رقم الخبر: 240557 تاريخ النشر: كانون الأول 24, 2018 الوقت: 15:29 الاقسام: ثقافة وفن  
نبي الله عيسى (ع).. معجزات عظيمة تذكر بقدرة الله وتربي الروح
في ذكرى ميلاده العطرة ..

نبي الله عيسى (ع).. معجزات عظيمة تذكر بقدرة الله وتربي الروح

قصة مولد عيسى(ع) قصة عجيبة، ووجه العجب فيها هو ولادة أمه له من غير زوج!

وإذا غضضنا الطرف عن حادث خلق الإنسان أصلاً، فإن حادث ولادة عيسى بن مريم(ع) يكون أعجب ما شهدته البشرية في تأريخها كله، فالإنسانية لم تشهد خلق نفسها، وهو الحادث العجيب الكبير في تاريخها! لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب وأم، وقد مضت القرون بعد ذلك الحدث العجيب والمثير والمعجز؛ فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز الحادثة العجيبة الثانية في مولد عيسى(ع) من غير أب، على غير السُّنَّة التي جرت منذ وُجد الإنسان على هذه الأرض، ليشهدها البشر؛ ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذة تلتفت إليها الأجيال، إن عز عليها أن تلتفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها الإنسان!

لقد جرت سنة الله في هذه الحياة على التناسل والتزاوج بين الذكر والأنثى أحقاباً مديدة، حتى استقر في تصور البشر أن هذه هي الطريقة الوحيدة للتناسل والتزاوج، ونسوا الحادث الأول، حادث وجود الإنسان؛ لأنه خارج عن القياس، فأراد الله أن يضرب لهم مثل عيسى بن مريم(ع)؛ ليذكرهم بقدرته التامة وإرادته الكاملة، وأنها لا تحتبس داخل السنن التي تختارها. ولم يتكرر حدث عيسى(ع)؛ لأن الأصل هو أن تجري السُّنَّة التي وضعها الله وفق ما وضعها تعالى، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره بحسب اختياره سبحانه. وهذا الحادث يكفي ليبقى أمام أنظار البشرية مَعْلَماً بارزاً على قدرته سبحانه ومشيئته، وعدم إنحصارها داخل حدود النواميس، (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ) (مريم:21).

ونظراً لغرابة الحدث وعظمته، فقد صعب على فِرَق من الناس أن تتصوره على طبيعته، وأن تدرك الحكمة في إبرازه، فجعلت تضفي على عيسى(ع) صفات ألوهية، وتصوغ حول مولده الخرافات والأساطير، وتتغافل عن الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب، وهي إثبات القدرة الإلهية.

والقرآن الكريم في سورة مريم يقص كيف وقع هذا الحدث العجيب، ويبرز دلالته الحقيقية، وينفي عنه تلك الخرافات والأساطير.

والسياق الذي وردت فيه القصة، يخرجها في مشاهد مثيرة، حافلة بالعواطف والانفعالات، التي تهز من يقرأوها هزاً، كأنما هو يشهدها عن كثب، ويعاينها عن واقع!

فالمشهد الأول من القصة يصور فتاة عذراء، قديسة، وهبتها أمها، وهي في بطنها لخدمة المعبد، لا يَعرف عنها أحد إلا الطهر والعفة، ولا يُعرف عن أسرتها إلا الطيبة والصلاح. ها هي ذي تخلو إلى نفسها لشأن من شؤونها، التي تقتضي التواري من أهلها، والاحتجاب عن أنظارهم.

وها هي ذي في خلوتها، مطمئنة إلى انفرادها، ولكنها تفاجأ برجل مكتمل سوي يقطع صفو خلوتها: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) (مريم:17)، وها هي ذي تنتفض انتفاضة العذراء المذعورة، يفاجئوها رجل في خلوتها، فتلجأ إلى الله تستعيذ به، وتستنجد، وتستثير مشاعر التقوى في نفس الرجل، والخوف من الله، والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً) (مريم: 18)، وها هو ذا الرجل التقيُّ ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن، فيخاطبها بقوله: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً) (مريم: 19)، وليتمثل الخيال مقدار الفزع والخجل، وهذا الرجل السوي، الذي لم تثق بعدُ بأنه رسول ربها، فقد تكون حيلة ، يستغل طيبتها، يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول، وهو أنه يريد أن يهب لها غلاماً، وهما في خلوة! بيد أنها تدركها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها! فتسأل في صراحة وثبات: كيف يكون هذا؟ فما تعرف هي بعدُ كيف يهب لها غلاماً؟ لكن ما خفف من روع الموقف ما قاله لها: (إنما أنا رسول ربك)، لكن كيف يكون هذا؟ وهي عذراء، لم يمسسها بشر، وما هي بغيٌّ، فتقبل الفعلة التي تجيء منها بغلام!

بيد أن هذا الأمر الخارق، الذي لا تتصور مريم عليها السلام وقوعه، هين على الله؛ فأمام القدرة التي تقول للشيء (كن فيكون) (البقرة: 117)، كل شيء هين، سواء جرت به السُّنَّة المعهودة، أو جرت بغيره. وجبريل قد أخبرها بأن هذا هين عليه سبحانه، وأنه أراد أن يجعل هذا الحادث العجيب آية للناس، وعلامة على وجوده وقدرته وإرادته، ورحمة لبني إسرائيل أولاً، وللبشرية جميعاً، بإبراز هذا الحدث الذي يقودهم إلى معرفة الله وعبادته وابتغاء رضاه.

وتمضي القصة فتذكر معجزة كلام عيسى(ع) وهو في المهد، وما أنطقه الله به عند ولادته، يقول سبحانه: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (30-33). هكذا يعلن عيسى(ع) عبوديته لله، فليس هو ابنه كما يدعي فريق الناس، وليس هو إلهاً كما يدعي فريق ثان، وليس هو ثالث ثلاثة كما يدعي فريق آخر، بل هو نبي مبارك، أوصاه الله بالصلاة والزكاة مدة حياته، وأوصاه بالبر بوالدته، والتواضع مع عشيرته، وله حياة محدودة الأمد، وهو يموت ويبعث كسائر الخلق، وقد قدر الله له السلام والأمان والطمأنينة يوم مولده، ويوم موته، ويوم بعثه.

وينتهي ما يقوله عيسى(ع)، بإعلان ربوبية الله له وللناس، ودعوته إلى عبادة الله الواحد بلا شريك: (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، فلا يبقى بعد شهادة عيسى(ع) وشهادة قصته مجال للأوهام والأساطير، ولا للشك والأباطيل.

وقد ورد في سورة آل عمران ما يؤكد قصة مولد عيسى(ع) كما وردت في سورة مريم، وذلك قوله سبحانه: (إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران: 45-46)، لقد شاء الله أن يخرق قاعدة الإنجاب والتناسل في فرد من بني الإنسان، فينشئه نشأة قريبة، وشبيهة بالنشأة الأولى -الخلق من تراب-، وإن لم تكن مثلها تماماً، الخلق من أنثى فقط، تتلقى النفخة التي تنشئ الحياة ابتداء، فتنشأ فيه الحياة! وقد بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله (اسمه المسيح عيسى بن مريم)، فتضمنت البشارة نوعه، وتضمنت اسمه ونسبه، وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه، ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه: (وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين)، كما تضمنت معجزة تصاحب مولده: (ويكلم الناس في المهد)، ولمحة عن مستقبله: (وكهلا). ووصفته والموكب الذي ينتسب إليه أنه من (الصالحين).

 

 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 29/7815 sec