رقم الخبر: 236528 تاريخ النشر: تشرين الثاني 02, 2018 الوقت: 19:44 الاقسام: محليات  
اللحمة بعد الفراق

اللحمة بعد الفراق

المشهد الفريد في ذكرى أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) في مدينة كربلاء المقدسة ومشاركة حوالي عشرين مليوناً من كافة أرجاء المعمورة ممن يكنّون الحب لأبي الأحرار وسبط الرسول الخاتم وسيد شباب أهل الجنة من كافة الأطياف والمذاهب والأديان هو أجمل صورة يمكن تصورها عن الوئام بين الأمم في عصرنا الحاضر الذي تفرّقها الحروب والنزاعات والإختلافات.

فهذه الحشود لم تذهب لحفل فرح بل للعزاء، وهذه الجماهير زحفت وكل فرد منها هو مشروع شهيد على يد الجماعات التكفيرية مثل (داعش) وأخواتها التي تصرّ على قتل محبي آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بآية طريقة، فإن لم تتمكن بالتفجيرات والمفخخات والإندساس في صفوف مواكب العزاء والقيام بالعمليات الإنتحارية قامت بتسميم الطعام وتقديمه (ضيافة) إلى الزوار وهم في طريقهم إلى كربلاء المقدسة، وإن فشلت في ذلك قدمت حبوباً قاتلة على أنها دواء شافٍ من صداع الرأس أو الأنفولونزا أو ما شابه كما فعلته هذه السنة.

فهذه الملايين التي سارت مشياً على الأقدام مسافة ٨٠ كيلومتراً من النجف الأشرف فقط ومن مسافات أبعد من مدن أخرى، ومن قبل ذلك الجهود المضنية التي بذلها كل فرد للحصول على التأشيرة العراقية، ومن بعد ذلك استعمال مختلف الوساطات لنيل مكان على إحدى الرحلات المتجهة نحو مطار النجف الأشرف أو العاصمة بغداد وبأثمان باهظة وخيالية أحياناً، ثم الانتظار أحياناً لعدة ساعات في مطار بلد الإنطلاق لأسباب مختلفة، وكذلك البقاء ساعات في المطارين المذكورين نتيجة شدة الزحام وعدم قدرة مطار النجف الصغير والحديث البناء بالخصوص على استيعاب حوالي مائة رحلة طائرة في اليوم الواحد، وأيضاً مواجهة مشكلة السكن في النجف وكربلاء رغم تقديم الأهالي وحتى بعض الوزراء مشكورين منازلهم لإيواء الزوار، رغم كل هذه الأمور نجد البحر البشري الذي لا مثيل له في العالم دون أن يسجل أي أمر يعكر صفو المناسبة الجليلة هذه، بل إن الصور التي بُثّت على مواقع التواصل الإجتماعية تُظهر أجواء المحبة والتعاون بين الزوار مدى الحفاوة وحتى الإيثار من قبل العراقيين عشاق الحسين (عليه السلام) تجاه القادمين من مختلف الأصقاع، حتى أن الزوار واجهوا كثيراً معضلة عدم قدرتهم على استجابة الطلبات الملحّة لقبول الضيافة من جانب مواكب لكونهم قد أُتخموا من أنواع الطعام الشهي والمتنوع وأصناف الفواكه والعصائر من مواكب سابقة، إضافة إلى إبداع أساليب عديدة لتأمين راحة السائرين مشياً مثل تدليك الأرجل ومعالجة اورام الأقدام وحتى مسح الأحذية وتصليحها وكذلك إهداء عربات أطفال جديدة للأمهات لإراحة أطفالهن طوال فترة المشي إلى زيارة أبي عبد الله (عليه السلام)، وتوجد نماذج تبهر العقول من تقديم الخدمات من جانب أطفال يتوسلون الزوار ليأخذوا منهم كوب ماء على محبة الحسين أو يُصرّون على السائرين مشياً ليدخلوا مضيفهم وكذلك من قبل أشخاص ذي مكانة إجتماعية عالية في بلادها كأطباء ومهندسين وحتى وزراء لكنها في كربلاء تفتخر بأن تقوم بكنس الزبالة في شوارع كربلاء المفدسة والنجف الأشرف عشقاً لآل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقرباً إلى الله سبحانه الذي أمر بالمودة لهم.

هذا الأمر جاء بعد فترة طويلة من الجهود الحثيثة التي بُذلت لخلق حالة العداء بين العراقيين وإخوانهم من بلاد أخرى وخاصة مع الإيرانيين منذ أيام الإحتلال البريطاني، وتصاعدت بعد الانقلاب العسكري لحزب البعث، وبلغت الذروة بفعل الحزب التي شنها صدام حسين الملعون على الجمهورية الإسلامية ممثلاً لمختلف الدول العربية والغربية والإتحاد السوفياتي السابق ومن إلتفّ حول تلك الدول والقوى ووقوع مئات الألوف من القتلى بين الشعبين وملايين الجرحى في البلدين الذين لا يزال قسم كبير منهم يعاني من تبعات الحرب المجنونة لصدام العميل.

واستطاعت الأجهزة المختلفة وعلى رأسها الإعلامية ولا تزال النفخ في نار العداوة وتأجيج الخلافات لكي يبقى الحذر والحقد كامنين في النفوس والقلوب من الطرفين تجاه إخوانهم، لكن شعار (حبّ الحسين يجمعنا) تحقق بأبهى أشكاله وصوره في مناسبة أربعين الإمام الحسين (عليه السلام) هذا العام ومن قبله في يوم عاشوراء في كربلاء المقدسة بل في كافة المسالك التي تؤدي إلى مرقد أبي الأحرار وسبط الرسول (صلى الله عليه وآله).

واللافت في هذه المناسبات الحسينية مشاركة مجموعات ممن لا يدينون بدين الإسلام من الصابئة والإيزديين والمسيحيين وحتى البوذيين والهندوس والسيخ إضافة إلى حشود من مختلف المذاهب الإسلامية (السنّية)؛ مما يعني أن الحسين عليه السلام بثورته ملك قلوب كل البشرية وخرج من أطر المذاهب المتعددة والديانات السماوية وبلغ حتى ضمائر الذين لا يعتقدون بالله أصلاً أو يُشركون به.

إذن يمكن القول جازماً أن كافة محاولات أعداء الشيعة في التفريق بين مختلف أطيافها قد فشلت، وجميع الجهود التي بُذلت من أجل تمزيق المسلمين طوائف متناحرة قد ضاعت، ومختلف المحاولات لحبس الثورة الحسينية في الأُطُر الضيقة المذهبية والدينية والقومية والعرقية قد ذهبت أدراج الرياح، وصار الإنسان بما هو إنسان في أي لون ومن أي دين وقوم ومذهب وطائفة يجسّد عشقه للحسين ومبدئه، ويبرهن بمختلف الوسائل تقديره لقيمه السامية، ويعلن بأعلى الصوت وقوفه معه في مسيرة الثورة على الظلم وطلب الإصلاح.

وإلى عاشوراء آخر وأربعين آخر ومشاركة أكثر وتجديد أوسع لمسيرة الوفاء لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

 

 

 

 

بقلم: سيد صادق الموسوي/ محقق كتاب (تمام نهج البلاغة)  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/5460 sec