رقم الخبر: 228488 تاريخ النشر: آب 06, 2018 الوقت: 14:35 الاقسام: ثقافة وفن  
تاريخ القهوة الدامي.. لماذا عاقب العثمانيون شارب القهوة بالإعدام؟
في قعر الفنجان ترقد أسرار حرب دارت بين فقهاء المسلمين..

تاريخ القهوة الدامي.. لماذا عاقب العثمانيون شارب القهوة بالإعدام؟

كثيرة هي الفتاوى التي حاولت النيل من القهوة، لكن ما من أحد ناصبها العداء كما فعل السلطان مراد الرابع، حيث أمر بقطع رأس شاربها. حكمَ السلطان مراد الإمبراطورية العثمانية خلال القرن السابع عشر،

وعزم على القضاء على ذكر القهوة نهائياً، فكان يتجول في المدينة بحثاً عن المخالفين. وعلى خط مواز حذر علماء الدين الأتراك من القهوة لأنها بنظرهم تؤدي إلى القيام بتصرفات غير لائقة.

فيما أنت ترشف فنجان قهوتك لتهزم صداعاً يفتك برأسك، أو ربما لتضفي على جسدك المنهك نشاطاً وحيوية، تذكر أن أسلافنا قطعت رؤوسهم وسحلت أجسادهم لا لذنب اقترفوه، أو حرام ارتكبوه، بل لأنهم شربوا القهوة!

في قعر الفنجان الصغير الذي بين يديك ترقد أسرار حرب دارت بين فقهاء المسلمين بشأن القهوة. فالمعشوقة السمراء ومنذ انتشارها في العالم الإسلامي بداية القرن السادس عشر، شطرت صفوفهم بين مؤيد لشربها ومعارض لتذوقها. أيها القارىء خذ رشفة من فنجان قهوتك، وتعال معنا لنغوص في تاريخ القهوة المرير!

تتعدد الروايات وتتنوع حول منشأ القهوة، لكن أكثرها تداولاً تلك التي تقول إن راعياً إثيوبياً يدعى «كالدي" لاحظ ذات يوم أن خرافه تقوم بحركات غريبة كلما تناولت من ثمرة البن الخضراء، فقرر أن يتذوقها حيث اختبر تأثير مفعولها السحري على جسده. ومنذ ذلك الحين ما تزال القهوة سارية المفعول. تغزو الصباحات وتنافس كوب الماء في صدارة المشروبات الأكثر استهلاكاً عالمياً، حيث يحتسي عشاقها أكثر من 400 مليار فنجان سنوياً.

وإذا كان الأثيوبيون أول من مضغ ثمرة القهوة، وربما صنع الشراب من أوراقها، فإن الصوفي اليمني الشاذلي كان أول من غلى فنجان قهوة من حبوبها وأفشى سرها بين اليمنيين في القرن الخامس عشر  الميلادي بعد تعرفه عليها خلال زيارته الى أثيوبيا،. ثم سرعان ما انتشرت بين مجالس الصوفية الذين أطلقوا عليها «خمرة الصالحين"، وذلك رداً على فقهاء حرموها ورأوا فيها نوعاً من المسكرات.

مذاق عابر للحدود

أشعل انتشار القهوة في العالم الإسلامي مطلع القرن الخامس عشر معركة فقهية سرعان ما تطورت إلى أحداث شغب. هذا الجدل الصاخب بشأن القهوة استمر في العهد العثماني قرابة قرنين من الزمن، بدعوى أنها «مسكرة ومفسدة" للعقل والبدن، وأشد خطراً من الخمر. لكن هذه الفتاوى لم تثن جمال الدين الذبحاني، أحد مشايخ الصوفية في اليمن عن التلذذ بالقهوة، فأجاز شربها لتعين طلاب جماعته على السهر حتى مطلع الفجر.

ومن موطنها الأم إلى مكة عبرت السمراء حدود الجارتين، لتواجه معارضة أشد عنفاً وفتاوى أكثر تحريماً، حيث انقسم الناس حول القهوة وكثرت الفتن والمواجهات بين مؤيديها ومعارضيها الذين استعانوا بالسلطة السياسية. عندها أصدر حاكم مكة قراراً بتحريم القهوة عام 1511، وظل العمل به قائماً حتى عام 1524 ميلادياً. 

لكن رغم ذلك، ظل مذاق القهوة يعبر الحدود. هكذا وصلت القهوة إلى مصر مطلع القرن العاشر الهجري، حيث تزود الطلبة اليمنيون من حباتها وحملوها معهم إلى رواق جامع الأزهر للتغلب على التعب والنعاس أثناء الدراسة، لكن سرعان ما علت الأصوات المعارضة لشربها، وصدرت فتاوى تحرمها إلا أنها عجزت عن منع انتشارها بين جمهورها.

كثيرة هي الفتاوى التي حاولت النيل من القهوة، لكن ما من أحد ناصبها العداء كما فعل السلطان مراد الرابع، حيث أمر بقطع رأس شاربها. حكمَ السلطان مراد الإمبراطورية العثمانية خلال القرن السابع عشر، وعزم على القضاء على ذكر القهوة نهائياً، فكان يتجول في المدينة بحثاً عن المخالفين. وعلى خط مواز حذر علماء الدين الأتراك من القهوة لأنها بنظرهم تؤدي إلى القيام بتصرفات غير لائقة. 

انتصار القهوة

تحريم القهوة من قبل بعض الفقهاء قابله تقديس من قبل آخرين. فقد ظهر عدد من رجال الدين المناصرين لها كالشيخ أبي بكر المكي الذي ألف رسالته "إثارة النخوة بحُكم القهوة"، وفي دمشق كان هناك الشيخ أبو الفتح المكي الذي يصفه بعض المؤرخين بأنه كان "مغالياً في نُصرة القهوة". أما ابرز المحللين لها فكان القاضي محمد بن إياس الذي أجرى تجربة في بيته قبل إصدار الفتوى. حيث دعا إلى دراته جماعة من الناس وقدم لضيوفه القهوة، واستمر في الحديث معهم في قضايا فقهية وعلمية اختباراً لتركيزهم، وعندما رأى أنّهم حافظوا على تركيزهم، أقرّها وأفتى بأنها حلال.

تسلّح الملوك والسلاطين بالفتاوى الدينية التي أصدرها الفقهاء لتحريم القهوة، فكانت حجتهم أنها تسمم الروح والجسد. لكن بعض المتتبعين لتاريخها وجدوا أن حظرها يعود لأسباب سياسية. ففي المقاهي يتجمع الناس وتدور النقاشات والأحاديث، وفيها تفشى الأسرار، ومنها تنطلق الثورات والتظاهرات. ولأن القهوة لها مفعول كيميائي سحري تورط فيه كبار المفكرين أمثال فولتير الذي كشف أنه كان يحتسي 40 فنجاناً من القهوة يومياً، لهذا فهي كانت مصدر قلق لقدرتها على تنشيط الخيال والأفواه معاً، وهذا ما لم يكن يريده الحكام.

الآن، عزيزي القارئ أصبحت تعلم أن الشراب الأكثر مبيعاً بعد النفط كان محرماً، وكان يحكم على شاربه بالسجن والجلد، أو يطاف به على الناس ليكون عبرة لغيره، ولك أن تتخيل لو أن هذه الفتوى ما زالت قائمة لوجدت ألوفاً مؤلفة من عشاق السمراء يطاف بهم في الأسواق وأولهم كاتبة هذه السطور المدمنة على شرب القهوة حتى "الثمالة".

 

بقلم: زهراء ديراني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/4743 sec