية لوجود الله، فإن تنفيذ قوانين واضحة مبسطة للطبيعة يزيد ذلك الاحتمال، تلك القوانين التي من شأنها أن تؤدي إلى تطور البشر وزيادة في احتمالية ذلك. إذا كان العلم بصدد شرح حدوث الوعي، فيجب أن تكون هناك قوانين من الطبيعة تربط حالات الدماغ بحالات الوعي؛ كمثال يجب أن تكون هناك قوانين إذا كان دماغ بعض البشر هو في حالات خاصة محددة، وأنه سوف تكون لدى الإنسان فكرة بأن اليوم هو الاربعاء؛ على سبيل المثال، يجب أن يكون هناك قانون ينص على أنه إذا كان دماغ الإنسان في حالة معينة، فستكون لدى الإنسان فكرة «اليوم هو الاربعاء »؛ وإذا كان دماغ هؤلاء البشر هو في حالة مختلفة خاصة، فإن البشر سوف يكون لديهم صورة حمراء لاحقة، وهلم جرا. لا توجد قوانين الطبيعة من النوع الذي تفترضه الفيزياء حالیا يمكن أن تفسر هذه الظواهر، لأن فيزياء اليوم ليست مهتمة بالظواهر الواعية - فهي لا تهتم إلا بالظواهر القابلة للملاحظة العامة. ومن الممكن أن الفيزياء يمكن توسيعها للتعامل فقط مع الظواهر الواعية. وهذا يتطلب من الفيزياء أن يفترض عددا هائلاً من القوانين الإضافية، في ضوء العدد الهائل من أنواع مختلفة من الحالات الواعية (لا يمكن تحليلها من حيث العناصر المشتركة في الطريقة التي يمكن بها تحليل الأجسام المادية من حيث ذراتها المكونة) التي يمكن أن تكون لدى البشر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه قد يكون سبباً لوجود عدد هائل من قوانين الطبيعة من نوع مختلف تماما عن القوانين التي تحكم الأشياء المادية، حيث قد تكون هناك حاجة إلى توضيح الوعي. وما لم يقم شخص ما بتصميمها لهذا الغرض، فليس هناك أدنى سبب لتوقع وجود عدد هائل من القوانين المعقدة المترابطة. لكن الله لديه سبب وجيه لخلق البشر، لأن البشر لديهم نوع منقطع النظير من الخير، الخير في أن يكون قادرا على الاختيار بين الخير والشر (وهو خيار لا يستطيع الله الذي هو الخير المطلق أن يضع نفسه). لذلك، بما أن القيمة الكبيرة للبشر تكمن في حياتهم الواعية، بما في ذلك الخيارات الواعية التي يمكنهم القيام بها، فإن الله لديه سبب وجيه لإنجاز تلك القوانين؛ وبالتالي من المحتمل أن تكون هناك تلك القوانين إذا كان هناك إله يجعلها تنجز. ومن هنا، فإن إنجاز القوانين التي تربط بين حالات الدماغ والحالات الواعية يزيد من احتمال وجود الله. إذا كان العلم يستطيع أن يشرح الوعي، فإن الله يشرح لماذا يمكن للعلم أن يفسر الوعي. وإذا كان العلم لا يستطيع أن يشرح الوعي، يجب علينا أن نفترض أن الله يعمل خارج قوانين الطبيعة، إذا كان علينا أن نقدم تفسيراً عن سبب إدراك البشر.

س: ما هو رأيك بالنسبة إلى الاستدلالات القائمة على الحب لإثبات «وجود الله»؟ في التقاليد الإسلامية، حاول المؤمنون بهذا الاستدلال إنكار ورفض الاستدلالات العقلانية لوجود الله؟

 أنا يؤسفني أنني لست على دراية بالاستدلالات القائمة على الحب للتقليد الإسلامي لإثبات وجود الله. لكنني بالتأكيد أعتقد أن بعض الناس فقط يحتاجون إلى الاستدلالات من النوع الذي أوضحته في كتبي لكي يصدقوا أن هناك إلها. بعض الناس لديهم تجارب دينية عميقة لوجود الله؛ ومن المعقول دائماً الاعتقاد بأن الأشياء تظهر كما تبدو أن تكون - في غياب الأدلة المضادة. على سبيل المثال، من المنطقي الاعتقاد بأنك تنظر إلى شجرة، إذا بدا لك أنك تنظر إلى شجرة - ما لم يكن شخص ما يظهر أنه مجرد وهم بوجود شجرة هناك. وعلى نحو مماثل يكون من المنطقي أيضا الاعتقاد بأن الله يتحدث إليك إذا بدا لك أن الربّ يتحدث إليك ــ ما لم يكن لديك سبب لافتراض أنك تخضع تحت الهلوسة والوهم. كذلك، من المنطقي أن تعتقد بما يقال لك من قبل شخص ما، إلا إذا كان لديك أدلة مضادة، بأنك تمتلك بعض الأدلة للافتراض أن المُخبر الخاص بك لم يكن لديه الخبرة أو المؤهل لمعرفة ما يتحدث عنه، أو أنك لا تعرف إذا ما كان يقوله ليس قائما على الصدق. لذلك فمن المنطقي أن يصدق شخص ما في قرية من العصور الوسطى في إيران أو إنجلترا ما يخبرهم به الكاهن أو الإمام - على سبيل المثال، أنه يوجد إله - ما لم يكن لديهم سبب للاعتقاد بأن الكاهن أو الإمام ليسا في وضع يسمح لهم بمعرفة سواء كان هناك إله أم لا ، أو ما لم يكن لديهم أي دليل آخر على أنه لا يوجد إله. لكن في ثقافتنا العلمية العالمية الحديثة، يدرك معظم الناس الأدلة ضد وجود الله، وهم على دراية بالأدلة المضادة لمصداقية تجاربهم الدينية أو ما يقوله لهم كاهنتهم أو إمامهم. لذا في ثقافتنا الحديثة، لكي نؤمن بعقلانية بأن هناك إلهًا، يحتاج العديد من الناس إلى استدلالات إيجابية لوجود الله، بالإضافة إلى استدلالات تظهر أن الأدلة المضادة التي يقدمها الملحدون ليست مقنعة.

بقلم: محمد مظهري/ ترجمة أحمد عبيات  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ مهر
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 7/4423 sec