رقم الخبر: 229930 تاريخ النشر: آب 19, 2018 الوقت: 15:30 الاقسام: ثقافة وفن  
مكة المكرمة.. فضائلها ومكانتها الدينيَّة والتاريخيَّة
من رَحِمِها خلق الله الأرض ومنها دُحيت

مكة المكرمة.. فضائلها ومكانتها الدينيَّة والتاريخيَّة

اختِيرَتْ مكةُ المكرمة في عام 1426هـ/2005م من قِبَل المنظَّمة الإسلاميَّة للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) - عاصمةً للثقافة الإسلاميَّة.

فمن رحم مكة خلق الله الأرض ومنها دُحيت، وكعبتها المشرَّفة التي تقع في وسط العالم هي سُرَّة الأرْض ومركزُها، هذا يعني: أنَّ مكَّة هي أُمُّ الدُّنيا بحواضرها ومدنها وقراها وكل معمور منها، والعاصمة العالميَّة للأرض، وهي بالتَّالي أم الثقافات الإنسانية جميعا، هي بَحرها ومحيطها، ضحى شمسها وقمر ليلها، نجوم سمائها وأبجديَّة أرضها، والثَّقافة بكلِّ ما تَعنِيه الكلمة من إرثٍ حضاري تراثي معنوي ومادي بدَأت خُطاها الأولى من مكَّة، وآية ذلك كلِّه ما تشهد به المأثورات التاريخيَّة القديمة القائلة بأنَّ أبانا آدم(ع) يومَ هبط الأرض خارجاً من الجنَّة، تملَّكه خوفٌ شديد، فرَفَع بصرَه إلى السَّماء وتوسَّل إلى ربِّه قائلاً: ربِّ ما لي لا أسمع صوت الملائكة ولا أحسُّ بهم؟! فكان الجواب: «إنَّها خطيئتُك يا آدم... اذهب وابنِ لي بيتاً، وطُفْ به، واذكرني حولَه، فطَفِق يبحَث عن مكانٍ يَبنِي فيه الذي أمَرَه ربُّه أن يبنيه، فانتَهَى به المطاف إلى وادي مكَّة، وبنى البيت العتيق، الذي أصبَحَ منذ ذلك الزَّمن وإلى يومنا هذا وحتَّى يرث الله الأرض وما عليها، مكاناً مباركاً يحجُّ إليه النَّاس من كلِّ فجٍّ عميق؛ طلباً للرَّحمة والغفران.

أوَّلاً - مكَّة المكرمة:

الجذور التَّاريخيَّة - قداسة المكان والزَّمان:

تذهَب الرِّوايات التي تتحدَّث عن الجذور التاريخيَّة لمكَّة إلى أبعد من ذلك؛ فتذكر أنَّ الملائكة هم الذين بنَوْا بيت الله في هذا الموقع (مركز الأرض)؛ لتكون مَزاراً ومَطافاً لهم فيه، لا جرم أنَّ مكَّة المكرَّمة تعدُّ واحدة من أعظم وأكثر مدن الأرض وعواصمها مكانةً وشهرة، ولم تَحْظَ أيُّ مدينةٍ في العالم بِمثل ما حَظِيَتْ به مكَّة من تكريم، ويَكفِيها أنَّ الله بارَكَها وجعَلَها أوَّل مكانٍ يُعبَد فيه من أبي البشَر آدم(ع) من ثَمَّ آثَرَها - جلَّ وعلا - على غيرها من بِقاع العالم طهراً وقدسية، وجعَلَها بعد حينٍ من الدَّهر، قبلةً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بعد أنْ أوحى الله لسيِّدنا إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - أن يُقِيمَا بِناءَ البيت مرَّة ثانية؛ ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96].

مهْما اختَلَف المؤرِّخون والرُّواة وأهل العلم والدين حولَ تاريخ ظهور مكَّة إلى الوجود، يَبقَى هناك اتِّفاق بينهم على أنَّ مكَّة المكرَّمة ليست عريقةً في القِدَم فحسب، بل من أقْدم مدن المعمورة - ما كان معلوماً منها ومجهولاً - وأنَّ البيت الحرام الَّذي يعدُّ اليوم واحداً من أعظم المساجد وأكبر دُورِ العبادة على وجه الأرض - هو أوَّل بيت وُضِع لأهْل الأرض ليَعبُدوا الله - عزَّ وجلَّ - فيه، وليهتَدُوا بفضله إلى صراط الحقِّ، الصراط المستقيم، وأنَّ واضِعَ حجر الأساس لمدينة مكَّة الصغرى هو النَّبي إبراهيم(ع) لتُصبِح مدينةً مأهولة في عهد قُصَيٍّ شهدت مكَّة تَوسِعة كبيرة، وعُنِي بتنظيمها خيرَ عناية، حتَّى أضحت في زمانه مدينةً عامرة مستطيلة المساحة ذات شعاب واسعة.

 قصَّة بناء الكعبة المشرَّفة

لا غرْو في أنَّ مكَّة المكرَّمة كانت عند العرب قبلَ الإسلام من أبرز الأماكن الثَّقافيَّة والتِّجاريَّة، وأهم مدنهم قداسةً وعراقةً، وهي اليومَ عند المسلمين من كلِّ جنسٍ ولون، إلى جانب المدينة المنوَّرة والمسجد الأقصى المُبارَك بالقدس - ثالث المساجد في الإسلام من حيث القداسة أعظم مدينة وأهم الديار قدسيَّة في أرجاء المعمورة كافَّة.

ونقرأ في تاريخ مكَّة المُوغِل في القِدَم أنَّ إبراهيم(ع) الذي هاجَر من «أور» في العراق في رحلةٍ طويلة ليَصِل أرضَ كنعان في فلسطين، من ثَمَّ ليُواصِل الرِّحلة إلى مكَّة المكرَّمة تُرافِقُه زوجتُه هاجر وولَدُه إسماعيل؛ حيثُ أسكنَهُما عند بيت الله الحرام أو الكعبة التي اشتَرَك مع ابنه إسماعيل في بنائها؛ ليُصبِح من يومئذٍ أوَّلَ مسجدٍ عُرِف في تاريخ البشريَّة، وهو البقعة نفسُها التي انفَجرَتْ منها عين زمزم؛ ليُحيي الله بها من جديدٍ هذه البقاع المقدَّسة ولتهوي أفئدة من الناس إليها من كلِّ المعمورة؛ استجابةً من الله - سبحانه وتعالى - لدعاء إبراهيم(ع) الذي سأل ربَّه - عزَّ وجلَّ - قائلاً: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37].

من وحْي ما تقَدَّمَ فإنَّ بعضَ المحدِّثين والمؤرِّخِين القُدَماء يتَّفِقون على أنَّ إبراهيم(ع) قال لابنه إسماعيل: «إنَّ الله - تعالى - قد أمرَنِي أنْ أبْني له بيتاً هاهنا»، فوق الرَّبوة الحمراء القائمة قربَ بئر زمزم (بئر إسماعيل)، وطلَب من ابنِه أنْ يُعينَه في بناء البيت، فلم يزلْ إبراهيم يحفر حتَّى وصَل إلى القواعد، في ذلك يقول الله: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [البقرة: 127]، ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ) [الحج: 26]، وفي هاتَين الآيتين الكريمتَين - عند المفسِّرين - خيرُ دليلٍ على أنَّ قواعد البيت كانت مبنيَّة قبلَ إبراهيم(ع) وقد هَداه الله إليها وبُوِّئ لها؛ أي: إنَّ الأساس الأوَّل للبيت كان موجوداً، والبناء الأوَّل له كانت قواعده قائمةً بوضوحٍ على عهْد إبراهيم(ع).

واضع حجر الأساس في بناء البيت العتيق آدم(ع)

كما ترى هذه المصادِرُ في الوقت نفسه أنَّ إبراهيم(ع) رفَع هذه القواعد بعد طوفان نوح(ع) وقد وقَى الله قواعد بيته وأساسه الأوَّل من هذا الطوفان المُغْرِق، يستدلُّ من هذا أيضاً أنَّ الكعبة كانت موجودةً قبل عهد نوح(ع) الأمر الَّذي يُرجِّح - كما سبق ذكره - أنَّ واضع حجر الأساس في بناء البيت العتيق آدم(ع) أو الملائكة، ومهما يكن من أمر فإنَّ إبراهيم(ع) هو رافِعُ القواعد من البيت، وعندما ارتَفَع البناء أتى إبراهيمُ(ع) بحجَرٍ ليقِف عليه أثناءَ بناء الكعبة، فسُمِّي الحجر (مقام إبراهيم) وبعد أنْ أَتَمَّ إبراهيم وابنه إسماعيل البناءَ - منذ أكثر من أربعة آلاف سنة - أمَر الله - عزَّ وجلَّ - نبيَّه إبراهيم(ع) فقال: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ). المرَّات التي أُعِيد فيها بناء الكعبة:

في هذا السِّياق ذكَر الأزرقي: بأنَّ الكعبة بُنِيَتْ عشر مرَّات:(الأولى) بناية الملائكة، (الثانية) بناية آدم، (الثَّالثة) بناية شيث ابن آدم، (الرَّابعة) بناية إبراهيم وإسماعيل، (الخامسة) بناية العمالقة، (السادسة) بناية جُرهُم، (السابعة) بناية قصي، (الثامنة) بناية قريش، (التاسعة) بناية ابن الزبير، (العاشرة) بناية الحجَّاج.

ممَّا يجدر ذكرُه في هذا السِّياق أنَّ الكعبة بُنِيَتْ للمرَّة الحاديةَ عشرةَ عام (1039هـ/1629م) في عهد السلْطان العثماني مراد الرَّابع (1032 - 105هـ/1623- 1640م)، وللمرَّة الثانية عشرة عام (1417هـ/1996م) في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز (1402 - 1436هـ/1982 - 2005م)؛ أي: بعد مرور حوالى 375 عاماً على بِناء السلطان العثماني مراد الرَّابع.

 

 

بقلم: د. فهمي توفيق محمد مقبل  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/4611 sec