رقم الخبر: 223239 تاريخ النشر: حزيران 17, 2018 الوقت: 12:12 الاقسام: ثقافة وفن  
في سجون الطاغية...من ذاكرة السيد رياض الحكيم

في سجون الطاغية...من ذاكرة السيد رياض الحكيم

تعود بداية القصة التي يفوق عنصر المأساة فيها أي تراجيديا اخرى الى بدايات هيمنة البعث على الحكم في انقلاب 17 تموز عام 1968...

لعشرات السنين خيمت الاقسام المغلقة من سجون البعث بظلمها وظَلامها على النخبة من رجال العراق لاسيما نُخَبِ الوسط والجنوب ،وكان نصيب الحوزة العلمية القسط الأوفر من بينها ونصيب آل الحكيم حصة الاسد من بين العوائل العلمية.
وتعد مذكرات السيد رياض نجل المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم حفظه الله والتي طبعت في دار الهلال بعنوان (في سجون الطاغية) من أهم المراجع التي تضع أمام الأجيال حجم المأساة التي عاشها شيب وشباب هذا البيت (آل الحكيم) بشكل خاص وسجناء الاقسام المغلقة بشكل عام في زمن الطاغية .
تعود بداية القصة التي يفوق عنصر المأساة فيها أي تراجيديا اخرى الى بدايات هيمنة البعث على الحكم في انقلاب 17 تموز عام 1968 لكنها اخذت بعدا اكثر جدية عام 1983 عندما أقدم الطاغية على الانتقام الجماعي من (آل الحكيم) فنفذ جريمته المروعة باعتقال رجال الأسرة وشبابها وأطفالها ثم أعدم العشرات منهم وقد طال حكم الاعدام بعض الاطفال والنساء !! ،بينما أُودِع الآخرون غياهب السجون المغلقة لأكثر من عشر سنوات ليتفنن الجلاوزة باضطهادهم وتعذيبهم بأساليب مبتكرة، تفوق قصص الخيال، فضلا عن اعدام مجاميع تلو المجاميع منهم تشفيا وانتقاما - وكورقة ضغط ايضا - كلما اشتد وقع ضربات المعارضة العراقية في الخارج والتي يقودها السيد محمد باقر الحكيم نجل السيد محسن الحكيم قدس سره .
انتظمت هذه المذكرات - بعد التمهيد بلمحة خاطفة عن سياسة حزب البعث في العراق- في ستة فصول أعقبها خاتمة وملحق بالصور والوثائق ويصف كاتبها - الذي عاش بنفسه كل لحظاتها – منهجه في صياغة مادتها بالسردي التوثيقي المجرد عن التوصيف الادبي والاطار الدرامي المتداول في الكتابة الروائية اكتفاء بدرامية الواقع وما اقترن به من لواعج نفسية ومعاناة .
تكفل الفصل الاول بالتعريف باسباب الاعتقال والاعدامات والتي في مقدمتها مكانة الاسرة العلمية والاجتماعية الامر الذي يُقلق النظام!! بالاضافة الى بعض نشاطات الاسرة ضد النظام في الداخل فضلا عن محاولة الضغط على حركة السيد محمد باقر الحكيم التي تنامت في الخارج بالاضافة الى امتناع الاسرة عن المشاركة في المؤتمر الاسلامي الشعبي لاعطاء صبغة شرعية لموقف النظام في الحرب الايرانية اذ حرص صدام على حضور كبار الاسرة في ذلك المؤتمر لكنهم ابدوا عصامية رائعة امام الضغط والتهديد فلم يحضره احد منهم، هذه الملفات وغيرها مما هو مسطور في الفصل الاول اقتضت ان يشرف صدام بنفسه على قضية ال الحكيم بحيث لم يكن مسموحا لادارات السجون وسائر المسؤلين ان يتدخلوا في صغيرة او كبيرة تخصهم الا بعد مراجعة الشعبة الخامسة المسؤولة عن اضطهاد اتباع المذهب الامامي وادارة هذه الشعبة بدورها ما كان مسموحا لها اتخاذ أي تدبير يخص ال الحكيم الا بعد مراجعة الطاغية صدام بنفسة بحيث ان المجرم علي حسن المجيد عندما زار سجن مديرية الامن العامة في بغداد عام 1984م نظر في ملفات جميع سجناء الاقسام المغلقة في مديرية الامن العامة في بغداد الا ال الحكيم لم يقترب منهم اطلاقا لان الجلاوزة اخبروه بان الطاغية يشرف على ملفهم بنفسه .
اما الفصول الخمسة الاخرى فرسمت فصول المأساة المتبقية بدءا من سجن مديرية الامن العامة في بغداد الى سجن ابي غريب ثم معتقل الرضوانية الرهيب، ومهما كتبت اجد الكلمات عاجزة عن رسم صورة عن مأساة هذه الطوامير وما يجري فيها انما اكتفي بوضع بضعة مشاهد بين ايديكم أقتبسها من تلكم الفصول بتصرف بسيط :
1-المشهد الاول/ رسالة الطاغية !
بعد مضي مدة وجيزة على الاعتقال كانت بالنسبة للمعتقلين جحيما من التعذيب المتواصل تم استدعاء السيد محمد حسين سعيد الحكيم – احد المعتقلين عالم ذو شيبة – وبعد انتظار طويل في غرفة معتمة ادخلوه على مسؤول أمني كبير فقال له:
- سوف نحملك رسالة ،فاستغرب السيد ان يتم تحميله رسالة وهو معتقل لكن المسؤول اضاف :
- سوف نرسلك الى ايران، وهنا فهم ان رسالتهم موجهة الى السيد محمد باقر الحكيم فانتظرها ولم يخطر في ذهنه انها رسالة تختلف عن المعتاد .
- اخرج المسؤول الامني مسدسه ووضعه على الطاولة وضغط زرا كهربائيا بجنبه فدخل احد الجلاوزة فصاح به المسؤول: هات عبد الصاحب محسن الحكيم !
- بعد قليل ادخلوا السيد عبد الصاحب مكبل اليدين، معصب العينين، خائر القوى من التعذيب، عليه ثوب ملطخ بدمائه فالتفت المسؤول الامني الى السيد محمد حسين الحكيم قائلا: هذا هو المجرم عبد الصاحب ثم اطلق عليه رصاصات من مسدسه فسقط شهيدا مضرجا بدمائه 
- ثم ضغط المسوؤل ثانية على الزر الكهربائي واستدعى السيد علاء الدين محسن الحكيم وفي الثالثة استدعى السيد محمد حسين محسن الحكيم وفي كل مرة يتجدد مشهد مشابه لما جرى مع الشهيد السيد عبد الصاحب فاظلمت الدنيا في عين السيد محمد حسين سعيد الحكيم وسقط مغشيا عليه فانتظره الجلاوزة حتى افاق ليستدعي الضابط بعدها كلا من الاخوين السيد كمال الدين والسيد عبد الوهاب يوسف محسن الحكيم والسيد احمد محمد رضا محسن الحكيم على التوالي في مشاهد مماثلة للمشهد السابق .
- بعد ان اكمل المسؤول تنفيذ جريمته توجه صوب السيد محمد حسين سعيد الحكيم قائلا هذه هي الرسالة التي تحملها الى "المجرم محمد باقر الحكيم " فليترك المقاومة والمعارضة للنظام والا سوف نعدم كل الموجودين ونقطِّعهم وعليك بعد ابلاغ الرسالة ان تعود الى بغداد والا اعدمنا اولادك!.
2-المشهد الثاني/ وحشية النظام
يذكر الشهيد الشيخ عباس البهبهاني ان الجلاوزة اعتقلوا صهر أخيه وزوجته وهي بنت اخ الشيخ عباس وطفلهما الصغير وعندما رفض زوجها الاعتراف بالتُهم التي وجهت اليه سحب ضابط الامن الطفل من امه وضرب به الحائط فتهشم رأسه امام أمه وأبيه.
3-المشهد الثالث/ انتفاضة السجناء
في الغرفة (5) من ق (1) من الاقسام المغلقة في سجن ابي غريب كان احد السجناء شاب من بغداد اسمه ضياء عبد الامير مصاب بالتدرن وهو مرض متفش في الاقسام المغلقة من هذا السجن، وكلما اخبر اصدقاؤه مفوض الأمن (سامي) عن ضرورة جلب العلاج له كان يجيبهم: "اذا مات فخبروني" !! وفي احدى ليالي شهر رمضان ساءت حالته والتحق بالباري رحمه الله فأخبر اصدقاؤه الجلاوزة بوفاته فكان الجواب :"اتركوا الميت في الغرفة" فتوترت اعصاب السجناء ودب الهياج بينهم وخرج الوضع عن السيطرة، حتى بعد ان وافق المفوض سامي على نقل المتوفى لم ينفع ذلك، كانت خطوة متأخرة اذ علت هتافات (الله اكبر) (لا اله الا الله) ذلك الهتاف الذي يرتعد منه الظالمون .....
4-المشهد الرابع/ دروس البحث الخارج في السجن !!
من أهم الادوار التي قام بها السيد محمد سعيد الحكيم – وكان ضمن المعتقلين من آل الحكيم لعشر سنوات - انه كان يمثل المرجعية العلمية في السجن فكان يجيب على الاسئلة ويلقي دروس البحث الخارج في التفسير والفقه والاصول ...كل ذلك سرا بطبيعة الحال .
هذه مجرد لمحة مما في المذكرات ونصيحتي ان يقتني الجميع هذه المذكرات بالاضافة الى مذكرات عام ونصف قضيتها في سجون النجف لحرم الشهيد السيد جواد شبر ومذكرات اوراق مهربة من السجون العراقية لمهدي عبد الله شمخي وموسوعة الاضطهاد للدكتور صاحب الحكيم فلعمري هذه الكتب والتي سأكتب عن كل واحد منها في الايام القلائل القادمة تمثل تاريخا يحتاجه كل عراقي وما انصف بلده ولا نفسه من يتجاهله .
 
بقلم: الشيخ ليث الكربلائي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 4/4258 sec