رقم الخبر: 243122 تاريخ النشر: كانون الثاني 20, 2019 الوقت: 14:30 الاقسام: ثقافة وفن  
الفسيفساء السوريّة.. عراقة الفن والتاريخ
تمنح المكان طابع الفخامة والجمال

الفسيفساء السوريّة.. عراقة الفن والتاريخ

انتشر فن الفسيفساء في العصرين الروماني والبيزنطي والعصر الإسلامي، وصولاً إلى عصرنا الحالي، حيث تُستعمل في إنجاز اللوحات الجداريّة، أو تُرصف بها أرضيات المسابح، أو تُكسى بها الجدران والعواميد وعناصر معماريّة أخرى كثيرة،

ولعل من أشهر اللوحات الفسيفسائيّة المعاصرة هي لوحة الفنان (غورمان) التي تُزين واجهة مكتبة (مكسيكو) في العاصمة المكسيكية، ويدور موضوعها حول تطور الإنسان من عصر (الأزتيك) إلى اليوم.

الفسيفساء أو الموزاييك، مصطلح لاتيني يطلق على إحدى تقانات اللوحات الجداريّة العريقة والخالدة، بدليل أنها وصلت إلينا منذ آلاف السنين. وتتكون من قطع صغيرة (فصوص) لا تتجاوز مساحتها السنتيمتر المربع، وتبلغ سماكتها نصف سنتمتر، وهي إما من الحجر الطبيعي الملون، أو من الزجاج، أو من البلاستيك القاسي، أو من الصدف. وقد يُستعمل في إنجاز اللوحة الواحدة، أكثر من مادة وخامة طبيعيّة وصنعيّة.

لم تختلف عمليات تنفيذ الفسيفساء في جميع العصور، وقد كانت اللوحات المنفذة منها جزءاً من التخطيط العمراني، غير أنها باهظة التكاليف في العمل والمادة والفن، لكنها في الوقت نفسه، تمنح المكان الذي تتواجد فيه، طابع الفخامة والجمال.

تعد سوريا من الدول الغنية بفن الفسيفساء، فهي تمتلك ثروة كبيرة ومهمة من لوحاتها الأرضيّة والجداريّة العائدة لأكثر من حقبة تاريخيّة، ولعل أبرزها وأهمها الحقب اليونانيّة والرومانيّة والبيزنطيّة، ثم الإسلاميّة. والحقيقة، يُغطي فن الفسيفساء الذي ارتبط بالعمارة الداخليّة والخارجيّة، المناطق السوريّة كافة، بدءاً من محافظة إدلب، فحماة، والساحل السوري. وانتهاءً بجبل العرب والجامع الأموي الكبير في دمشق الذي تحوي جدرانه لوحات رائعة منفذة من الفسيفساء، خلال العصر الأموي، جنباً إلى جنب، مع لوحات قبة الصخرة في المسجد الأقصى في مدينة القدس العربيّة. وحظيت الفسيفساء السوريّة باهتمام الباحثين والدارسين، وعقدت حولها الندوات، وأقيمت ورشات العمل التي شارك فيها العديد من الدول العربيّة والأجنبيّة، إضافة إلى سوريا. وذكر بعض المؤرخين (منهم فيليب حتي) أنه من الراجح أن يكون الصناع والفنانون السوريون استعدوا لتجميل العاصمة (رافنا) فبقيوا هناك يُعلّمون حرفتهم للصناع المحليين، وأدخلوا صناعة الواجهات والجدران والسقوف. وتتميز الفسيفساء السوريّة عموماً، بأنها متعددة الموضوعات والعناصر، وتتوزعها عدة مواقع ومطارح قديمة في سوريا، منها: حرين، مريمين، هرقول، جير جناز، بسقلا، ديرسمعان، تل عار، حوا، معراتا، أم حارتين، شهبا، أفاميا. ومجموعة مناطق أخرى كثيرة. كما أن عمليات التنقيب الجارية حتى اليوم، وبشكل متواصل، من قبل بعثات تنقيب سوريّة وأجنبيّة، في أكثر من منطقة سوريّة، تضع يدها بشكل دائم، على الجديد من المكتشفات الخاصة باللوحات الفسيفسائيّة الأرضيّة والجداريّة، ما يؤكد ثراء هذه البلاد بهذا الفن العريق والخالد، حيث تقاوم تقنيته عوامل الجو المختلفة، وتصمد في وجه الزمن، لتصل إلى الأجيال المتلاحقة، كاشفة ومبيّنة، مدى العمق الحضاري الكبير الذي تتفرد به سوريا التي يعتقد بأن ثمة سوريا أخرى، لا تزال رهينة تربتها، إذ إن كل شبر من أرضها الحاليّة، يكمن فيه، ملمح لحضارة عاشتها هذه البلاد، في مراحل تاريخيّة مختلفة.

تنوع حضاري وغنى أثري

يرى الباحث السوري (كامل شحادة) المدير السابق لـ«متحف معرة النعمان»، أن سوريا تمتاز بتنوع حضاري، وغنى أثري، خاصة محافظة إدلب التي تقع فيها مدينة (معرة النعمان). فهي تتميز بروائع فنيّة عمرانيّة لا تُحصر في حضارة واحدة، وإنما تشمل حضارات متعاقبة، عبر العصور، لهذا سماها الرحالة (بوابة العبور إلى الشرق العربي من الشمال). ومحافظة إدلب غنيّة بالفسيفساء التي تعتبر من مناحي فن التصوير، وضرب من ضروب الزخرفة، ابتكرها الفنان السوري الشرقي منذ وقت مبكر، لتلبي رغبات معاصريه في رؤية الجمال.

فسيفساء (بروميثيوس) شهبا

يرى الباحث الهولندي (مات أميرزيل) من جامعة (لايدن) أن فسيفساء (بروميثيوس) بمدينة شهبا في جبل العرب في سوريا، العائدة إلى القرن الثالث الميلادي، تتفرد بجملة من الخصائص، سواء على صعيد، المضمون أو الشكل. ووجود بعض الأساليب البدائيّة في هذه الفسيفساء، أو في بعضها بتعبير أدق، لا يقلل من قيمتها كعمل كلاسيكي. ويؤكد هذا الباحث، أن بعض لوحات شهبا، تعرض لتجديد خلال عصور متأخرة، كما تعرض بعضها الآخر إلى عملية تقليد غير واعية، وذلك بدليل وجود كتابات مقلوبة في بعض هذه اللوحات، لا يمكن قراءتها بشكل صحيح من دون عكسها في المرآة، وقد جاء هذا التقليد فجاً ومفضوحاً، بدليل الأخطاء الموجودة في الكلمات اليونانيّة التي تطرز بعض اللوحات.

الفسيفساء الإسلاميّة

ومن جانب آخر، فإن الفتح الإسلامي لسوريا، لم يجد مقاومة من أهل البلاد، ما جعل المسيحيين يستمرون في إنتاج الفسيفساء اليونانيّة والرومانيّة لبناء كنائسهم. أما الفسيفساء في الجوامع، فأهمها وأبرزها، ما تضمه قبة الصخرة في المسجد الأقصى بالقدس، والجامع الأموي الكبير في دمشق، وهي تنتمي إلى العصر الأموي، حيث استعمل الأمويون هذا الفن العريق، بعناصره الكلاسيكيّة، بعدما قاموا بتطويره وتطويعه لرؤيتهم الخاصة. أي صبغوا الفسيفساء السوريّة الجديدة بالطابع الإسلامي، وكانت موضوعاتها خالية من الهيئة الإنسانيّة. ففي فسيفساء الجامع الأموي التي تغطي الجدران، وتغلب عليها الألوان الذهبيّة، غلبت عليها المناظر الطبيعيّة، والبيوت والنباتات والأشجار والأنهار. كذلك الأمر في فسيفساء قبة الصخرة. وحصل الخليفة الأموي (الوليد)، من امبراطور القسطنطينيّة، على المواد، وكذا على مؤازرة الفنانين الذين يعرفون تقنية هذا الفن (اختص بها البيزنطيون)، في إنجاز هذه الأعمال في دمشق والقدس، وحفظت هذه الأعمال بمعجزة (لاسيما اللوحات التي تزين أروقة الجامع الأموي الكبير) تحت الكلس الذي غُطيت به، وهي تمثل مجموعة من الأشجار العالية، تتخللها منشآت (قصور وبيوت) نُفذت بأسلوب هلنستي. وثمة أمواج تضطرب، قد تكون إشارة إلى نهر بردى، تحاذي هذه المشاهد الخياليّة التي يرى البعض فيها تمثيلاً لغوطة دمشق ونهر بردى الذي يرويها.

وتوجد لوحات الفسيفساء اليوم في العديد من المتاحف السوريّة، وقد خصص لها متحف منفرد في معرة النعمان، وخان عثماني ضخم، ومتحف أفاميا في خان مماثل، عدا عن المتاحف الوطنيّة في دمشق وحماة والسويداء وشهبا.

تكاليف باهظة

فن الفسيفساء باهظ التكاليف في العمل والمادة والفن، لكنه في الوقت نفسه، يمنح المكان الذي يوجد فيه طابع الفخامة والجمال.

بقلم: محمود شاهين  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 13/0586 sec