رقم الخبر: 220630 تاريخ النشر: أيار 21, 2018 الوقت: 18:36 الاقسام: ثقافة وفن  
بعيدا عن الحرب.. ما لاتعلمه عن الحضارة السورية

بعيدا عن الحرب.. ما لاتعلمه عن الحضارة السورية

هبة اليوسف- قبل أن أبحر في موضوعي هذا كان علي أن أنقل لكم القول المأثور لعالم الآثار الفرنسي "أندريه بارو" حول سوريا والذي يقول: لكل إنسان متحضر في هذا العالم وطنان، وطنه الأم ..وسوريا!

وفي هذه الأيام الأليمة التي تعيشها سوريا وبعد مرور سبعة أعوام من الحرب أنهكتها وتدمرت على إثرها العديد من معالمها الأثرية، سأعود بالذاكرة إلى رونق الحضارة السورية عسى أن أعيد للأذهان الأهمية التاريخية والدور الكبير لهذا البلد في تشييد الحضارة الانسانية.

دعوني أوضح لكم في البداية أن سوريا هي كلمة يونانية و تعني الأرض السيدة أو أرض الأسياد و الأشراف و هي اسم مؤنث، كما تعني بلاد الشمس باللغة الفينيقية.

تتوضع سوريا في موقع مهم بين الشرق والغرب أي أنها تعد تقريبا نقطة التقاء العديد من القارات ما أضفى عليها أهمية بارزة عبر التاريخ، وبهذا فإن سوريا شهدت عددا من أقدم واهم الحضارات على وجه المعمورة،كما دلت على ذلك الاكتشافات الأثرية التي يعود بعضها إلى ما يزيد عن ثمانية آلاف عام قبل الميلاد،ولا تكاد منطقة من مناطق سورية تخلو من المواقع الأثرية التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة ،ويزيد عددها على 4500 موقع أثري مهم، وحسب كتاب «سوريا دليل سياحي» لحمود أبو فخر، يبلغ عدد الحضارات التي تعاقبت على الأرض السورية أربعين حضارة.

بدايات الاستيطان في هذا البلد العريق تعود إلى أولى فترات الاستيطان البشري في العصر الحجري ما قبل الفخاري، ويذهب بعض الباحثين إلى أن التواجد الحضاري في سوريا يعود إلى مليون سنة ،بمعنى أن الحضارة في سورية تعود إلى فترة ما قبل التاريخ.‏

ناهيك عن ما ذكرته سابقا يعتبر علماء الآثار سوريا بحسب الموسوعات العالمية مركزا لإحدى أقدم الحضارات على وجه الأرض فهنا كانت بداية الاستيطان البشري وتخطيط أولى المدن واكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات وانتشار المعرفة وابتكار الأبجدية ، کما تعتبر دمشق أقدم عاصمة في التاريخ.

أضف الى ذلك أن سوريا تضم مدناً  كثيرة تعود لحضارات وحقب تاريخية مختلفة، مثل ممالك إيبلا، وأوغاريت التي تم اكتشافها في العام 1928 من خلال العثور على أقدم نوتة موسيقية تامة في التاريخ البشري والتي يعود تاريخها إلى الألف السابع قبل الميلاد. والتي كانت مدونة على 36 لوحة تم اكتشافها عام 1957 ويعود تاريخها إلى 3500 قبل الميلاد، ليستطيع أحد أبناء اللاذقية، العالم راؤول فيتالي، فك رموزها، وتحويل النوتة المكتوبة على الرقيم رقم H-6 إلى نوتة موسيقية واضحة عزفها الموسيقي زياد عجان على البيانو، بإصبع واحد، في حفل اليوبيل الذهبي لاكتشاف أوغاريت في اللاذقية عام 1979.

*مهد للموسيقى

تعكس التماثيل والنصوص المسمارية المكتشفة في مملكة أوغاريت الحياة الموسيقية التي ازدهرت في تلك المملكة، حيث تشير إلى استخدام العديد من الآلات الموسيقية كالناي والقيثارة والطبل والكنارة أو الرباب، والصنج والمصافق العاجية والخشبية، وهي قطع صغيرة مجوفة أسطوانية الشكل تربط في الأصابع وتقرع الواحدة بالأخرى.

کذلك ماري التي لا تقل آهمیة عن آوغاریت تم اکتشافها عام 1932 وتسمى تل الحریري حالیا كانت مملكة قوية وغنية بكل أشكال الحياة.  كما تُعتبر آثار ماري أغنى مصدر كتابي مؤرّخ للموسيقى في عصر البرونز، حيت تضمّ رقماً وكتابات جدارية تتحدث عن الموسيقى والهيكل التنظيمي للموسيقيين في القصر الملكي وكيفية اختيار العازفين والمغنين وكذلك أوضاع الموسيقيين المعيشية. ولعل "أورنينا" عازفة ومغنية المعبد ما زالت الرمز الأجمل لحضارة ماري التي تعكس عمق تأثير الموسيقى في حياة الإنسان. وسيبقى اسمها رمزاً لهذا الفن المولود في سوريا والمرافق لحضارة الإنسان أينما حلّ.

 

 

عزفت ماري الآلات الموسيقية الوترية والإيقاعية والهوائية، كآلة القيثارة ذات الأوتار التسعة وآلة القيثارة المصنوعة من خشب الصندل المغطى بالذهب، وصندوقها الصوتي المصنوع من الجلد، وآلة الهارب.

كما ذكر الأرشيف الملكي أنواع الآلات الموسيقية ومواد صناعتها وتأثير نوع كل مادة على صوت النغم الموسيقي، مثل صناعة الناي من خشب الأبنوس المفضل على خشب التنوب، وصناعة القيثارة من الجلد بعد نقعه في اللبن والحليب والقطران، ثم تلوينها، وكيفية معالجة جلد البقر لصنع الطبول.

 اضافة الى راميتا والبارة ودورا أوربوس وسرجيلا وكرك بيزة وجرارة وقاطورة وعين دارة وشمس وباصوفان والنبي هورى وأرواد وقطنا وشهبا وبصرى وقنوات وصلخد وأفاميا و تدمر التي كان لملكتها زنوبيا دورا كبيرا في تشييد حضارة تلك المدينة ، تعرف هذه المرأة بجمالها و إقدامها و ذكائها كانت جديرة بأن تكون قرينة أذينة الذي كان يحمل لقب "رئيس المشرق، و هي قد اشتركت معه بالفعل في سياسة ملكه أثناء حياته، و لم تخلفه في منصبه فقط بعد وفاته ،بل إنها عقدت العزم على بسط سلطانها على الدولة الرومانية الشرقية، و كان ابنها هبة الله بن أذينة لا يزال حينذاك طفلاً، فتسلمت مقاليد الحكم في يدها.

بعد وفاة زوجها قادت جيوش مملكة تدمر في غزوها لمصر وآسيا الصغرى لفترة وجيزة قبل أن يتمكن الإمبراطور أوريليان من هزمها وأسرها إلى روما حيث سرعان ما توفيت لأسباب غامضة. أما عن لغة تدمر فهي اللغة الآرامية و كان أهلها يعبدون الشمس، و معبد الشمس لا يزال إلى الآن أكبر الآثار التدمرية.

علاوة على كل ما ذكرته لحضراتكم آنفا قامت على الأرض السورية حضارات عديدة عبر حقب التاريخ القديم، وتركت تلك الحضارات بصمات لم يمحها الزمن على ثراها، يدل عليها الغنى الكبير للمواقع التاريخية ،وهي تجعل من سورية بوابة للتاريخ، وسكنت شعوب شتى أرض سورية ،ومن الحضارات الشهيرة في التاريخ السومرية والأكادية والكلدانية والكنعانية والآرامية والحثية والرومانية والنبطية والبيزنطية والعربية،ويؤكد الباحثون أن سورية اليوم مما تمتلكه من تراث وآثار خلاصة لتاريخ العالم.‏

ومن الابتكارات الإنسانية صناعة أول عجلة مستديرة من الحجر،كما ابتكرت الناعورة التي ترفع الماء من الأنهار،و كما نعرف ارتكزت الثورة الصناعية العالمية على العجلات، ومنها خرجت الأبجدية الأولى وصناعة الفولاذ.‏

أما في العصر الاسلامي أصبحت سوريا أهم حاضرة ثقافية وأدبية وعلمية وصناعية وعمرانية ومركزا ومنارة عالمية، ويشهد عليها فن العمارة الذي انتقل من سوريا إلى جميع البلاد الإسلامية شرقا وغربا من دمشق وحمص وحلب والرصافة وصولا إلى قرطبة والزهراء في الأندلس. ثم جاء العصر العباسي ويحسب ضمنها الدول المتتابعة ومنها الفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية.

في الختام يمكنني القول بأن سوريا كونها جزء من هذا الجسد المستدير الذي نطلق عليه الكرة الأرضية لا يمكن تغاضي دورها التاريخي في بناء الحضارة الانسانية منذ نشأتها.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/8484 sec