رقم الخبر: 242231 تاريخ النشر: كانون الثاني 11, 2019 الوقت: 14:18 الاقسام: مقالات و آراء  
لبنان وأزمة الدين العام ولعبة أركان النظام!

لبنان وأزمة الدين العام ولعبة أركان النظام!

في لبنان تنقسم الأطراف السياسية فيما بينها حول مقاربتها للملفات المتعلقة بالدولة والمواطن. فيما يخص الجانب الإقتصادي منها، يرزح المواطن تحت هموم تتزايد دون أن تكون هناك رؤية لدى الدولة لحلول جذرية. وإذا سلَّمنا جدلاً بغياب مواصفات الدولة عن النظام اللبناني كما سبق وأشرنا (يمكن مراجعة مقال لنفس الكاتب تحت عنوان: لبنان والإصلاح الإداري وأهمية تعزيز مفهوم الدولة)، فإن الأطراف اللبنانية لم تثبت حتى الآن أهليَّتها في هندسة الحلول التي ترتقي لمستوى آمال المواطن أو حتى ترتقي لمستوى سياسات الدولة.

اليوم يسعى البعض في لبنان الى وضع خُطط لتجنّب التطورات المستقبلية التي يمكن أن تحصل اذا استمرّ النزف المالي في الإقتصاد اللبناني. لكن الواضح أن الخطط ليست إلا ظرفية، وهي خطط تقوم على تأجيل الأزمة للمستقبل، وهي أزمة ستصبح أكبر على عاتق الأجيال المقبلة. اليوم يطغى النقاش حول مشكلة الدين العام. الأرقام تُشير الى أن خدمة الدين «أي الفوائد التي تدفعها الدولة اللبنانية عن دينها» قاربت الخمسة مليارات دولار في عام 2018. وهو ما يُمثِّل تقريباً رُبع ميزانيتها السنوية التي تصل الى 20 مليار دولار. في حين ما تزال الحلول التي تضعها الجهات المعنية تنقسم بين وجهتين، إما الحفاظ على النموذج القائم للإقتصاد الإستهلاكي، وهي تعني سياسة التقشّف والتحصيل، أو إعادة هيكلة الدَّين العام كمدخل لأي معالجة للأزمة. في الحقيقة، يبتعد المعنيون عن العلاج الجذري وهو التحوُّل من الإقتصاد الإستهلاكي الى الإقتصاد الإنتاجي. فالدولة تحتاج الى مداخيل مالية لتصبح قادرة على سداد الدين وتمويل نفقات الميزانية.

فكيف إذا كانت المداخيل اليوم أقل من النفقات؟

خلف هذه الإشكاليات حقائق تتعلق بالفساد الذي يحكم إدارة الحكم في لبنان. حيث تُصدِر الدولة اللبنانية سنوياً سندات مالية من أجل تمويل ذاتها. وتنقسم هذه السندات بنسبة 60% بالليرة اللبنانية و40% بالدولار، فيما يتم سدادها بفوائد تبلغ 9% بالنسبة لليرة اللبنانية و7% بالنسبة للدولار، وهو ما يجذب المستثمرين الذين هم بأغلبهم المصارف اللبنانية ومصرف لبنان! في الواقع تقوم المصارف بشراء السندات عبر عملية استثمارية، حيث تُشكل سندات الخزينة 60% من أسهم المصارف التجارية. تمتلك المصارف ودائع تصل الى 200 مليار دولار أي أربع مرات حجم الإقتصاد اللبناني (عام 2017). لا يجرؤ أحد على طرح مسألة إعادة هيكلة الدين العام عبر اتفاق مشترك مع المصارف مثلاً، وبفوائد أقل، ما يُخفف على عاتق الخزينة اللبنانية. ذلك من المحرمات يقول البعض، فهذا يحتاج الى توافق سياسي حول توزيع الخسائر، لنجد أن المصارف والدولة كاسبان ووحده الشعب اللبناني يعاني من نتائج الأزمات!

يعيش لبنان على استيراد 80% من السلع الاستهلاكية ويدفعها بالعملة الصعبة. وحده التحوُّل نحو الإقتصاد الإنتاجي، هو الحل. وهنا نُعيد الإشارة الى عدد من الحلول المتعلقة وباختصار:

أولاً: دعم قطاعات الإنتاج وتحديداً قطاع الصناعة اللبنانية وتقويته، بحيث يُصبح داعماً للقطاعات الأخرى. وهو ما يحتاج الى سن قوانين ووضع سياسات تُحفِّز الاستثمارات في القطاع الصناعي المحلي.

ثانياً: التّحول نحو مجتمع المعرفة، عبر دعم القطاعات البارزة في العلوم والتكنولوجيا، وتحفيز الطاقات والإمكانيات الموجودة في لبنان الى تعزيز الميزة التنافسية الإقليمية في عالم البرمجة والمعلوماتية.

ثالثاً: إعطاء الأولوية لمشاريع الإصلاح الإداري وتطوير بنية الدولة لإيجاد تَحوُّل في بنية القطاع العام، وتطبيق مشروع الحكومة الرقمية، عبر ربط القطاعات بعضها ببعض وبالمواطن بالإستفادة من تكنولوجيا المعلومات.

رابعاً: وضع خطط استباقية للاستفادة من موارد الطاقة التي بات يمتلكها لبنان في قطاعي النفط والغاز بهدف تحفيز إنتاج الصناعات البيتروكيمياوية.

في الواقع، يملك لبنان خبرات عديدة تخوّله إيجاد حلول لكنه يفتقد الحوكمة لتطبيقها. فغياب «الحوكمة»- وهي تدعيم مراقبة نشاط الدولة، ومتابعة أداء الأجهزة التنفيذية - يمنع تطبيق الحلول، وبالتالي يمنع الإصلاح ومحاربة الفساد. الكثير من الحلول المطروحة قابلة للتنفيذ، لكن لعبة المصالح التي تحكم العلاقة بين أركان النظام اللبناني ما زالت الحاكمة. فالمصارف لا تبدو مستعدة لتمويل الاستثمارات المُنتجة برغم أنّه أمر ضروري للإقتصاد، وذلك يعود لسبب رئيسي يتعلق بالربح المريح الذي تحصل عليه من دين الدولة!

على الصعيد الإداري يأتي لبنان في المرتبة 140 من حيث الحوكمة وفقاً لمؤشر البنك الدولي. من ناحية الأزمات، بلغ الدين اللبناني 80 مليار دولار، أي ما يعادل  تقريباً نسبة 150% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2017. وهنا فإن التوقعات تُشير الى ارتفاعه ليصل الى نسبة 160%، بحلول عام 2021. فيما يُعتبر أخطر ما في هذه الديون، أنها أصبحت واقعاً يجعل السياسة الاقتصادية والمالية رهينة لها.

في لبنان، تُدير النخبة الحاكمة وأركان النظام لعبة الإقتصاد والمال بحسب مصالحها. كافة إجراءاتها تهدف لتفادي الأزمة حالياً وتأجيلها إلى الأجيال المقبلة!

بقلم: محمد علي جعفر  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/6738 sec