رقم الخبر: 242233 تاريخ النشر: كانون الثاني 11, 2019 الوقت: 14:19 الاقسام: مقالات و آراء  
تركيا والرقص على أنغام الانسحاب الأميركي

تركيا والرقص على أنغام الانسحاب الأميركي

يبدو أن الانسحاب الأميركي المُزمع من سوريا أضرّ بـأردوغان وجعله يتخبّط في دائرة طموحاته، وعلى غير التوقّعات المرجوّة تُركياً، فقد خسر أردوغان الكثير من أوراق قوّته، وباتت هذه الأوراق في مهبّ الرياح السورية التي تؤسّس لانتصار بات غير بعيد.

لا تزال تداعيات قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا، تُرخي بظلالها على جملة التطوّرات السياسية والعسكرية المتعلّقة بالشأن السوري، فالمُباغتة التي جاء بها ترامب إبان قراره المتعدّد الأوجه، كانت على درجة كبيرة من التخبّط داخل أروقة البيت الأبيض، لجهة التعقيدات المتزايدة التي ستصيب محور واشنطن، خاصة إذا ما نظرنا إلى كُتلة المصالح المشتركة التي تجمع واشنطن وبيادقها في الشرق الأوسط، وفي مقابل القرار الترامبي المُباغت شكلاً ومضموناً، يبدو أن أوهام أردوغان لم تكن بحجم توقّعاته المرجوّة بشأن شمال شرق سوريا، فقد راهن أردوغان على أن هذا الانسحاب قد يرفع الغطاء السياسي والعسكري عن الكرد، ويوفّر للقوات التركية ظروفاً مواتية لاستكمال العملية العسكرية المُزمعة شرق الفرات، وبهذا يتمّ سحب التداعيات السلبية جرّاء الهجوم المتوقّع على الكرد حلفاء واشنطن،  لكن الواضح للجميع وخاصة للتركي، أن الوضع الجيوسياسي في جزئيات المشهد السوري، لا يميل إطلاقاً لصالح الرئيس التركي وسياسته التوسّعية في شرق سوريا، خاصة أن حلفاء أردوغان المُفترضين يحملون أجندات تخالف في مضامينها تطلّعات أردوغان وهواجسه الأمنية.

يبدو أن الانسحاب الأميركي المُزمع من سوريا أضرّ بـأردوغان وجعله يتخبّط في دائرة طموحاته، وعلى غير التوقّعات المرجوّة تُركياً، فقد خسر أردوغان الكثير من أوراق قوّته، وباتت هذه الأوراق في مهبّ الرياح السورية التي تؤسّس لانتصار بات غير بعيد، خاصة أن السياسات التركية كُشفت ولم تعد لها قوّة ردع بالمعنى السياسي، فإن المتضرّرين من هواجس أردوغان وطموحاته كُثر، وسيقومون بالتصدّي لسياساته من العراق إلى سوريا وإيران، وهذا يؤكّد بأن كفّة المصالح في ميزان القوى، لن تكون إطلاقاَ في مصلحة أردوغان ولو كانت واشنطن وقدراتها السياسية والعسكرية طوع إرادته، فالوضع الجيو استراتيجي في شرق سوريا، يحمل في تفاصيله تعقيدات هي رهن بالمسارات السياسية  والعسكرية ليس في سوريا فحسب، بل تكاد تقارب الإقليم كاملاً، وعليه تكون أوراق الرئيس التركي وبالربط بين التعقيدات السياسية المرافقة للشرق السوري، قد تحوّلت لمجرّد تصريحات خرقاء غير فعّالة إقليمياً ودولياً، وفي المقابل بات أردوغان ينتظر فُتات المكاسب التي من الممكن أن تُرمى له، حيث أن سوريا وروسيا وإيران باتت في مرحلة تصاعد يرقى لمستوى حلف استراتيجي، بعد أن أثبتت العلاقة الثلاثية في ما بينها قدرة خارقة في التصدّي لسياسات البيت الأبيض، بل وقد تمكّنت من القفز على عقوبات ترامب وتطوعيها لصالحها، وبالتالي لا فُرص أردوغانية أمام حلف استراتيجي قوي ومتصاعد، ما يُفسّر إرجاء العمل العسكري التركي شرق الفرات، وبناء عليه أعلن وزير الخارجية التركي إرجاء الحديث عن أيّ عمل عسكري يطال الكرد شرق الفرات، إلى ما بعد اللقاء الذي سيجمع مسؤولين أتراكاً مع نظرائهم الأميركيين في واشنطن، وذلك بُغية التنسيق بشأن قرار ترامب الانسحاب من سوريا، والذي سيستغرق ما يربو على مئة يوم، وقد تكون هذه الأيام حُبلى بالمفاجآت الاستراتيجية، أو الذرائع السياسية الأميركية، على شاكلة تجدّد خطر داعش، أو ربما اندلاع مواجهات عسكرية بين المتصارعين على ملء الفراغ الأميركي في سوريا، كل هذا قد يزجّ بمتغيّرات ووقائع جديدة تُضاف إلى القرار الأميركي، ما يحمل ترامب على العودة عن قراره، وتنفيذ صدمة سياسية وربما عسكرية تُعيد المشهد إلى بداياته.

أردوغان الذي فسّر قرار ترامب لصالحه، يبدو أنه لم يتمكّن من تفكيك جزئيّات قرار الانسحاب، مدفوعاً بطموحاته السياسية وتطلّعاته التوسعيّة وهواجسه الأمنية، وربما غاب عن أردوغان أن أيّ عمل عسكري شرق سوريا قد يُصادف الكثير من المطبّات، خاصة أن التواجد التركي في سوريا غير شرعي وتراه دمشق احتلالاً وجب مقاومته، ما يفتح الباب على مشهد عسكري تصادمي بين سوريا وحلفائها، وتركيا وبيادقها الإرهابية، بيد أن المشهد الجديد الذي يؤرق أردوغان تمثل في دخول الجيش السوري إلى منبج، تمهيداً لوثبة إلى شرق الفرات، وانتظار استراتيجي في قادم الأيام يُجلي تفاصيل المشهد السياسي والعسكري في إدلب، خاصة أن هناك حرباً طاحنة بين الفصائل الإرهابية، والتي لن تكون إلا في مصلحة الدولة السورية وبكل المقاييس.

نتيجة تعقيدات المشهد في شرق سوريا، لا يزال الجدل المتعلّق بالانسحاب الأميركي من سوريا، يبحث عن مُخرجات تُبدّد هواجس كافة الأطراف الفاعلين في المشهد السوري، فـبينما يرى العديد من الدوائر الاستراتيجية إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا مجرّد عملية إعادة انتشار  وتموضع جديد، مشروط بجملة متغيّرات طارئة إقليمياً، تؤكّد جهات أميركية إصرار واشنطن على مواصلة الحرب ضد «الإرهاب»، سواء من خلال فرق العمليات الأميركية الخاصة المتمركزة في العراق، أو عبر نقل قواتها من سوريا إلى مدينة أربيل في العراق، ضمن خطة بعيدة المدى تتضمّن إشراك القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية في ملء الفراغ الجيو استراتيجي الذي سيخلّفه الانسحاب الأميركي في شرق الفرات، وتأمين الشريط الحدودي العراقي- السوري، ضمن هذه المُعطيات وبعيداً عن نُسخ أستانا وتفاهماتها، وعن سوتشي وأجوائه الملبّدة بالغيوم السياسية، نستطيع القول بأن أردوغان يبحث عن مخرج يُجنّبه مآزق متجدّدة،  ويُنزله عن شجرة أوهامه، وبذلك قد يضع أردوغان نفسه في تصرّف ترامب سياسياً وعسكرياً، حينها نستطيع القول بأن تركيا أردوغان ترقص على أنغام الانسحاب الأميركي.

بقلم: أمجد إسماعيل الآغا  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 4/1145 sec