رقم الخبر: 243341 تاريخ النشر: كانون الثاني 22, 2019 الوقت: 15:24 الاقسام: ثقافة وفن  
الطربوش.. طرائف وحقائق واعتبارات تاريخية
كأهم مقاييس الوجاهة والرجولة المطلقة

الطربوش.. طرائف وحقائق واعتبارات تاريخية

إنها قصة مشوقة لزي وموضة تقليدية تاريخية، انتشرت في العالم العربي، فترة طويلة من الزمن. هي حكاية الطربوش وما يحيط بها من أحداث ومفاهيم واعتبارات، حيث لا تخلو من طابع الأهمية والطرافة والدور التاريخي.

خاصة وانه شهد رواجا كبيرا في مجتمعاتنا خلال سنين عديدة، كان فيها سيد الساحة بين مختلف أنواع أغطية الرأس الأخرى، ليتجسد كعنوان يعكس بوجه مضموني متشابك، منظومة قيم وعادات وأعراف للمجتمعات العربية والإسلامية في ذلك الزمن، فبعد العمامة ثمَّ العقال، جاء الطربوش، كأنَّه فاصل بين تاريخين أو زمنين، ليزين ويكلل الرؤوس لأكثر من مئة عام، وليتلاشى حضوره لاحقا، فيولي، ولتبقى العمامة والعقال، أو حتى الرؤوس الحاسرة.

إن غطاء الرأس هذا (الطربوش)، والذي شغلنا وصار «موضة» العصر، لفترة لا بأس بها، لم يقتصر على كونه قطعة قماش تؤدي غرض حجب أو حماية الرأس، بل مثل تعبيرا عن الأناقة والمكانة الاجتماعية أو الفكرية أو السياسية، وبذا نجد تميز وتمظهر فنونه في إطار مضطرد، حيث تتدرَّج ألوانه من الأحمر الفاتح إلى الأحمر الغامق، على شكل مخروط ناقص، وتتدلَّى من جانبه الخلفي حزمة من الخيوط الحريرية السوداء، كما يوضع على الرأس مائلاً إلى الوراء أو إلى أحد الجانبين.

وكان الرجل، عندما يظهر «وطرةَ» طربوشه إلى الأمام- نحو الوجه-، يعني بذلك رغبته في التعبير عن شدَّة غضبه. وهناك فعليا نوعان من الطرابيش، بعضها يصنع من الصوف المضغوط، أو من الخوص المُحَاك، أو من الجوخ الملبَّس على قاعدة من القش، فيستعمل عازلا للرطوبة، ليكسبه متانة أكثر، وبعضها الآخر يصنع من القش.

أصل الطربوش

كلمة الطربوش مشتقة من كلمتي «سر» و«بوش». سر، تعني الرأس، وبوش تعني الغطاء. ومع الزمن تَحرّفت عند العرب وأصبحت طربوش. وهو مصنّع من الجوخ الأحمر السميك، ومصمم بشكل مخروطي، محشو بالقش لتهوية الرأس عند ارتدائه، وتتدلى من سطح جانبه الخلفي حزمة من الخيوط الحريرية السوداء التي تسمى «الخوصة، الشرابة، الشراشيب:. ولكل رأس قالب خاص، يراوح بين 25-75 سم بحسب مقاس الرأس. اخذ الطربوش (الذي يمثل الجيل الكلاسيكي) احترامه من احترام الرجل الذي يعتمره، واعتاد الناس في زمن الدولة العثمانية عدم خلعه في المجالس الرسمية، ودور الحكومات وداخل البيوت. فتباهى أصحاب الشأن بلبسه، على اعتباره رمزاً للجاه والهيبة، أو المكانة الاجتماعية أو الدينية أو السياسة، وحتى الثقافية.

مواءمته للسن والمكانة

ولا تغيب عن هذه الصناعة، أو الموضة، اعتبارات مواءمتها للسن والمكانة، الخاصين بمن سيقتني هذا الطربوش المصنع، لذا فإننا نكتشف تضمنها جماليات وتحديدات كثيرة، ومثالنا هنا أنه كان لون طربوش المتقدِّمين في السن أحمر داكناً، بينما طربوش الشباب أحمر فاتح، واللافت هنا وجود تخصص محدد ومنفصل في غسله، فعندما يتَّسخ الطربوش يوكل أمره إلى معنيين بتنظيفه، يُسمَّى الفرد منهم بـ(كوي) الطرابيش، وحين يتقادم العهد على الطربوش، كان يُقص من دائرته بعرض 2سم أو أكثر، وتلف تلك القطع على شكل دوائر تُسمَّى «السركي».

دلالات واعتبارات الـ«طربوش»

ظلَّ الطربوش مستخدماً في عدد من الدول العربية إلى عهود قريبة، ومازال رائجا في بعضها حتى الآن، وأبرز هذه الدول: المغرب ومصر وسوريا وفلسطين ولبنان وتونس والجزائر، إذ عُد ضرورياً لاستكمال المظهر الرسمي، آنذاك.

علاوة على تموضعه كأهم مقاييس الوجاهة والرجولة المطلقة، كما طغت مجموعة من الطقوس والمفاهيم الدقيقة بخصوصه، وحتى أنَّ جنازة الميِّت عندما كانت تُحمل على الأكتاف لا يغيب حضور الطربوش معها، في حال كان الميت رجلاً عادياً، وتظهر عمامته محمولة، عوضا عن الطربوش، إذا كان عالماً، وأيضا كان هناك لفَّة تسمى «لام ألف»، عبارة عن قطعة قماش مزركشة باللون الأصفر مع الأبيض، تحيط بالطربوش، تستخدم لغرض الدلالة على أنِّ الميِّت رجل دين، أو أنَه ذو مكانة اجتماعية رفيعة.

ظهوره الأول

كان الظهور الأول للطربوش في العالم العربي، ضمن مدينة دمشق أيام «إبراهيم باشا»، الابن الأكبر لمحمد علي باشا والي مصر، والذي حكم سورية مدَّة تقارب العشر سنوات 1831-1841، فعمم أثناء حكمه الشام (سوريا الطبيعية)، لباس الطربوش بدل العمامة، وقد حرص محمد علي باشا قبل ذلك، وفي إطار برنامجه لتحديث البلاد واستقلالها، على إنشاء مصنع للطرابيش في مصر، إذ كانت، وحتى بداية عهده، تستورد الطرابيش من الخارج، لكن محمد علي اتخذ موقفا مغايرا إزاء هذه المسألة، بعد أن هزمته وطوقته الدول الغربية باتفاقية 1840، ركز معه على تفكيك مصانعه كاملة، بما في ذلك مصنع الطرابيش.

 اختلاف مقاس الطربوش من بلد إلى آخر

قد يختلف شكل الطربوش ومقاسه من بلد إلى آخر، ففي سوريا وفلسطين كان طويلاً وأشد احمراراً عن ما هو عليه في تركيا، وشهد الثلث الأخير من القرن العشرين شهرة عظيمة لعدد من الطرابيش، ومنها طربوش «الأبيش»، «المهايني»، «العظمة»، «البكري»، «الحسيني»، «السبيعي». وفي لبنان، اشتهر آل حيدر وآل أرسلان وآل الخازن وآل سلام وغيرهم من كبار العائلات ورجال الحكم، في لبس الطربوش والتفاخر به، حتى قيل إنَّ المسؤول في الوزارة أو في مجلس النواب، إذا كان لا يلبس الطربوش، يستحيل كونه مؤهلا للمسؤولية والجدية في اتخاذ القرارات، بل إنَّ أحد مقاهي بيروت، كان يمنع دخول أيَّاً من مرتاديه إلاَّ إذا كان معتمراً الطربوش.

«طربوش غوار»

كثيرا ما ترتبط لدينا صورة الفنان السوري دريد لحام، في أدائه لأعماله الفنية المتنوعة، بالطربوش ونمط ارتدائه وتصميمه، ونجد أنه في غالبية الأعمال التي قدمها، وبرصد وتخطيط مسبق وذكي من قبل المرحوم الكاتب محمد الماغوط، كان استخدام وظهور الطربوش، يأتي ليعكس ويعبر عن رسالة خاصة ضمن موقف اجتماعي محدد، أو إزاء وضع سياسي وعربي عام. ولا شك أن تميز قدرة «غوار» فنيا، أضفت جماليات ودلالات عميقة في مظهره بالطربوش، أو حتى في وضعيته على رأسه، أو عندما كان يستعمله أحيانا للتلويح به، أو يضرب به أحدهم، أو أيضا حين كان يرميه ليعبر عن استيائه وفقدانه الوقار والتوازن. عموما كانت هذه الأعمال تجسد فعليا دور ومكانة وأهمية الطربوش في اعتباراتنا وثقافتنا المجتمعية، إلى وقت قريب جدا.

بقلم: أنور محمد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/3774 sec