رقم الخبر: 237284 تاريخ النشر: تشرين الثاني 13, 2018 الوقت: 15:27 الاقسام: ثقافة وفن  
العبقرية.. لغز الصانع أم فكرة إبداعية؟
حركة مضيئة تمضي بنا نحو التقدم والتأمل

العبقرية.. لغز الصانع أم فكرة إبداعية؟

ازدحمت التعريفات وبصورها المختلفة عن العبقرية بوصفها فكرة نادرة، وتباين المفكرون حول قياسها وحول ماهيتها دون خصام، لتحتل اليوم هذه المفردة الرائعة اهتمامنا أيضاً، فقمنا بجهدنا المتواضع لتكريس ما لدينا من مصادر للتعريف الأمثل للعبقرية منذ تاريخها الأول،

 ورغم اعتمادنا على مصادر متعددة، فإن هدفنا الأساسي هنا هو الوصول إلى مظهر العبقرية وماهيتها لتبيانها، بعد أن استَنْطَقتْ جوهر الفن، وفائدة العلم، وعمق اللغة إبداعاً في هذه الحياة الدائرة، لتظهر العبقرية كقدرة إنسانية خلاقة تشعل تجانسها في معانٍ متعددة وأشكال مختلفة لكونها قبل كل شيء حركة مضيئة لم تفعل سوى أن تمضي بنا نحو حقول من التقدم والتأمل.

لعل أو نموذج عبقري يرد إلى أذهاننا في القرن 20 يتمثل في شخصية ألبرت آينشتاين الذي غيّر مداركنا من خلال بصيرته الفطرية النافذة، ليبقى المظهر الإبداعي للعبقرية رمزاً لا مثيل له، ولكننا سنبدأ اليوم بتحديد ملامحها الأولى منذ عهود مصر القديمة التي شكل حضارتها المصريون القدماء بعبقرياتهم الفذّة المتمثلة في إيقاعات غامضة ومذهلة فناً ونحتاً، مروراً إلى أدوات طبية وهندسية غير مألوفة.

وإن ذهبنا إلى الإغريق كحضارة فكرية عريقة فقد كونتها عبقرية النظريات التي وضعها فلاسفتها، وعلى رأسهم الشاعر العبقري هوميروس مؤلف الملحمة الشعرية الخالدة «الإلياذة»، وظهور العبقريات الشعرية في القرن 6 الميلادي تحديداً، وبروز أصحاب المعلّقات الذين كانوا الإشارة الكبرى إلى البراعة اللغوية والمقدرة الشعرية.

وهكذا إلى كل العبقريات التي ظهرت على البسيطة وفي حضارات مختلفة.

رغم علمنا أن المواهب تبقى، وأن الموهبة الكبيرة قليلة في عالمنا ولا ينالها سوى قلّة، قام البعض في العصور السابقة وحللها بأنها قدرة سماوية، وأنها تلد عند المولد، وبالتالي لا تصبح إلا بالولادة، حالها حال الخصائص الأخرى المولودة مع الإنسان من سيئة وطيبة.

تسمية عبقري نسبة إلى «وادي عبقر»

لذا وبعد هذا التمهيد نستطيع أن نعرف لم اتفق اليونانيون ومنذ القدم على أن العبقرية ليست سوى مقدرة إلهية لا إنسانية، حتى ورد لديهم بأن الميلاد وحده يحدد خاصية العبقرية هذه لكونها تفضيلاً إلهياً ليفهمها البعض بأنها قدرة موروثة، لنلاحظ بأن «ذات التفسير جرى في جزيرة العرب حين أكد قدماء العرب أن الشعر قدرة خارقة للطبيعة لقيام هذا الألمعي أو النابغة بشيء غير مألوف، ليطلقوا عليه عبقرياً نسبة إلى «وادي عبقر»، وهو وادٍ يقال إنه مليء بالجن كما اشتهر».

يمر الزمن ويحظى موضوع العبقرية باهتمام أكبر وبشكل مختلف، لتخرج توضيحات وتحليلات أكثر منطقية، بأن العبقري أو الموهوب أو البارع إذا صح التعبير وكل أولئك بصفاتهم الموروثة بحاجة إلى بيئة واهتمام، اعتباراً لكونها صفات تودي صاحبها إلى ذلك الاغتراب والانفصال عن الوعي حتى الخيال الخلاق، وبالتالي هو بحاجة وعلى أقل تقدير إلى مراعاة شخصه وسلوكه المختلف.

قاموس إنجليزي

أما إذا تحدثنا عن التعريف اللغوي للكلمة وفي إنجلترا كمثال، فكان ذلك في منتصف القرن 18 الميلادي، حين تم وضع كلمة العبقرية في القاموس الإنجليزي، وكان عليهم التعريف بها تعريفاً خامساً بعد التطورات الزمنية والفكرية حول مفهومها كمفردة في جوهرها بأنها القدرة الغريزية الرائعة على الخلق الخيالي والفكر المبتكر، فقبل ذلك كان لها تعريف رابع وهي الطاقة الفطرية، وقبلها أيضاً كانت موهبة فطرية تُكتسب بالدراسة.. وهكذا حتى الذهاب إلى التعريف الأول والقديم الذي يقول إن العبقرية هي الروح الحارسة، وهي جملة قادمة من الكتاب الملحمي الشعري «الإلياذة».

 قوة فطرية تجسدت عملاً خالداً

ولأننا على علم وإدراك بأنه من الطبيعي أن يكون العبقري صانعاً ومنتجاً لمهارة حرفية أو فكرية أو إبداعية، فإن الكلمة الآن أصبحت موضع تقدير كبير وإعجاب شديد، لما لأعمال العبقري من مكانة رفيعة، وهي في الأصل قوة فطرية تجسدت عملاً خالداً. هذه الفكرة الكبرى بوصفها خارجة من عقول صافية ومتحررة مع اضطرابات جسدية كانت وما زالت تفسر بأنها أصل العبقرية أتت بأشكالها المختلفة، من الطب والعلوم والفضاء، ومع ذلك تبقى اللغة الشعرية الفنية الرومانسية هي العبقرية الأخّاذة في قوتها المزينة بالاستعارة والرمز.

العبقريات بتجلياتها الإبداعية الكبرى ومنذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا، لم تفعل سوى أنها أهدتنا حياة أفضل، في الشعر تحديداً كعلم لغوي إبداعي لا مثيل له، ليظل النقاد والمحللون اللغويون عبر الأزمان، وفي جميع بقاع الأرض يفسرون كيف تتحول الفقرة في مستوى التعبير التقريري إلى مستوى التأثير، وتصبح القدرة عجائبية في تلك الاستعارة المثيرة والمشوقة والرومانسية الحقيقية في إنهاء تناقضات العالم وخلق الفكر الموحد وخوض ذلك الإدراك الحسي عن طريق اللغة.

وأخيراً، لا يمكن قتل العبقرية، والشعرية منها تحديداً، حين نفسرها بما فيها حروف الاستعارة والتحويلات التي تحصل أثناء كتابتها، وانتصار تلك القوة الإقناعية الإنسانية الصافية رغم ما بها من خيال وتمثيل وعدم واقعيتها، لكنها بقيت حقيقية بأي معنى من المعاني، فبنية الصورة فنية ورومانسية عن صوت الطبيعة وصوت الإنسان وحتى صوت المكان البازغ من تلك القصيدة التي حيرت النقاد، ليبقى الشاعر العقل المبدع والإنسان الذي لا تفسير للغته العبقرية، لنعود إلى القول بأن العبقري هو عبقري الشعر.

نماذج متباينة من العبقريات

إذا قرأنا شعر أبي العلاء المعري، نجد أن العبقرية في روعة موهبته الفطرية، سواء الشعرية منها أو النثرية، فقد صاغها بجسارة مدهشة، مقتحماً حدود بلاده خيالاً ليكشف أفكاراً كالأطياف والأحلام.

لكن هل نستطيع أن نطلق على أبي العلاء المعري لقب «العبقري» فقط لأنه خيالي وجسور؟ بالطبع لا يشمل الأمر نشاطه الفكري المتنوع، بل والإدراك الشديد مع البلاغة التي تمتع بها، ناقلاً عن طريق قناة إحساسه لنا شعراً كما هو عمله المشهور «سقط الزند» أو نثراً كما «رسالة الغفران» هذه المؤلفة الخيالية الفنية المذهلة، ذات القواعد والأشكال المحددة، خاصةً أنه لجأ إلى خداع الذات الخفي وبشكل جامح وغير متوقع.. ومن هنا برأيي نستطيع أن نطلق على المعري العبقري.

وبعيداً عن الشعر، فإن فكرة العبقرية تتيح لنا النظر في عبقرية من النوع الآخر وهي عبقرية المعرفة المتعددة، لنأتي في هذا الجانب كمثال للألماني الشهير يوهان غوته وشموليته في الرواية، والكتابة المسرحية، والفلسفة، والشعر، والأديان، واللغات الكثيرة، التي أتقنها وقرأ بها والفنون والعلوم المختلفة.

هذا التعدد دعاه إلى إنجاز مؤلفات كثيرة ومتنوعة، ورغم نثره الشامخ، نجدنا هنا نُفسّر من خلاله العبقرية بوصفها جهداً واجتهاداً وعملاً دؤوباً أيضاً، فلا تكفي الموهبة الفطرية التي من الممكن أن تزول إن لم تطور، ولم تعد نظرية الملكة الفطرية تنشأ وحدها كي تنتج منتوجاً عبقرياً.

أما أصحاب النظريات التي غيرت الحياة نحو الأفضل، كألبرت آينشتاين الذي قدم نظريته الأولى في بداية القرن 20 وبالتحديد عام 1905، فقد انصب اهتمامه على مشكلة سرعة الضوء، المنتقل من مكان لآخر بسرعة عالية ومعينة، حتى استطاع أن يقنع بالشرح ووصف الأحداث معنى سقوط الضوء في لحظتها بين هنا وهناك في الفضاء، لينتبه العالم كله إليه، فهو ينطبق عليه ما يسمى بالعبقرية في تطبيق الرياضيات، لتأخذ العبقرية منحى آخر بعد الشعر والفنون والفكر الفلسفي.

 

 

بقلم: إعداد: ريم الكمالي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 6/2244 sec