رقم الخبر: 242232 تاريخ النشر: كانون الثاني 11, 2019 الوقت: 14:18 الاقسام: مقالات و آراء  
اليونان ستتحول الى مرتكز اقتصادي روسي

اليونان ستتحول الى مرتكز اقتصادي روسي

في مطلع عام 2015، وفي جو من التوتر الداخلي الشديد بسبب سياسة التقشف القاسية التي فرضتها حكومة ساماراس اليمينية السابقة على الشعب اليوناني، فاز بالانتخابات النيابية اليسار الراديكالي اليوناني، بالتعاون مع الحزب الاورثوذوكسي القومي،

 وشكل الحزبان حكومة يسارية ائتلافية برئاسة الكسيس تسيبراس زعيم حزب سيريزا. ووعد تسيبراس بوقف سياسة التقشف وبأنه ستجري مفاوضات عقلانية مع الدائنين للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة في اليونان. وفي تلك الأجواء الضاغطة، قام رئيس الوزراء الجديد تسيبراس بزيارة الى موسكو واجتمع بالرئيس بوتين طلبا للمساعدة. ولكن بوتين أجابه أن روسيا لن تنضم الى نادي الدائنين، ولن تقدم المساعدات والقروض المالية لليونان ولو بفوائد منخفضة، وأنها ـ أي روسيا ـ يمكن أن تساعد اليونان فقط عن طريق التوظيفات للنهوض بالاقتصاد اليوناني وتطوير البنية التحتية والانتاج وخلق فرص عمل عن هذا الطريق. وعاد تسيبراس الى اليونان دون أن يحصل على أي قرض أو مساعدة مالية. واضطر الى تبني برنامج تقشف مخفف. الا أنه واجه معارضة عنيفة ولا سيما من قبل المتقاعدين والعاطلين من العمل وقامت المظاهرات والاضرابات ضده. وفي تلك الأثناء جرت الانتخابات الرئاسية التركية، ونشرت الصحف التركية الموالية للسلطة ما سمته خريطة تركيا الكبرى التي كانت تضم قبرص وكل اليونان ومقدونيا وصربيا وجنوب بلغاريا، كما رفع رجب طيب اردوغان شعار «يجب ان نستعيد اراضي اجدادنا العثمانيين». وصار من الواضح أن اليونان تواجه ليس فقط خطر الفوضى الداخلية، بل أيضا خطر المطامع التركية.

ولكن في تلك المرحلة، جرى تطور اقتصادي جيوستراتيجي بالغ الأهمية في الاقليم، وهو اتفاق روسيا وتركيا على مشروع تمديد انبوب الغاز المسمى «السيل التركي» من روسيا الى تركيا عبر أعماق البحر الأسود، والهادف الى تأمين حاجات تركيا والى توزيع الغاز الروسي في أوروبا الشرقية والجنوبية. وبناءً لطلب الرئيس بوتين وافق الرئيس اردوغان على أن يمر الانبوب ترانزيت في الاراضي التركية، وتحصل تركيا على كامل حقوقها من رسوم الترانزيت، ولكن على أن تقام محطات الترمينال لتوزيع الغاز على مختلف البلدان في اليونان. وتعمل محطة الترمينال لاعادة الغاز الطبيعي المسال (LGN)  الى حالة الغاز الجاهزة للاستعمال regasification، ومن ثم ضخها للمستهلكين حسب الكميات المتفق عليها. وقد تم انشاء أول محطة ترمينال وهي محطة بحرية عائمة قرب مدينة الكنسدروبوليس على بحر ايجه بعيدا 750 كلم عن العاصمة اثينا. والقدرة الانتاجية الحالية للمحطة هي 5 مليارات متر مكعب سنويا قابلة للزيادة الى 8 مليارات في الحالات القصوى. وتم انشاء المحطة بالمشاركة بين رساميل روسية وايطالية وفرنسية وغيرها، ويحتفظ الرأسمال الروسي من شركة «غازبروم» العملاقة بنسبة تزيد على 50%. ومبدئيا يمكن لمحطة الترمينال المذكورة أن تستقبل الغاز المسال الطبيعي (LGN) من مختلف المصادر من الشرق الأوسط واذربيجان واميركا، ولكن شغلها الرئيسي سيكون بالغاز الروسي، الذي لا يستطيع أي مصدر آخر مزاحمته، إن لجهة السعر الرخيص أو لجهة القدرة على تلبية الطلبات في الأوقات المحددة. وحتى الآن يوجد طلبات من 20 شركة توزيع اوروبية ويبلغ اجمالي الطلبات أكثر من 15 مليار متر مكعب وهو اكثر من قدرة هذه المحطة على الاستيعاب.

وتخطط روسيا لتحويل اليونان الى مدخل رئيسي لتوزيع الغاز الروسي على اوروبا، وستقوم شركة «غازبروم» بالمشاركة مع رساميل فرنسية وايطالية واوروبية اخرى، وطبعا بمشاركة رئيسية من اليونان، ببناء عشرات محطات الترمينال لتوزيع الغاز الروسي من اليونان. وطبعا ان تركيا سيكون لها فائدة كبرى من هذه الخطة لانها ستستفيد بمبالغ خيالية من رسوم الترانزيت وكذلك من فتح مشاريع روسية كبرى اخرى لتركيا.

ولا شك أن الفوائد الكبرى التي ستجنيها اليونان ستساعدها على الخروج من أزمتها الاقتصادية الراهنة وعلى تحريك عجلة الاقتصاد اليوناني بشكل لا سابق له. وتخطط روسيا للمشاركة مع اليونان في تطوير صناعة السياحة في اليونان وصناعة النقل البحري التي هي من التقاليد العريقة لليونان. ومئات الجزر المأهولة وغير المأهولة في بحر ايجه الهادئ صالحة للتحول الى مرفأ لا مثيل له واقامة آلاف العنابر ويؤوي الاف السفن في وقت واحد، لنقل البضائع من والى جميع أنحاء العالم.

ان السياسة التي تنتهجها روسيا تجاه اليونان حاليا تقوم على الأسس التالية:

1- تقديم مساعدة حقيقية للشعب اليوناني الشقيق الذي تربطه بالشعب الروسي رابطة تاريخية روحية ـ حضارية عميقة هي الرابطة الاورثوذوكسية.

2- ربط مصالح كبرى بين تركيا واليونان مما يساعد البلدين على عدم التصعيد العدائي بينهما وتشجيع الطرفين على العمل لحل الخلافات التاريخية والحالية بينهما بطرق سلمية وبدون الانجرار الى نزاعات يخسر فيها الجميع وتهدد الأمن الدولي.

3- العمل لحل النزاع القبرصي وإيجاد صيغة فيديرالية او كونفيديرالية يرضى بها الجميع لاعادة توحيد الجزيرة، والاستفادة من القدرات الهائلة لروسيا والتعاون بينها وبين قبرص واليونان وتركيا في موضوع استخراج النفط والغاز من شرقي المتوسط.

4- تحويل عضوية تركيا واليونان في حلف الناتو الى «نصوص ميتة»، ورفع المكانة الاقتصادية والجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية لتركيا واليونان في اوروبا والعالم قاطبة، وتحويلهما الى جسر صداقة وتعاون واسع النطاق بين روسيا وأوروبا لمصلحة جميع شعوب العالم والسلم العالمي.

بقلم: جورج حداد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 4/2338 sec